شرح كتاب "إرشاد الفحول " للعلامة الشوكاني(31) الشرح والتعليق لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

4,106 مشاهدة
277 مشاركة
منذ 6 سنوات
```html

المقدمة

هذا هو المجلس الحادي والثلاثون من شرح كتاب «إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول» للعلامة محمد بن علي الشوكاني رحمه الله تعالى، ويشرحه ويعلّق عليه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يكمل المجلس الكلام في «مسالك العلة»، وهي الطرق التي يُعرف بها أن وصفًا ما هو علة الحكم الشرعي. ومعرفة هذه المسالك من أدق أبواب أصول الفقه، لأن القياس كله يقوم على معرفة العلة الجامعة بين الأصل والفرع.

يتناول الدرس أربعة مسالك هي: المسلك الثامن الطرد، والمسلك التاسع الدوران، والمسلك العاشر تنقيح المناط، والمسلك الحادي عشر تحقيق المناط. ويختمه الشيخ ببداية الكلام في أقسام القياس من حيث التصريح بالعلة. ويعرض في كل مسلك تعريفه وأقوال الأصوليين في حجيته وأدلتهم، ويوضحه بأمثلة فقهية قريبة مثل حديث الأعرابي الذي جامع في نهار رمضان، وقياس النبيذ على الخمر، ومسألة النبّاش.

والمقصود من الدرس أن يعرف طالب العلم كل مسلك ويميّز بين المسالك المتقاربة، كالطرد والدوران، وتنقيح المناط والسبر والتقسيم، وتحقيق المناط وتخريجه. وأن يعرف مراتبها في القوة والحجية، فيعرف الوصف المؤثر في الحكم من الوصف الطردي الذي لا أثر له، ويتعلم الإنصاف وترك الإفراط والتفريط في مسائل الخلاف.

المحور الأول: المسلك الثامن – الطرد: حقيقته وصوره

نقل الشوكاني عن الفخر الرازي في «المحصول» أن الطرد هو الوصف الذي ليس مناسبًا للحكم ولا مستلزمًا للمناسب، وقد اقترن به الحكم في جميع الصور غير محل النزاع. وهذا هو المراد عندهم بـ«الاطّراد والجريان»، وهو قول كثير من الفقهاء. ومن الأصوليين من اكتفى بأقل من ذلك، فقال: إذا وُجد الحكم مع الوصف في صورة واحدة حصل ظن العلية. وذكر الصفي الهندي أن التفسير الأول هو قول الأكثر.

ومن أمثلته ما ذكره الشيخ من قول بعضهم: إن السعي بين الصفا والمروة سعيٌ بين جبلين، فلا يكون ركنًا كالسعي بين أي جبلين آخرين. ومنه أيضًا قولهم في مسّ الذكر: إنه طويل مشقوق، فلا ينتقض الوضوء بمسّه كالبوق. وكون الأعرابي أعرابيًا في حديث المجامع في رمضان وصفٌ لا أثر له في الحكم، فلو فعل الحضريّ ما فعله لثبتت عليه الكفارة كذلك.

واحتج من اعتبر الطرد بوجهين:

  • الاستقراء: فقد دلّ استقراء الشرع على أن النادر في كل باب يُلحق بالغالب، فإذا اقترن الوصف بالحكم في جميع الصور سوى محل النزاع، ثم وُجد الوصف في الفرع، وجب إلحاق الفرع بسائر الصور.
  • المثال العادي: من رأى فرس القاضي واقفًا على باب الأمير غلب على ظنه أن القاضي في دار الأمير، لأن اقترانهما في سائر المرات أفاد ظن اقترانهما في هذه المرة.

وقد بيّن الشيخ أن حديث الأعرابي أصلٌ في تمييز الأوصاف المؤثرة من الأوصاف الطردية، ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه:

«بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكْتُ. قَالَ: مَا لَكَ؟ قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ» (متفق عليه)

المحور الثاني: الخلاف في حجية الطرد، والفرق بينه وبين الدوران

واعترض المخالفون بأمرين:

  • الدور: فالاطراد معناه ألا يوجد الوصف إلا ومعه الحكم، وهذا لا يثبت إلا إذا ثبت الحكم في الفرع، وثبوت الحكم في الفرع موقوف على كون الوصف علة، وكونه علة موقوف على اطراده.
  • المقارنة قد تحصل مع انعدام العلية: كالحدّ مع المحدود، والجوهر مع العرض، وذات الله تعالى مع صفاته، فهي متقارنة وليس أحدها علة للآخر.

والجواب عن الأول أن الاستدلال يكون بمصاحبة الوصف للحكم في كل الصور غير الفرع، فلا يلزم الدور. والجواب عن الثاني أن تخلّف العلية في بعض الصور لا يقدح في دلالتها الظاهرة، كالغيم الرطب الذي يدل على المطر، فإذا لم ينزل المطر في بعض الأحوال لم يخرج الغيم بذلك عن كونه دليلًا عليه. وكذلك المناسبة والدوران والتأثير والإيماء، فكل واحد منها قد ينفك عن العلية، ولم يقدح ذلك في كونه دليلًا ظاهرًا عليها.

وفي حجية الطرد ثلاثة أقوال:

  • أنه ليس بحجة مطلقًا، وهو قول جمهور الفقهاء والمتكلمين، حتى قال القاضي حسين: لا يجوز أن يُدان الله به.
  • أنه حجة مطلقًا، واختاره الرازي والبيضاوي، وحكاه الشيرازي في «التبصرة» عن الصيرفي.
  • التفصيل: فهو حجة على التفسير الأول دون الثاني.

وقال أبو الحسن الكرخي: هو مقبول جدلًا، ولا يسوغ التعويل عليه عملًا ولا الفتوى به. ونقل ابن السمعاني أن أبا زيد الدبوسي سمّى الذين يجعلون الطرد حجة «حشوية أهل القياس»، ولم يعدّهم من جملة الفقهاء. ونبّه الشيخ إلى أن هذا الخلاف كثيرًا ما يكون سببه الإفراط أو التفريط.

ثم بيّن الشوكاني خطأ من جعل الطرد والدوران شيئًا واحدًا. فالطرد هو مقارنة الحكم للوصف في الوجود فقط، ولا يُشترط أن ينعدم الحكم بانعدام الوصف. أما الدوران فهو مقارنة الحكم للوصف وجودًا وعدمًا.

المحور الثالث: المسلك التاسع – الدوران

ويسميه بعضهم «الطرد والعكس»، ومنهم الجويني والآمدي وابن الحاجب. وهو أن يوجد الحكم عند وجود الوصف ويرتفع بارتفاعه. ومثاله تحريم العصير مع الإسكار: فالعصير لم يكن حرامًا لما لم يكن مسكرًا، فلما حدث فيه الإسكار وُجدت الحرمة، فلما زال الإسكار بتحوّله خلًّا زال التحريم. فدلّ ذلك على أن العلة هي الإسكار.

واختلف الأصوليون في إفادته العلية على ثلاثة أقوال:

  • أنه يفيد العلية قطعًا، وهو قول بعض المعتزلة.
  • أنه يفيدها ظنًّا بشرط ألا يوجد ما يزاحمه، وهو قول الجمهور. ووجه ذلك أن العلة الشرعية لا توجب الحكم بذاتها، وإنما هي علامة نصبها الشارع، فإذا دار الوصف مع الحكم غلب على الظن أنه المعرِّف له. واختاره الصفي الهندي. وقال إمام الحرمين: ذهب كل من ينتسب إلى الجدل إلى أنه أقوى ما تثبت به العلل. وذكر القاضي أبو الطيب الطبري أنه من أقوى المسالك.
  • أنه لا يفيد بمجرده قطعًا ولا ظنًّا، واختاره الأستاذ أبو منصور وابن السمعاني والغزالي والشيرازي والآمدي وابن الحاجب.

واستدل أصحاب القول الثالث بأن الدوران قد يوجد ولا علية، فالمعلول يدور مع علته وجودًا وعدمًا وليس علة لها باتفاق. والجوهر والعرض متلازمان وليس أحدهما علة للآخر. والمتضايفان كالأبوة والبنوة متلازمان وجودًا وعدمًا، مع أن العلة يجب أن تتقدم على المعلول، والمتضايفان يجب أن يتصاحبا. وعقّب الشيخ بأن هذه الاعتراضات لا تنفي ما يريده الجمهور، فإذا لم يوجد المزاحم ثبتت العلة بالدوران وكانت صحيحة.

المحور الرابع: المسلك العاشر – تنقيح المناط

التنقيح في اللغة التهذيب والتمييز، ومنه قولهم: «كلام منقّح» أي ليس فيه حشو. والمناط هو العلة. قال ابن دقيق العيد رحمه الله: تعبيرهم بالمناط عن العلة من المجاز اللغوي، لأن الحكم لمّا عُلّق بالعلة صارت كالشيء المحسوس الذي يُعلّق عليه غيره، فهو من تشبيه المعقول بالمحسوس، ثم صار هذا اصطلاحًا عند الفقهاء لا يُفهم عند الإطلاق غيره.

وهو في اصطلاح الأصوليين إلحاق الفرع بالأصل بإلغاء الفارق، بأن يقال: لا فرق بين الأصل والفرع إلا كذا، وهذا الفارق لا مدخل له في الحكم ألبتة، فيلزم من اشتراكهما في الموجب اشتراكهما في الحكم. ومثّل له الشيخ بحديث الأعرابي: ففيه أوصاف عدة، منها كونه أعرابيًا، وأنه كان يضرب صدره وينتف شعره، وأنه قال «هلكت»، وأنه جامع في نهار رمضان. فتُحذف الأوصاف التي لا أثر لها، ويبقى الوصف المناسب الذي يرتبط به الحكم، وهو الجماع في نهار رمضان.

ومثّل له الصفي الهندي بقياس الأمة على العبد في السراية، فلا فرق بينهما إلا الذكورة، وهي ملغاة بالإجماع لا مدخل لها في العلية. وضرب الشيخ مثالًا من باب الحدود، فالنص ورد في تنصيف حدّ الإماء، قال الله تعالى:

﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: 25]

ويُقاس العبد على الأمة بعلة الرق، ويُلغى وصف الذكورة لأنه لا أثر له في الحكم.

ويرى الصفي الهندي أن تنقيح المناط نوع خاص من القياس، وكلاهما قد يكون ظنيًّا وقد يكون قطعيًّا، لكن حصول القطع بإلغاء الفارق أكثر منه بذكر الجامع. وقال الغزالي: لا نعلم بين الأمة خلافًا في جوازه، فنازعه العبدري بأن الخلاف فيه ثابت بين مثبتي القياس ومنكريه، لأنه راجع إلى القياس. وزعم الفخر الرازي أنه هو السبر والتقسيم نفسه، فرُدّ عليه بأن الحصر في السبر والتقسيم يكون لتعيين العلة، أما في تنقيح المناط فيكون لتعيين الفارق وإبطاله. ونبّه الشيخ إلى أن المسلكين متقاربان جدًّا، والفرق الدقيق بينهما أن التنقيح يُستعمل أولًا لإبطال الوصف الزائد، ثم تتعين العلة بعد إبطاله.

المحور الخامس: المسلك الحادي عشر – تحقيق المناط، وأقسام القياس

تحقيق المناط هو أن يُتفق على علية وصف بنص أو إجماع، ثم يُجتهد في وجود هذا الوصف في صورة النزاع. ومثاله تحقيق أن النبّاش الذي ينبش القبور سارق: فهل يُعدّ سارقًا تُقطع يده إذا أخذ الأكفان أو تاجر في عظام الموتى، أم أنه يُعزَّر؟ وسُمّي بذلك لأن المناط معلوم، وإنما بقي النظر في تحقق وجوده في الصورة المعينة. فإن تحقق وقع القياس، وإن لم يتحقق فلا قياس.

وقال الغزالي: هذا النوع من الاجتهاد لا خلاف فيه بين الأئمة، والقياس مختلف فيه، فكيف يكون هذا قياسًا؟ وأشار الشيخ إلى الفرق بينه وبين تخريج المناط، فتخريج المناط هو استخراج العلة ابتداءً بالاجتهاد، ثم يُبنى عليها الحكم بعد ذلك.

ثم بدأ الشوكاني تقسيم القياس إلى ثلاثة أقسام:

  • قياس العلة: وهو ما صُرّح فيه بالعلة، كقولنا في النبيذ: مسكر فيحرم كالخمر.
  • قياس الدلالة: وهو ما لا تُذكر فيه العلة، بل يُذكر وصف ملازم لها، كتعليل قياس النبيذ على الخمر بالرائحة المشتدة. فالرائحة ليست هي العلة، لكنها تدل عليها.
  • القياس في معنى الأصل: وهو ما يُلحق فيه الفرع بالأصل لعدم الفارق بينهما.

النقاط الرئيسية

  • الطرد هو الوصف الذي لا يناسب الحكم ولا يستلزم المناسب، ويقترن به الحكم في جميع الصور غير محل النزاع. والجمهور على أنه ليس بحجة، واختار الرازي والبيضاوي حجيته.
  • الطرد مقارنة في الوجود فقط، والدوران مقارنة في الوجود والعدم، فهما مسلكان مختلفان.
  • الدوران يفيد العلية ظنًّا عند الجمهور بشرط عدم المزاحم، لأن العلل الشرعية علامات نصبها الشارع، وليست موجبات بذاتها.
  • تخلّف الدليل الظني في بعض الصور لا يُسقط دلالته الظاهرة، كالغيم الرطب الذي يدل على المطر وإن لم يمطر أحيانًا.
  • تنقيح المناط هو إلحاق الفرع بالأصل بإلغاء الفارق الذي لا أثر له، كإلغاء وصف الأعرابية في حديث المجامع في رمضان، وإلغاء وصف الذكورة في قياس العبد على الأمة.
  • يفترق تنقيح المناط عن السبر والتقسيم بأن الأول لتعيين الفارق وإبطاله، والثاني لتعيين العلة، وإن كانا متقاربين.
  • تحقيق المناط هو النظر في وجود علة متفق عليها في صورة معينة، كمسألة النباش، وهو اجتهاد لا خلاف في العمل به.

الفوائد والعبر

  • يتعلم طالب العلم ألا يعلّق الأحكام الشرعية بأوصاف عارضة لا أثر لها، كالمكان أو النسب أو الهيئة، وأن يبحث عن الوصف المؤثر الذي ربط الشارع به الحكم.
  • حديث الأعرابي نموذج عملي لتهذيب الأوصاف، يعين على قراءة النصوص قراءة فقهية تميّز ما هو مقصود في الحكم مما جاء اتفاقًا.
  • أكثر مسالك العلة تفيد الظن الغالب لا القطع، وهذا يدعو إلى التواضع في مسائل الاجتهاد، والأدب مع المخالف، والبعد عن الإفراط والتفريط.
  • تحقيق المناط مهارة يحتاجها المفتي والقاضي في كل نازلة جديدة، فالحكم يكون معلومًا، وإنما يقع الاجتهاد في تطبيقه على الواقعة المعينة.
  • دقة الفروق بين المصطلحات المتقاربة، كالطرد والدوران، وتنقيح المناط والسبر، وتحقيق المناط وتخريجه، تبيّن لطالب العلم أهمية ضبط الاصطلاح قبل الدخول في الخلاف.
```
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات