شرح كتاب " حلية طالب العلم" (5) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

1,324 مشاهدة
155 مشاركة
منذ 8 سنوات
```html

المقدمة

هذا هو المجلس الخامس من مجالس شرح كتاب «حلية طالب العلم» للعلامة الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله، يشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يتناول المجلس جملة من الآداب التي تزيّن طالب العلم في نفسه ومع غيره، وتضبط طريقه في التحصيل. ومن أبرزها: الترفّع عن مواطن اللغط وكثرة القيل والقال، والتحلي بالرفق، والثبات والتثبّت، ثم الحديث عن كيفية الطلب ومراتبه.

وتتجلى أهمية هذا المجلس في أنه يعالج آفات شائعة بين طلاب العلم في زماننا. فمنهم من يتنقّل بين الشيوخ والكتب دون أن يُتمّ شيئًا، ومنهم من يستعجل الثمرة ويقفز إلى المطوّلات قبل إتقان المختصرات، ومنهم من يكتفي بالكتب عن مجالسة أهل العلم. وكل ذلك يورث طول الطلب مع قلة التحصيل.

أهداف التعلم: أن يدرك المشاهد معنى الثبات في العقيدة والمنهج والطلب، وأن يعرف منهج التدرّج في التحصيل وما يُراعى في كل فن، وأن يطّلع على سلّم المتون العلمية في الفنون المختلفة. ويُرجى كذلك أن يقتنع بضرورة التلقّي عن الشيوخ وعرض الفهم عليهم، وأن يتأدّب بأدب الرفق في الخطاب.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: الترفّع عن اللغط والتحلي بالرفق والتدبّر

افتتح الشيخ المجلس بالتنبيه على أن طالب العلم ينبغي أن يترفّع عن «الهيشات» ومواطن اللغط وكثرة القيل والقال. فهذه المواطن تُذهب الوقار وتشغل القلب عن العلم والعمل، وطالب العلم أولى الناس بصيانة لسانه ومجلسه.

ثم انتقل إلى الخُلُق الثالث عشر، وهو التحلّي بالرفق. ونصّ الحلية فيه: «التزم الرفق في القول، مجتنبًا الكلمة الجافية، فإن الخطاب اللين يتألّف النفوس الناشزة، وأدلة الكتاب والسنة في هذا متكاثرة». فالرفق مفتاح القلوب، والكلمة الجافية تنفّر حتى من الحق.

ونبّه الشيخ كذلك على تدبّر كتاب الله، فهو سبيل الفهم والانتفاع، وبه تنفتح أقفال القلوب.

قال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: 24]
ومن أدلة السنة في الرفق قوله ﷺ: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ» [رواه مسلم]

المحور الثاني: الثبات والتثبّت عقيدةً ومنهجًا وطلبًا

أكّد الشيخ أن من أعظم أخلاق طالب العلم الثبات، أي أن يكون ثابتًا على دينه وعقيدته ومنهجه. فلا يكون اليوم مشرّقًا وغدًا مغرّبًا، وحذّر من التقلّب في الدين، لا سيما في أزمنة الفتن. واستشهد بثبات العلماء في المحن، كالحافظ ابن كثير رحمه الله حين استُفتي في مسائل ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب، يُراد بها الطعن والفتنة، فثبت ولم يُستدرج.

ومن صور الثبات الثبات في الطلب. وقد ذكّر الشيخ بأن منهج السلف في التلقي أن يأخذ الطالب عمّن شاء، لكنه يتخرّج على شيخ يلازمه. ومن أمثلة ذلك ابن القيم مع ابن تيمية، والنووي مع العز، وابن حجر والهيثمي مع العراقي. ثم ضرب مثلًا بمن يترك دروسه كلما تحرّكت رحلة إلى بلد ما، وبيّن أن الواجب أن يلتزم الطالب بدرسه حتى يتمّه ويتقنه، ثم ينتقل إن شاء. أما من يبدأ كتابًا ثم يتركه عند ربعه أو ثلثه وينتقل إلى شيخ آخر، فإنه يدرس سنوات طويلة ويجد تحصيله قليلًا.

وأما التثبّت فمعناه ألا يتكلّم الطالب فيما يجهل، وألا يتعجّل في الأحكام والفتوى، خاصة في أبواب التكفير والحكم على الناس. فـ«الحكم على الشيء فرع عن تصوّره»، والفتوى أمرها جليل خطير، والواجب الالتزام بالشرع والمنهج لا بردود الأفعال. واستأنس الشيخ بحال عبد الله بن المبارك رحمه الله في إكثاره الخلوة، إذ قال إنه مع رسول الله ﷺ وأصحابه، يجالس خير الجلساء الذين يفيدونه ولا يؤذونه. فمن عرف الحق واتّبعه لا يستوحش من قلة السالكين.

قال الله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: 7]
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: 111]

المحور الثالث: كيفية الطلب ومراتبه والتدرّج فيه

قرّر الشيخ قواعد ذهبية في الطلب، منها: «من لم يُتقن الأصول حُرم الوصول»، و«من رام العلم جملةً ذهب عنه جملةً»، و«ازدحام العلم في السمع مضلّة الفهم». فالعلم يؤخذ بالتدرّج شيئًا فشيئًا. واستدلّ بأن الله عز وجل كان قادرًا على إنزال القرآن جملة واحدة، لكنه فرّقه في ثلاث وعشرين سنة، وأنزله بواسطة جبريل عليه السلام ليكون بالتلقّي.

وذكر ما ينبغي مراعاته في كل فن يطلبه الطالب:

  • حفظ مختصر فيه.
  • ضبطه على شيخ متقن.
  • عدم الاشتغال بالمطوّلات وتفاريق المصنّفات قبل ضبط الأصل وإتقانه.
  • عدم الانتقال من مختصر إلى آخر بلا موجب، لأن ذلك من باب الضجر.
  • اقتناص الفوائد والضوابط العلمية وتقييدها.
  • جمع النفس للطلب والترقّي فيه.

وحذّر الشيخ من أن يجعل الطالب غايته حفظ أحاديث يسيرة ليعتلي بها المنابر خطيبًا واعظًا. وذكّر بقولهم: «أعطِ العلمَ كلَّك يُعطِك بعضَه». وبيّن أن العلم جهاد، ومن أعظم الجهاد، لأنه جهاد للنفس والشيطان وأهل البدع. ونقل رأي ابن العربي المالكي ألّا يخلط الطالب في التعليم بين علمين، وأجاز الشيخ دراسة الفقه المذهبي بالدليل دون تعصّب، باعتبار المذهب مدرسة توصل إلى الفهم عن الله ورسوله ﷺ.

قال الله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا﴾ [الإسراء: 106]
وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ۖ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: 32]
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: 121]
وقال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11]

المحور الرابع: سُلَّم المتون العلمية في الفنون وجرد المطوّلات

عرض الشيخ مراحل الطلب في الفنون كما ذكرها صاحب الحلية، وفيما يلي بيانها:

  • العقيدة (الأسماء والصفات): «العقيدة الواسطية»، ثم «الحموية» و«التدمرية» لشيخ الإسلام ابن تيمية، ثم «الطحاوية» مع شرحها.
  • النحو: «الآجرومية»، ثم «ملحة الإعراب» للحريري، ثم «قطر الندى» لابن هشام، ثم «ألفية ابن مالك» مع شرح ابن عقيل.
  • الحديث: «الأربعون النووية»، ثم «عمدة الأحكام»، ثم «بلوغ المرام»، ثم «المنتقى» للمجد ابن تيمية، ثم الدخول في الأمهات الست.
  • المصطلح: «نخبة الفكر» لابن حجر، ثم «ألفية العراقي».
  • الفقه: «آداب المشي إلى الصلاة»، ثم «زاد المستقنع» أو «عمدة الفقه»، ثم «المقنع» للخلاف المذهبي، ثم «المغني» للخلاف العالي.
  • أصول الفقه: «الورقات» للجويني، ثم «روضة الناظر» لابن قدامة. ونبّه الشيخ إلى أنه لا حرج في الجمع بينهما وإن كان الأول شافعيًا والثاني حنبليًا.
  • الفرائض: «الرحبية» مع شروحها، و«الفوائد الجلية».
  • التفسير وأصوله: «تفسير ابن كثير»، و«المقدمة» في أصول التفسير لشيخ الإسلام.
  • السيرة: «مختصر السيرة» للشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأصلها لابن هشام، و«زاد المعاد» لابن القيم.
  • لسان العرب: العناية بالأشعار كالمعلقات السبع، والقراءة في «القاموس المحيط» للفيروزآبادي.

وبيّن الشيخ معنى جرد المطوّلات، وهو القراءة السريعة لكتب لا يتسع العمر لدراستها دراسة تفصيلية، مثل «تاريخ الطبري» و«المنتظم» و«سير أعلام النبلاء». ونبّه إلى أن جرد الكتب الستة في وقت قصير وإن كان فيه خير، فإن فيه خطورة على من لم يتأهّل. وأشار إلى صفات الحافظ: أن يكون تقيًّا ذكيًّا نحويًّا لغويًّا سلفيًّا، وضرب مثلًا بالإمام الذهبي الذي كتب بيده نحو مئتي مجلد.

المحور الخامس: تلقّي العلم عن الشيوخ والحذر من الأخذ من الصحف

شدّد الشيخ على أن العلم كان عزيزًا حين كان يُتلقّى من الصدور إلى الصدور، فلما صار في الكتب دخل فيه من ليس من أهله. وعاب على من يتصدّر للكتابة والتأليف والتدريس دون أن يجالس العلماء أو يقرأ عليهم، لمجرد أنه حضر خطبة أو رأى شيخًا. وبيّن أن الذي يمنع القريب المتفرّغ من حضور مجالس العلم إنما هو الكبر، أما البعيد فله عذره.

وذكر آفات الأخذ من الكتب دون شيخ، ومنها: اشتباه الحروف، وقلة الخبرة بالإعراب، وفساد النسخ، ورداءة النقل، وكتابة ما لا يُقرأ وقراءة ما لا يُكتب، وإدماج القارئ مواضع المقاطع. ثم استشهد بقول بعضهم:

مَنْ لَمْ يُشَافِهْ عَالِمًا بِأُصُولِهِ ... فَيَقِينُهُ فِي الْمُشْكِلَاتِ ظُنُونُ

وبقول أبي حيان الذي كان كثيرًا ما ينشده:

يَظُنُّ الْغُمْرُ أَنَّ الْكُتْبَ تَهْدِي ... أَخَا فَهْمٍ لِإِدْرَاكِ الْعُلُومِ
وَمَا يَدْرِي الْجَهُولُ بِأَنَّ فِيهَا ... غَوَامِضَ حَيَّرَتْ عَقْلَ الْفَهِيمِ
إِذَا رُمْتَ الْعُلُومَ بِغَيْرِ شَيْخٍ ... ضَلَلْتَ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ
وَتَلْتَبِسُ الْأُمُورُ عَلَيْكَ حَتَّى ... تَصِيرَ أَضَلَّ مِنْ تُومَا الْحَكِيمِ

وخلص الشيخ إلى أن الأصل أخذ العلم من أفواه الرجال مباشرة. فإن اضطر الإنسان إلى الأخذ من الكتب، فليعرض ما انتهى إليه فهمه على أهل العلم الكبار ليسدّدوه ويصحّحوه ويؤدّبوه.

النقاط الرئيسية

  • يترفّع طالب العلم عن مواطن اللغط والقيل والقال، ويلتزم الرفق في القول ويجتنب الكلمة الجافية.
  • الثبات على العقيدة والمنهج والسلوك من أعظم أخلاق طالب العلم، والتقلّب في الدين مذموم، خاصة في أزمنة الفتن.
  • الثبات في الطلب يكون بملازمة الشيخ وإتمام الكتاب وإتقانه قبل الانتقال، وكثرة التنقّل تورث طول الطلب وقلة التحصيل.
  • التثبّت في الأحكام والفتوى واجب، و«الحكم على الشيء فرع عن تصوّره»، فلا يتكلم الطالب فيما يجهل.
  • العلم يؤخذ بالتدرّج: حفظ مختصر، وضبطه على شيخ متقن، وتأجيل المطوّلات حتى يتقن الأصل، و«من لم يتقن الأصول حُرم الوصول».
  • لكل فن سُلّم من المتون يتدرّج فيه الطالب من الأيسر إلى الأوسع، مع جرد المطوّلات التي لا تُدرس تفصيلًا.
  • الأصل تلقّي العلم عن الشيوخ مشافهة، ومن اضطر إلى الكتب فليعرض فهمه على أهل العلم.

الفوائد والعبر

  • ضع خطة واضحة لطلبك: اختر في كل فن متنًا مختصرًا مناسبًا من السلّم المذكور، وادرسه على شيخ متقن حتى تتمّه، ولا تنتقل إلى غيره قبل ضبطه.
  • اتخذ دفترًا للفوائد: قيّد كل فائدة وضابط تسمعه أو تقرؤه، فستجتمع لك مع الأيام ثروة علمية عظيمة.
  • الزم شيخًا تتخرّج عليه: لا بأس أن تستفيد من غيره، لكن احذر أن تترك دروسك المنتظمة لكل درس جديد أو رحلة طارئة.
  • تمهّل قبل الحكم والكلام: لا تُصدر أحكامًا على الناس ولا تتصدّر للفتوى والتأليف قبل التأهّل، واعرض ما أشكل عليك على أهل العلم الراسخين.
  • اجعل الرفق شعارك: خاطب الناس بالكلمة الليّنة، فهي أقرب إلى تأليف القلوب وقبول الحق، واجعل همّتك عالية تبذل فيها نفسك للعلم، فـ«أعطِ العلمَ كلَّك يُعطِك بعضَه».
```
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات