شرح كتاب "إرشاد الفحول " للعلامة الشوكاني(34) الشرح والتعليق لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

2,471 مشاهدة
353 مشاركة
منذ 6 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الرابع والثلاثون من سلسلة شرح كتاب «إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول» للعلامة محمد بن علي الشوكاني رحمه الله تعالى. يشرحه ويعلّق عليه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري حفظه الله. يتناول المجلس ثلاث فوائد أصولية دقيقة يكثر فيها نظر الفقهاء والأصوليين، وهي:

  • حجية قول الصحابي.
  • الأخذ بأقل ما قيل، ويتصل به الأخذ بالأخف والأشق.
  • هل يلزم النافيَ للحكم إقامةُ الدليل كما يلزم المثبتَ له.

وتظهر أهمية هذه المسائل في أنها تحدد مصادر الاحتجاج في دين الله تعالى، وتضبط منهج المجتهد عند اختلاف الأقوال وتعارض الأدلة. كما تبيّن منزلة الصحابة رضي الله عنهم في فهم الشريعة، فلا يُغلى فيهم حتى يُجعل قولهم بمنزلة قول المعصوم صلى الله عليه وسلم، ولا يُفرَّط في حقهم حتى يُساوى فهمهم بفهم من جاء بعدهم.

ويهدف هذا الدرس إلى تمكين طالب العلم من معرفة أقوال الأصوليين في هذه المسائل وأدلتهم، وترجيح الشوكاني رحمه الله. ويضاف إلى ذلك تعقيبات الشيخ التي تجمع بين كلام الشوكاني وتحرير العلامة الشنقيطي وتحقيق الإمام ابن القيم رحم الله الجميع، ليخرج الطالب بتصور منهجي متوازن قائم على الدليل.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: حجية قول الصحابي وتحرير محل النزاع

افتتح الشوكاني الفائدة الأولى بنقل الاتفاق على أن قول الصحابي في مسائل الاجتهاد ليس حجة على صحابي آخر مجتهد مثله. وممن نقل هذا الاتفاق القاضي أبو بكر الباقلاني والآمدي وابن الحاجب. ثم وقع الخلاف في كونه حجة على من بعد الصحابة من التابعين ومن بعدهم.

وأورد الشيخ تحرير العلامة الشنقيطي رحمه الله للمسألة، وخلاصته أن قول الصحابي الموقوف عليه له حالتان:

  • ما لا مجال للرأي فيه: فهو في حكم المرفوع، فيُقدَّم على القياس ويُخصَّص به النص، إلا إذا عُرف الصحابي بالأخذ من الإسرائيليات.
  • ما للرأي فيه مجال: فإن انتشر ولم يظهر له مخالف فهو إجماع سكوتي وحجة عند الأكثر. وإن عُلم له مخالف من الصحابة لم يُعمل بقول أحدهم إلا بالترجيح بالنظر في الأدلة. وإن لم ينتشر فقيل: حجة على التابعي ومن بعده، وقيل: ليس بحجة، والأول أظهر.

ثم ذكر الشوكاني أربعة أقوال في المسألة:

  • الأول: ليس بحجة مطلقاً، وهو قول الجمهور.
  • الثاني: حجة شرعية مقدَّمة على القياس، وهو قول أكثر الحنفية، ونُقل عن مالك، وهو قديم قولي الشافعي.
  • الثالث: حجة إذا انضم إليه القياس، وهو ظاهر قول الشافعي في «الرسالة».
  • الرابع: حجة إذا خالف القياس؛ لأنه لا محمل له حينئذٍ إلا التوقيف. واستحسنه ابن برهان في «الوجيز» وقال: «هذا هو الحق المبين».

ورجّح الشوكاني أنه ليس بحجة، مستدلاً بأن الله لم يبعث لهذه الأمة إلا نبياً واحداً وكتاباً واحداً، وأن الأمة كلها مأمورة باتباع الكتاب والسنة، ولا فرق في التكليف بين الصحابة ومن بعدهم.

المحور الثاني: تحقيق ابن القيم وتعقيب الشيخ على الشوكاني

نقل الشيخ كلام الإمام ابن القيم رحمه الله في «إعلام الموقعين»، ووصفه بأنه «يُكتب بماء الذهب». وفيه أن فتوى الصحابي لا تخرج عن ستة أوجه:

  • أن يكون سمعها من النبي صلى الله عليه وسلم.
  • أن يكون سمعها ممن سمعها منه صلى الله عليه وسلم.
  • أن يكون فهمها من آية من كتاب الله خفي علينا وجهها.
  • أن يكون قد اتفق عليها ملؤهم ولم يُنقل إلينا إلا قول المفتي بها وحده.
  • أن يكون فهمها لكمال علمه باللغة، أو لقرائن حالية اقترنت بالخطاب، أو لمشاهدته أحوال النبي صلى الله عليه وسلم وتنزّل الوحي.
  • أن يكون فهم ما لم يُرده الرسول صلى الله عليه وسلم فأخطأ.

فعلى التقادير الخمسة الأولى يكون قوله حجة يجب اتباعها، وعلى السادس لا يكون حجة. ومعلوم قطعاً أن وقوع احتمال من خمسة أغلب على الظن من وقوع احتمال واحد معيَّن، والعمل بالظن الغالب متعيِّن.

وعقّب الشيخ بأن كلام الشوكاني في هذه المسألة خطابي تأثر فيه بالظاهرية، وأن كلام ابن القيم أدق وأجل وأورع. فأقوال الصحابة وأفهامهم مقدَّمة على أقوال غيرهم وأفهامهم، بشرط ألا يخالف الصحابيَّ غيرُه من الصحابة، وألا يخالف قولُه كتاباً أو سنة. والصحابي نفسه إنما يرجع في قوله إلى الكتاب والسنة واللغة. ولا يعني هذا مساواتهم بالنبي صلى الله عليه وسلم في العصمة والتشريع، فالعصمة في البشر للرسل عليهم السلام وحدهم.

وأشار الشوكاني إلى فضل الصحابة العظيم، فلا يبلغ الصدقة بأمثال الجبال من غيرهم مُدَّ أحدهم، وذلك مأخوذ من قوله صلى الله عليه وسلم:

«لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ» (متفق عليه)

وبيّن أن حديث «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» لم يصح، ولا يصح العمل بمثله في أدنى حكم من أحكام الشرع، فكيف بمثل هذا الأمر العظيم. وأما ما صح في هذا الباب فيُحمل على الاقتداء بهم في اتباع الكتاب والسنة، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم:

«اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي: أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ» (رواه الترمذي)

«عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ» (رواه أبو داود والترمذي)

المحور الثالث: الأخذ بأقل ما قيل وبالأخف أو الأشق

أثبت الأخذَ بأقل ما قيل الإمامُ الشافعي والقاضي أبو بكر الباقلاني، وحكى بعضهم إجماع أهل النظر عليه. وحقيقته عند ابن السمعاني أن يختلف المختلفون في أمر على أقاويل، فيؤخذ بأقلها إذا لم يدل على الزيادة دليل. ومن أمثلته:

  • قول الشافعي في أقل الجزية إنه دينار.
  • قوله في دية اليهودي إنها الثلث، لأنه أقل ما قيل فيها.

وقسّم ابن السمعاني المسألة قسمين:

  • ما أصله البراءة الأصلية: فإن كان الخلاف في الوجوب والسقوط، فالسقوط أولى ما لم يقم دليل الوجوب.
  • ما كان ثابتاً في الذمة: كالجمعة الثابت فرضها مع الاختلاف في عدد من تنعقد بهم، فلا يُكتفى فيه بالأقل؛ لأن الذمة مرتهنة به فلا تبرأ بالشك. ولذلك جعلها الشافعي تنعقد بأربعين؛ لأن الذمة تبرأ بالأكثر إجماعاً، وفي الأقل خلاف.

والحاصل أنهم جعلوا الأخذ بأقل ما قيل مركباً من الإجماع على الأقل ومن البراءة الأصلية فيما زاد عليه. وأنكره جماعة، منهم ابن حزم الذي قال: إنما يصح ذلك لو أمكن ضبط أقوال جميع أهل الإسلام، ولا سبيل إليه. وحُكي قول آخر بالأخذ بأكثر ما قيل ليخرج المكلف عن عهدة التكليف بيقين.

ورأى الشوكاني أن فرض المجتهد العمل بما صح من الأدلة، بالجمع إن أمكن أو الترجيح إن لم يمكن. والزيادة الخارجة من مخرج صحيح غير المنافية للمزيد عليه مقبولة يتعين الأخذ بها. أما المقلد فهو أسير إمامه في جميع مسائله، وقد بسط الشوكاني الكلام في التقليد في كتابيه «أدب الطلب» و«القول المفيد في حكم التقليد».

وكذلك اختُلف في الأخذ بالأخف أو الأشق. فمال بعضهم إلى الأخف مستدلين بقوله تعالى:

﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]

﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78]

وبقوله صلى الله عليه وسلم:

«بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ» (رواه أحمد)

«يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا» (متفق عليه)

ومال آخرون إلى الأشق لأنه أكثر أجراً. والصواب أن الدين كله يسر، وأن الواجب الأخذ بما صح دليله. فإن تعارضت الأدلة فلا يكون الأخف ولا الأشق مرجِّحاً بذاته، بل يُصار إلى المرجحات المعتبرة المذكورة في كتب أهل العلم.

المحور الرابع: هل يحتاج النافي للحكم إلى دليل؟

لا خلاف في أن المثبت للحكم يحتاج إلى إقامة الدليل، وإنما الخلاف في النافي، وفيه مذاهب أوردها الشوكاني.

المذهب الأول: يحتاج النافي إلى دليل، وهو قول الجمهور، ونُسب إلى الشافعي وأكثر أصحابه. واستدلوا بأن النافي مدّعٍ والبيّنة على المدعي، وبقوله تعالى:

﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ [يونس: 39]

﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: 111]

وردّ الشوكاني هذا الاستدلال بأنه في غير موضعه؛ فالنافي ليس مدعياً، بل هو قائم مقام المانع متمسك بالبراءة الأصلية، وواقف حتى يأتيه الدليل. وأما آية البقرة فإنما طُلب فيها البرهان من اليهود والنصارى لدعواهم أنه لا يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى، وهي دعوى إثبات.

المذهب الثاني: لا يحتاج النافي إلى دليل، وهو قول أهل الظاهر إلا ابن حزم؛ لأن الأصل في الأشياء النفي والعدم، فيكفي النافيَ الاستصحابُ. وقال الشوكاني إن هذا المذهب قوي جداً.

ونبّه الشيخ إلى أن محل لزوم الدليل هو نفي حكم قام عليه دليل، أما دعوى حكم لا دليل عليه فللنافي أن ينفيه ولا حرج عليه.

ثم ذكر الشوكاني بقية المذاهب:

  • الثالث: التفريق بين النفي العقلي والنفي الشرعي، فيُطالب بالدليل في الأول دون الثاني.
  • الرابع: يحتاج إلى الدليل في غير الضروري دون الضروري، وهو اختيار الغزالي. وتعقّبه الشوكاني بأن الضروريات لا نزاع فيها أصلاً، كوجود مكة والكعبة وفرضية الصلوات الخمس وتحريم الزنا.
  • الخامس: التفريق بين النافي الشاك فلا يُطالب، والنافي عن معرفة استدلالية فيُطالب.
  • السادس: إن نفى لعلمه بعدم الدليل فلا يُطالب، وإن نفى مطلقاً احتاج إلى الدليل؛ لأن نفي الحكم حكم. واستحسنه ابن برهان، وردّه الشوكاني.
  • السابع: إن ادّعى لنفسه علماً بالنفي احتاج إلى الدليل وإلا فلا، وهو قريب من المذهب الخامس.
  • الثامن: إن قال: «لم أجد فيه دليلاً بعد الفحص» وكان من أهل الاجتهاد، لم يحتج إلى دليل.

النقاط الرئيسية

  • اتفق الأصوليون على أن قول الصحابي المجتهد ليس حجة على صحابي مجتهد آخر، واختلفوا في حجيته على من بعدهم على أربعة أقوال.
  • ما لا مجال للرأي فيه من أقوال الصحابة له حكم الرفع، ما لم يكن الصحابي معروفاً بالأخذ عن الإسرائيليات.
  • رجّح الشوكاني عدم حجية قول الصحابي، ورأى الشيخ أن تحقيق ابن القيم أدق: فأقوال الصحابة مقدَّمة ما لم يخالفهم صحابي آخر أو يخالفوا نصاً.
  • حديث «أصحابي كالنجوم» لا يصح، والاقتداء الصحيح بالصحابة يكون في اتباعهم الكتاب والسنة.
  • الأخذ بأقل ما قيل مركّب من الإجماع والبراءة الأصلية، ويُفرَّق فيه بين ما أصله البراءة وما ثبت في الذمة.
  • لا يُرجَّح بمجرد الخفة أو المشقة، بل بصحة الدليل وبالمرجحات المعتبرة.
  • في مطالبة النافي بالدليل ثمانية مذاهب، وقوّى الشوكاني أن النافي المتمسك بالبراءة الأصلية لا يلزمه دليل، وإنما الدليل على المثبت.

الفوائد والعبر

  • التوازن في منزلة الصحابة: نُجلّهم ونقدّم أفهامهم على أفهام من بعدهم لمشاهدتهم التنزيل وعلمهم باللغة، دون أن نرفعهم إلى مقام العصمة والتشريع الخاص بالرسول صلى الله عليه وسلم.
  • التثبت في الأحاديث: لا يُبنى حكم شرعي على حديث لا يصح، كحديث «أصحابي كالنجوم»، ولو اشتهر على الألسنة.
  • اتباع الدليل لا الهوى: لا يختار المسلم الأيسر لأنه أيسر، ولا الأشد لأنه أشد، وإنما يتبع ما دلّ عليه الدليل الصحيح، مع اليقين بأن الشريعة كلها سمحة يسيرة.
  • التمسك بالبراءة الأصلية: فلا يُلزم الناس بحكم لم يثبت دليله، وعلى من ادّعى إيجاباً أو تحريماً أن يأتي بالبرهان.
  • أدب الطلب: يحرص طالب العلم على جمع أقوال الأئمة ونقدها بالحجة مع الأدب معهم، كما فعل الشيخ في تعقّبه على الشوكاني واستحسانه تحقيق ابن القيم رحم الله الجميع.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات