شرح كتاب "إرشاد الفحول " للشوكاني(7) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

4,243 مشاهدة
67 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس السابع من شرح كتاب «إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول» للإمام محمد بن علي الشوكاني رحمه الله، يقدّمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يبدأ فيه الشيخ المقصد الأول من مقاصد الكتاب، وهو المقصد المتعلق بالكتاب العزيز، أي القرآن الكريم، أول الأدلة الشرعية وأصلها.

يتناول المجلس تعريف الكتاب في اللغة والاصطلاح، ويعرض الحدود التي ذكرها الأصوليون والاعتراضات الواردة عليها والأجوبة عنها، ثم ينتقل إلى مسألة المنقول آحادًا: هل هو قرآن أم لا؟ ويبحث فيها تواتر القراءات السبع والعشر، وضابط القراءة المقبولة والقراءة الشاذة، ومسألة البسملة واختلاف أهل العلم فيها.

ويهدف هذا الدرس إلى أن يعرف طالب العلم حقيقة القرآن الكريم كما قرّرها أهل الأصول، وأن يميّز ما يدخل في مسمّى القرآن مما يخرج منه، وأن يفهم ضوابط قبول القراءات ومنزلة الشاذ منها في الاحتجاج، وأن يتعلّم الإنصاف وردّ كل علم إلى أهله.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: تعريف الكتاب والقرآن في اللغة والعرف

بيّن الشيخ أن لفظ «الكتاب» يطلق في اللغة على كل كتابة ومكتوب، ثم غلب في عرف أهل الشرع على القرآن الكريم. أما «القرآن» فهو في اللغة مصدر بمعنى القراءة، يقال: قرأ يقرأ قراءةً وقرآنًا، ثم غلب في العرف العام على المجموع المعيّن من كلام الله سبحانه، المقروء بألسنة العباد، الذي يبدأ بسورة الفاتحة وينتهي بسورة الناس.

ونبّه الشيخ إلى أن القرآن ليس هو كل كلام الله تعالى، بل قدر معيّن منه؛ فالله عز وجل تكلّم بالقرآن وبغيره. والقرآن يُقرأ بألسنة العباد، فـ«الكلامُ كلامُ الباري، والصوتُ صوتُ القارئ».

ولأن لفظ «القرآن» أشهر من لفظ «الكتاب» وأظهر، جاز أن يُفسَّر الكتاب بالقرآن. وهذا ما يسمّيه أهل العلم «التعريف اللفظي»، أي تعريف الشيء بمرادفه الأشهر منه.

المحور الثاني: الحدود الاصطلاحية للكتاب ومحترزاتها

من أشهر حدود الكتاب في الاصطلاح: «الكلام المنزل على الرسول ﷺ، المكتوب في المصاحف، المنقول إلينا نقلًا متواترًا». ولكل قيد فيه محترز:

  • قيد «المنزل على الرسول ﷺ» يُخرج سائر الكتب السماوية كالتوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم.
  • قيد «المكتوب في المصاحف» يُخرج الأحاديث القدسية والنبوية، فهي منزلة على النبي ﷺ لكنها ليست مكتوبة في المصحف.
  • قيد «المنقول نقلًا متواترًا» يُخرج القراءات الشاذة وما ورد من طريق الآحاد.

وأُورد على هذا الحد أن فيه «دورًا»، لأنه عرّف القرآن بالمكتوب في المصاحف، والمصحف لا يُعرف إلا بأنه ما كُتب فيه القرآن. وأجيب بأن المصحف معلوم مشهور لا يحتاج إلى تعريف، يعرفه الكبير والصغير.

ومن الحدود الأخرى: «اللفظ العربي المنزل للتدبر والتذكر المتواتر». وقيد «التدبر والتذكر» فيه لزيادة الإيضاح، وليس من ضروريات الحد. ومنها: «الكلام المنزل للإعجاز بسورة منه»، والإعجاز هو ارتقاء القرآن في البلاغة إلى حدٍّ خارج عن طوق البشر، ولهذا عجز العرب عن معارضته لما تحدّاهم. والسورة طائفة من القرآن مترجمة، أي مبيَّنٌ أولها وآخرها، وتحديدها توقيفي من عند الله تعالى. ومن الحدود أيضًا: «كلام الله العربي الثابت في اللوح المحفوظ للإنزال».

ثم رجّح الإمام الشوكاني أن القرآن هو: «كلام الله المنزل على محمد ﷺ المتلوّ المتواتر»، وقال إنه لا يرد عليه ما ورد على غيره من الحدود. فقيد «كلام الله» يخرج كلام غيره، و«المنزل على محمد ﷺ» يخرج ما أُنزل على غيره، و«المتلو» يخرج الأحاديث القدسية والنبوية، و«المتواتر» يخرج القراءات الشاذة.

قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: 82].

وقال تعالى: ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: 59].

المحور الثالث: المنقول آحادًا وتواتر القراءات

اختلف أهل العلم في المنقول آحادًا: هل هو قرآن أم لا؟ والذي قرّره أهل الأصول أنه ليس بقرآن؛ لأن القرآن مما تتوافر الدواعي على نقله، لكونه كلام الرب سبحانه، ولاشتماله على الأحكام الشرعية، ولكونه معجزًا. وما كان كذلك فلا بد أن يُنقل متواترًا، فما لم يتواتر فليس بقرآن.

ثم عرض الشيخ القراء السبعة وترجم لهم: أبو عمرو بن العلاء البصري، ونافع المدني، وعاصم بن أبي النجود الكوفي، وحمزة الزيات، والكسائي، وابن كثير المكي، وابن عامر الشامي. ويُضاف إليهم في القراءات العشر: يعقوب الحضرمي، وأبو جعفر يزيد بن القعقاع المدني، وخلف بن هشام البزار.

ونقل الشيخ أن الإمام الشوكاني فرّق بين أمرين: القرآن في جملته متواتر بلا إشكال، أما دعوى تواتر كل حرف من القراءات السبع أو العشر بعينه فليس عليها «أثارة من علم» عنده؛ إذ نُقل كثير منها نقلًا آحاديًا كما يعرف ذلك من يتتبع أسانيدها. وذكر أن جماعة من القراء نقلوا أن في هذه القراءات ما هو متواتر وما هو آحاد، وأن القول بتواتر كل واحدة منها إنما قاله بعض الأصوليين، وأهل الفن أخبر بفنهم.

واستشهد الشيخ بكلام الإمام الذهبي رحمه الله: ليس من شرط التواتر أن يصل إلى كل الأمة؛ فعند القراء أشياء متواترة دون غيرهم، وعند الفقهاء والمحدثين والنحاة واللغويين مثل ذلك، «وليس من جهل علمًا حجةً على من علمه». وأكّد الذهبي أن القرآن العظيم بسوره وآياته متواتر، محفوظ من الله تعالى، لا يستطيع أحد أن يبدّله أو يزيد فيه آية. ونقل الشيخ كذلك قول شيخ الإسلام ابن تيمية في «منهاج السنة النبوية» بأن المرجع في تمييز صحيح المنقولات من كذبها هو أهل الحديث، كما يُرجع في كل فن إلى أهله.

قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9].

المحور الرابع: ضابط القراءة المقبولة والشاذة والأحرف السبعة

خلص الشوكاني إلى أن ما اجتمع عليه المصحف الشريف واتُّفق عليه فهو القرآن. وأما المختلف فيه، فما احتمله رسم المصحف ووافق وجهًا عربيًا في الإعراب والمعنى فهو قرآن كله.

وما صح إسناده ووافق العربية لكن لم يحتمله رسم المصحف فهو «القراءة الشاذة». وحكمها أنها تُنزَّل منزلة أخبار الآحاد في الدلالة على مدلولها. أما ما لم يصح إسناده ولم يحتمله الرسم، فليس بقرآن ولا يُنزَّل منزلة أخبار الآحاد، ولا عبرة بمجرد موافقته للعربية مع عدم صحة سنده.

وذكر الشيخ أن المراد بالأحرف السبعة عند الشوكاني لغات العرب، وهي سبع لغات اختلفت في قليل من الألفاظ واتفقت في غالبها. ومثّل لذلك بلفظ «الصراط» الذي يُقرأ بالصاد والسين وبإشمام الصاد زايًا. ونبّه إلى أن هذا لا يعني أن يقرأ المرء كيف شاء، بل هي أحرف منقولة محفوظة.

قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ» [متفق عليه].

وقال ﷺ: «أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ عَلَى حَرْفٍ فَرَاجَعْتُهُ، فَلَمْ أَزَلْ أَسْتَزِيدُهُ وَيَزِيدُنِي حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ» [متفق عليه].

المحور الخامس: مسألة البسملة وأدب الخلاف

ذكر الشوكاني أن الأصوليين أوردوا في هذا الموضع اختلاف القراء والأئمة في البسملة على عدة أقوال:

  • أنها آية من كل سورة.
  • أنها آية من الفاتحة فقط.
  • أنها آية مستقلة أُنزلت للفصل بين السور.
  • أنها ليست بآية.

وبالغ بعضهم فجعل هذه المسألة من مسائل الاعتقاد وذكرها في أصول الدين.

وروى الشيخ موقفًا وقع له بعد خطبة جمعة: جاءه رجل يذمّ «الذين يلغون البسملة من القرآن». فلما سأله الشيخ تبيّن أنه يقصد مسألة الإسرار بالبسملة في الصلاة، وهي مسألة فقهية اجتهادية معروفة الخلاف بين أهل العلم. ومع ذلك رفض الرجل أن يسمع أقوال العلماء فيها.

ومن هذا الموقف يتبيّن خطر الخلط بين المسائل، وأهمية تحرير محل النزاع قبل إطلاق الأحكام، ووجوب الرجوع إلى أقوال أهل العلم.

النقاط الرئيسية

  • الكتاب في اللغة كل مكتوب، وغلب في عرف الشرع على القرآن الكريم. والقرآن مصدر بمعنى القراءة، ثم صار علمًا على كلام الله المعيّن من الفاتحة إلى الناس.
  • القرآن كلام الله حقيقةً يُقرأ بألسنة العباد، فالكلام كلام الباري والصوت صوت القارئ.
  • رجّح الشوكاني في تعريف القرآن أنه: «كلام الله المنزل على محمد ﷺ المتلوّ المتواتر».
  • قيود التعريف تُخرج الكتب السماوية السابقة، والأحاديث القدسية والنبوية، والقراءات الشاذة.
  • القرآن في جملته متواتر قطعًا، ويرى الشوكاني أن آحاد حروف القراءات السبع أو العشر ليس كلها متواترًا بعينه.
  • ضابط القراءة القرآنية: موافقة رسم المصحف، وموافقة وجه عربي، وصحة السند. والشاذة تُنزَّل منزلة خبر الآحاد في الاحتجاج.
  • الأحرف السبعة عند الشوكاني لغات العرب، واختلاف العلماء في البسملة مسألة اجتهادية لا تُجعل من مسائل الاعتقاد.

الفوائد والعبر

  • تعظيم القرآن الكريم: القرآن محفوظ بحفظ الله، منقول جيلًا بعد جيل بما لا يمكن حصره. وهذا يورث المسلم الطمأنينة إلى كتاب ربه والحرص على تدبره والعمل به.
  • ردّ كل علم إلى أهله: يُرجع في القراءات إلى القراء، وفي الحديث إلى المحدثين، وفي اللغة إلى اللغويين. وليس من جهل علمًا حجةً على من علمه، بل يقال للجاهل: تعلّم واسأل أهل العلم.
  • الإنصاف في البحث العلمي: ينبغي التفريق بين الدعاوى والحقائق، وتتبّع الأسانيد قبل إطلاق الأحكام، كما فعل الشوكاني في مسألة تواتر القراءات.
  • تحرير محل النزاع: كثير من الخصومات تنشأ من سوء فهم المسألة، كمن خلط بين إنكار البسملة والإسرار بها. فعلى المسلم أن يتثبّت ويستمع لأقوال العلماء قبل الإنكار.
  • سعة الشريعة ورحمتها: في نزول القرآن على سبعة أحرف تيسير على الأمة ومراعاة للغات العرب، مع بقاء القرآن محفوظًا مضبوطًا لا يُقرأ إلا بما ثبت نقله.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات