شرح كتاب "إرشاد الفحول " للعلامة الشوكاني(20) الشرح والتعليق لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
يأتي هذا المجلس، وهو المجلس العشرون من شرح كتاب «إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول» للعلامة محمد بن علي الشوكاني رحمه الله، خاتمةً للمجلد الأول من الكتاب. يقدّمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري، ويتناول فيه مسائل دقيقة من باب العام والخاص. وهذا الباب من أعظم أبواب أصول الفقه أثرًا في فهم النصوص الشرعية والجمع بينها، وفي معرفة متى يُقصَر اللفظ العام على بعض أفراده ومتى يبقى على شموله.
يعالج الدرس ثلاث مسائل رئيسة، ويبدأ في الرابعة:
- ذكر بعض أفراد العام بحكم يوافق حكم العام: هل يقتضي التخصيص؟
- تعليق الحكم الشرعي على علة: هل يعمّ الحكم كل صور وجودها؟
- العام بعد تخصيصه: هل يكون في الباقي حقيقة أم مجازًا؟
- بداية الكلام في حجية العام بعد التخصيص.
ويهدف الدرس إلى تمكين طالب العلم من ضبط هذه القواعد، وتطبيقها على الأحاديث النبوية بأمثلة واضحة، والموازنة بين أقوال الأصوليين بالنظر في أدلتهم. ويبيّن الشيخ أيضًا مواضع ترجيحه حين يخالف ما مال إليه الشوكاني.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: ذكر بعض أفراد العام الموافق له في الحكم لا يقتضي التخصيص
هذه هي المسألة الرابعة والعشرون. وصورتها أن يرد نص عام، ثم يرد نص آخر يذكر بعض أفراد ذلك العام بحكم يوافق حكمه. ومذهب الجمهور أن هذا لا يقتضي التخصيص.
والتحقيق في المسألة أن الخاص الموافق إن كان له مفهوم ينفي الحكم عن غيره، فمن أخذ بذلك المفهوم خصّص به، على الخلاف في التخصيص بالمفهوم. وإن لم يكن له مفهوم معتبر فلا يُخصَّص به قولًا واحدًا.
ومثاله قوله صلى الله عليه وسلم: «أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ»، والإهاب هو الجلد. وجاء في شاة ميمونة الميتة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «هَلَّا انْتَفَعْتُمْ بِجِلْدِهَا؟» فقالوا: إنها ميتة، فقال: «إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا». وفي لفظ: «دِبَاغُهَا طَهُورُهَا».
فالتنصيص على الشاة لا يقصر الطهارة على جلدها؛ لأن مفهومه مفهوم لقب، وهو غير معتبر عند الجمهور. فيبقى العموم على حاله في جلد الحمار والفرس والجمل والنمر وغيرها، مع خلافٍ في الكلب والخنزير.
ومن أمثلة المسألة أيضًا:
- قوله صلى الله عليه وسلم: «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا»، مع قوله: «وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا». فلا يُفهم من ذكر التربة أن الرمل ونحوه ليس بطهور؛ لأن التربة جزء من الأرض، والأرض كلها طاهرة إلا ما تنجّس.
- قوله: «الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ»، مع قوله: «الْبُرُّ بِالْبُرِّ». فلا يُقصَر لفظ الطعام على البر.
واحتج الجمهور بأن المخصِّص لا بد أن يكون منافيًا للعام، وذكر بعض الأفراد بحكمه نفسه ليس منافيًا له. وضرب الشيخ لذلك مثلًا بقوله صلى الله عليه وسلم: «وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ»، فلا يُفهم منه أن أعلاهم لا يسعى بها.
وأما فائدة ذكر الفرد الخاص فقد تكون:
- بيان أنه لا يجوز إخراجه من العام.
- تفخيمه وإثبات مزيّة له على غيره.
- كونه سبب ورود النص، كما في قصة شاة ميمونة.
ونُسب الخلاف في المسألة إلى أبي ثور. فقال ابن دقيق العيد: إن كان قد نصّ على ذلك فذاك، وإن أُخذ قوله استنباطًا من مذهبه في مفهوم اللقب فلا يدل عليه.
المحور الثاني: تعليق الحكم على العلة وعمومه في صور وجودها
هذه هي المسألة الخامسة والعشرون. وصورتها أن يعلّق الشارع حكمًا على علة: هل يعمّ ذلك الحكم كل صورة توجد فيها العلة؟ ذهب الجمهور إلى العموم؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. وخالف في ذلك القاضي أبو بكر.
ومثاله الإسكار علةً لتحريم الخمر. فكل ما وُجد فيه الإسكار فهو حرام، ولا يُشترط أن يكون من الأنواع التي كانت تُصنع منها الخمر في زمن النبي صلى الله عليه وسلم.
ثم اختلف القائلون بالعموم: هل ثبت العموم باللغة أم بالشرع؟ والظاهر أنه ثبت بالشرع لا باللغة، فإن لم يكن في الصيغة ما يقتضيه اقتضاه القياس، وقد ثبت التعبد به.
واحتج المانعون بأنه يحتمل أن يكون المذكور جزء العلة، والجزء الآخر خصوصية المحل. وأُجيب بأن مجرد الاحتمال لا ينتهض للاستدلال.
ونبّه الشوكاني إلى أنه ينبغي تقييد المسألة بأن يكون القياس المقتضي للعلة ثابتًا بدليل نقلي أو عقلي صحيح، لا بمحض الرأي والخيال المختل.
المحور الثالث: العام بعد التخصيص، هل هو حقيقة أم مجاز في الباقي؟
هذه هي المسألة السادسة والعشرون. ومثّل لها الشيخ بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: 173]، فلفظ «الناس» هنا مخصوص. وقد تعددت أقوال الأصوليين في المسألة على النحو الآتي:
- القول الأول: أنه مجاز مطلقًا. وهو قول الأكثرين، واختاره البيضاوي وابن الحاجب والصفي الهندي. وحجتهم أن اللفظ موضوع للمجموع، فإذا أريد به البعض فقد استُعمل في غير ما وُضع له. ولو كان حقيقة في الكل والبعض لكان مشتركًا، والمجاز خير من الاشتراك.
- القول الثاني: أنه حقيقة مطلقًا. نقله الشيخ أبو حامد الإسفراييني عن الشافعي وأصحابه، وهو قول مالك وجماعة من الحنفية، وحكاه ابن الحاجب عن الحنابلة. وحجتهم أن تناول اللفظ للباقي كان حقيقة باتفاق، فيبقى على ما كان عليه، ولا يضرّه عدم تناوله لغيره.
- القول الثالث: التفصيل بحسب نوع المخصِّص. فإن خُصّ بمتصل كالاستثناء فهو حقيقة، وإن خُصّ بمنفصل فهو مجاز. وهو قول الكرخي وأكثر الحنفية، ومال إليه القاضي أبو بكر الباقلاني.
- أقوال أخرى: منها قول عبد الجبار وهو عكس القول السابق، وقول من فرّق بين المخصِّص اللفظي وغير اللفظي، وقول أبي الحسين البصري الذي اختاره الرازي: إن كان المخصِّص مستقلًا فهو مجاز، وإلا فهو حقيقة. ومنها قول أبي بكر الرازي: إن بقي بعد التخصيص جمعٌ فهو حقيقة، وإلا فهو مجاز.
ومثّل الشيخ للتخصيص بالدليل غير اللفظي، كالحس، بقوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: 25]. فالحس يدل على أنها لم تدمّر كل شيء على وجه الأرض.
ونبّه الشيخ إلى أن الشوكاني لم يصرّح بالترجيح هنا على غير عادته في البحث الحر، وإن كان يميل إلى القول بالمجاز.
المحور الرابع: ترجيح الشيخ وبيان ثمرة الخلاف
يبيّن الشيخ أن ثمرة الخلاف تتلخص في سؤال واحد: هل يحتاج الباقي من العام بعد التخصيص إلى قرينة لإثبات عمومه؟ فإن احتاج إلى قرينة فهو المجاز، وإن بقي على عمومه دون قرينة فهو الحقيقة.
ويرجّح الشيخ أن الباقي يبقى على عمومه حقيقةً دون حاجة إلى قرينة، خلافًا لما مال إليه الشوكاني رحمه الله. ويقرر ذلك من وجهين:
- أنه لا يقول بالمجاز أصلًا.
- أنه على فرض القول به، فاللفظ قد وُضع لهذا كله، وإخراج بعض الأفراد لا ينقل الخطاب عن بقية من بقي فيه.
وفي ختام المجلس شرع الشيخ في المسألة السابعة والعشرين، وهي حجية العام بعد تخصيصه، ومثّل لها بحديث: «إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ». فقد أُخرج منه بالإجماع الماء المتغيّر لونُه أو طعمُه أو ريحُه بالنجاسة، ويبقى ما سواه على العموم.
النقاط الرئيسية
- ذكر بعض أفراد العام بحكم يوافق حكم العام لا يقتضي التخصيص عند الجمهور؛ لأن المخصِّص يجب أن يكون منافيًا للعام.
- جلد الميتة يطهر بالدباغ عمومًا، ولا يختص ذلك بالشاة؛ لأن مفهوم اللقب غير معتبر.
- فائدة ذكر الفرد الخاص قد تكون التفخيم، أو بيان المزية، أو منع إخراجه من العام، أو كونه سبب ورود النص.
- الحكم المعلّق على علة يعمّ كل صور وجودها عند الجمهور، والعموم هنا ثابت بالشرع لا باللغة.
- اختلف الأصوليون في العام بعد التخصيص على أقوال عدة، أشهرها: مجاز مطلقًا، وحقيقة مطلقًا، والتفصيل بين المخصِّص المتصل والمنفصل.
- ثمرة الخلاف في هذه المسألة هي حاجة الباقي إلى قرينة لإثبات عمومه أو عدم حاجته إليها.
- يرجّح الشيخ أن الباقي يبقى على عمومه حقيقةً، خلافًا لميل الشوكاني إلى القول بالمجاز.
الفوائد والعبر
- ينبغي لطالب العلم أن يجمع بين الأدلة، وألا يتعجّل في تخصيص العمومات بمجرد ورود لفظ خاص يوافقها في الحكم.
- من سعة الشريعة ويسرها طهارة جلود الميتة بالدباغ، وجواز التيمم والصلاة على عموم الأرض إلا ما استثناه الدليل.
- فهم قاعدة دوران الحكم مع علته يعين على معرفة أحكام المستجدات، كتحريم كل مسكر أيًّا كان مصدره أو اسمه.
- الحاجة إلى التحقق في نسبة الأقوال إلى العلماء، والتفريق بين ما نصّوا عليه وما استُنبط من مذاهبهم، كما في كلام ابن دقيق العيد عن أبي ثور.
- من أدب البحث العلمي احترام الأئمة مع حرية الترجيح بالدليل، كما صنع الشيخ في مخالفته للشوكاني رحمه الله.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات