شرح كتاب "إرشاد الفحول " للشوكاني(6) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو الدرس السادس من شرح كتاب «إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول» للإمام الشوكاني رحمه الله، ويقدّمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يبدأ الدرس بالمسألة الخامسة من مسائل المبادئ اللغوية، وهي مسألة «الحقيقة والمجاز». ذكر المصنف في هذه المسألة عشرة أبحاث، وهي من أخطر مسائل أصول الفقه وأوسعها أثرًا. فهي تتصل بطريقة فهم نصوص الكتاب والسنة، وبباب الأسماء والصفات خاصة، ومنها دخل كثير من المعطِّلة إلى تأويل الصفات وصرفها عن ظاهرها.
يقرأ الشيخ كلام الشوكاني ويشرحه، ويبيّن منذ البداية أنه لا يقول بالمجاز، فيتعقّب المصنف في المواضع التي قرر فيها وقوع المجاز في القرآن والسنة. ويحيل طالب العلم إلى أهم ما كُتب في إبطال المجاز، مثل «الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة» للإمام ابن القيم ومختصره، وما كتبه شيخ الإسلام ابن تيمية، ورسالة العلامة محمد الأمين الشنقيطي «منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز».
ويهدف الدرس إلى أن يعرف الطالب معنى الحقيقة والمجاز في اللغة والاصطلاح، وأن يفهم أقسام الحقيقة الثلاثة: اللغوية والعرفية والشرعية، وأن يدرك الخلاف في الحقائق الشرعية وثمرته. كما يعرّفه بعلاقات المجاز عند القائلين به، ويبيّن له مواطن الضعف في هذا الباب، حتى يقرأ كتب الأصول قراءة ناقدة على منهج السلف.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: مدخل إلى مسألة المجاز وموقف أهل التحقيق منها
افتتح الشيخ الدرس بخطبة الحاجة، ثم دعا الله أن يرزق الحاضرين العلم النافع والعمل الصالح. ومن الآيات التي تلاها في الخطبة قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.
ثم دخل في المسألة الخامسة، وهي الحقيقة والمجاز. وطرح السؤال الأساسي فيها: هل يوجد مجاز في الكتاب والسنة، بل في اللغة أصلًا؟ وبيّن أن الإمام ابن القيم أبطل المجاز من أكثر من سبعين وجهًا في «الصواعق المرسلة»، وأن العلامة الشنقيطي ألّف رسالة في منع القول به في القرآن، وأن للشيخ تحقيقًا وتعليقًا عليها.
وأوضح الشيخ أنه سيقرأ كلام الشوكاني مع أنه لا يقول بالمجاز. فقراءة كلام المصنف لا تعني الموافقة عليه، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى تلك الكتب ففيها الكفاية.
المحور الثاني: معنى الحقيقة والمجاز وحدّهما
في البحث الأول بيّن المصنف أن «الحقيقة» على وزن فعيلة، من قولهم: حقّ الشيء إذا ثبت، والتاء فيها لنقل اللفظ من الوصفية إلى الاسمية الخالصة. ووزن فعيل يأتي بمعنى الفاعل، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾، ويأتي بمعنى المفعول، كقولهم: رجل جريح. فعلى المعنى الأول تكون الحقيقة هي «الثابتة»، وعلى الثاني تكون «المُثبَتة». وأما «المجاز» فهو على وزن مَفْعَل، من الجواز بمعنى التعدي، كقولك: جزت الموضع أي جاوزته. وقيل: هو من الجواز الذي يقابل الوجوب والامتناع، وهذا المعنى يرجع إلى الأول أيضًا.
وفي البحث الثاني ذكر المصنف حدّ الحقيقة والمجاز. وأوضح الشيخ أن «الحد» عند أهل المنطق قول يدل على ماهية الشيء وحقيقته. ثم ذكر تعريفهم للحقيقة بأنها «اللفظ المستعمل فيما وُضع له أولًا»، وللمجاز بأنه «اللفظ المستعمل في غير ما وُضع له لعلاقة مع قرينة».
واعترض الشيخ على هذه التعريفات اعتراضًا جوهريًّا: أين الوضع الأول؟ وما الدليل على أن اللفظ وُضع أولًا لهذا المعنى دون غيره؟ وبيّن كذلك أن لفظ «المجاز» بمعناه الاصطلاحي، أي ما يقابل الحقيقة، لم يُستعمل إلا بعد القرون المفضلة. وأما قول الإمام أحمد في «الرد على الجهمية»: «مجاز هذه الآية»، فمعناه: ما يجوز في تفسيرها وبيانها، وليس المجاز الذي يقابل الحقيقة.
المحور الثالث: أقسام الحقيقة والخلاف في الحقائق الشرعية
قسّم أهل العلم الحقائق ثلاثة أقسام، وضرب الشيخ لكل قسم مثالًا:
- الحقيقة اللغوية: مثل الزكاة، فمعناها في اللغة النماء والطهارة.
- الحقيقة الشرعية: الزكاة في الشرع هي إخراج مال مخصوص، في وقت مخصوص، لأصناف مخصوصة حددها الشرع.
- الحقيقة العرفية: مثل الدابة، فهي في اللغة كل ما يدب على الأرض، وفي العرف تُطلق على ذوات الأربع خاصة.
ثم عرض الشيخ الخلاف في الحقائق الشرعية:
- الجمهور: هي حقائق شرعية وضعها الشارع نفسه.
- المعتزلة: فرّقوا بين نوعين، فجعلوا الأسماء الجارية على الأفعال، كالصلاة والصوم والزكاة، حقائق شرعية، وجعلوا الأسماء الجارية على الفاعلين، كالمؤمن والكافر والفاسق، حقائق دينية.
- القاضي أبو بكر الباقلاني، ورجّحه الرازي: هي مجازات لغوية غلبت في المعاني الشرعية لكثرة دورانها على ألسنة أهل الشرع.
وثمرة الخلاف تظهر إذا ورد اللفظ في كلام الشارع خاليًا من القرينة: هل يُحمل على المعنى الشرعي أم على المعنى اللغوي؟ ومثّل الشيخ لذلك بقوله ﷺ: «الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ». وقرر أنها حقيقة شرعية تُحمل على المعنى الشرعي، وأنه لا دخل للمجاز فيها. ثم رد على من قال إن الزيادات الشرعية شروط خارجة عن المشروط، بأن هذا القول يلزم منه أن يُسمّى مصليًا كل من دعا. وبيّن أن القرآن عربي، وأن ألفاظه عربية، لكن الشرع استعملها في معانٍ أدق مما كان عليه استعمال أهل اللغة. وأما الألفاظ التي أصلها غير عربي، مثل «إستبرق»، فقد عرّبتها العرب وفهمتها حين نزل بها القرآن، فصارت عربية.
المحور الرابع: موقف الشوكاني من منكري المجاز وتعقيب الشيخ عليه
في البحث الرابع شنّع الشوكاني على أبي إسحاق الإسفراييني لإنكاره المجاز، ووصف استدلاله بأنه «أوهن من بيت العنكبوت»، وذهب إلى أن وقوع المجاز في القرآن والسنة كثير، وأن إنكاره مكابرة. وتعقّبه الشيخ بأن هذا تحجير على كبار العلماء في آرائهم، وأن أبا إسحاق الإسفراييني أعلم بلغة العرب من الشوكاني بكثير.
وقرر الشيخ أن دعوى وقوع المجاز في الكتاب والسنة دعوى عريضة، ليس عليها أثارة من علم. وبيّن أن من علامات المجاز عندهم أنه يجوز نفيه، ثم سأل: هل يجوز نفي شيء من القرآن؟ واستشهد بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، فمن قال إن الكاف فيها زائدة يلزمه أن في القرآن حرفًا لا معنى له، والقرآن منزّه عن ذلك.
وذكر المصنف أن أبا علي الفارسي نُسب إليه إنكار المجاز، وأن ابن جني الموصلي تكلم في هذه المسألة في كتابه «الخصائص». ثم أشار الشيخ إلى تقرير العلامة الأمين الشنقيطي في هذه المسألة.
المحور الخامس: علاقات المجاز عند القائلين به
عرض المصنف العلاقات التي يذكرها القائلون بالمجاز. فمنها الاتصال المعنوي، ويدخل فيه التضاد المنزَّل منزلة التناسب للتهكم، كما في قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، فالبشارة في الأصل تكون بالخير. ومنها الاتصال الصوري: كاعتبار ما كان، مثل إطلاق اليتيم على البالغ، واعتبار ما يؤول إليه الشيء، مثل تسمية العصير خمرًا، ومنها الكلية والجزئية، والحالية والمحلية، والسببية، واللزوم، والمجاورة، والظرفية.
وذكروا أن إطلاق اسم السبب على المسبَّب أربعة أنواع: القابل، كقولهم: «سال الوادي»، والصورة، والفاعل، كتسمية المطر سماءً، والغاية. ونبّه الشيخ هنا تنبيهًا عقديًّا مهمًّا، وهو أن تفسير يد الله تعالى بالقدرة قول باطل. فهذا الباب هو الذي دخل منه المعطِّلة إلى تأويل صفات الله تعالى.
وختم المصنف بأن آحاد المجاز لا يُشترط فيها النقل عندهم، وأن العلاقة تكفي، والمعتبر نوعها، واستدل لذلك بالاستقراء.
النقاط الرئيسية
- الحقيقة من «حقّ» بمعنى ثبت، والمجاز من الجواز بمعنى التعدي، وقد ذكر الشوكاني في هذه المسألة عشرة أبحاث.
- تعريفات الحقيقة والمجاز تقوم على دعوى «الوضع الأول»، ولا دليل على إثبات هذا الوضع.
- لفظ «المجاز» بمعناه الاصطلاحي حادث بعد القرون المفضلة، ومراد الإمام أحمد به: ما يجوز في تفسير الآية.
- الحقائق ثلاث: لغوية وعرفية وشرعية، والصواب أن الألفاظ الشرعية حقائق شرعية تُحمل عند الإطلاق على معناها الشرعي.
- القرآن عربي، والألفاظ ذات الأصل غير العربي عرّبتها العرب وفهمتها حين نزل بها القرآن.
- دعوى وقوع المجاز في الكتاب والسنة لا دليل عليها، ويلزم منها جواز نفي شيء من القرآن، كالقول بزيادة الكاف في ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾.
- القول بالمجاز باب دخل منه المعطِّلة إلى تأويل الصفات، كتفسير اليد بالقدرة، وهو تأويل باطل.
الفوائد والعبر
- أن يقرأ طالب العلم كتب الأصول قراءة ناقدة، يأخذ منها الصواب ويرد ما خالف منهج السلف، دون تعصب للمصنف.
- أن يعتني بالمراجع المحققة في هذه المسألة، مثل «الصواعق المرسلة» ورسالة الشنقيطي في منع المجاز، ليحصّن نفسه من شبهات التأويل.
- أن يحمل نصوص الكتاب والسنة على حقائقها الشرعية وظاهرها، وألا يصرفها عن ذلك بغير دليل، وخاصة في باب الصفات.
- أن يتأدب مع أهل العلم، فلا يحجّر على كبار العلماء في آرائهم، ولا يُطلق عبارات التهوين في حق الأئمة.
- أن يدرك أن مسائل الأصول واللغة تتصل اتصالًا وثيقًا بالعقيدة، فيضبط مصطلحاتها قبل أن يبني عليها الأحكام.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات