شرح كتاب "إرشاد الفحول " للعلامة الشوكاني(32) الشرح والتعليق لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

2,091 مشاهدة
124 مشاركة
منذ 6 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الثاني والثلاثون من مجالس شرح كتاب «إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول» للعلامة محمد بن علي الشوكاني رحمه الله، ويشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يواصل الشيخ في هذا المجلس الكلام على «قوادح العلة»، وهي الاعتراضات التي يوردها المعترض على القياس الذي يستدل به خصمه. وهذا الباب من أدقّ أبواب أصول الفقه وأنفعها، لأنه يجمع بين أصول الاستدلال وآداب المناظرة وطرق الجدل المحمود.

يتناول المجلس عدة اعتراضات، هي: القلب، والقول بالموجَب، والفرق، والاستفسار، ثم يبدأ في فساد الاعتبار. ويذكر الشيخ أقوال كبار الأصوليين كالآمدي والفخر الرازي وابن الحاجب والصفي الهندي والزركشي وإمام الحرمين، ويوضّحها بأمثلة فقهية من مسائل المواريث والطهارة والاعتكاف والبيوع، وبأمثلة عقدية من الرد على المخالفين.

ويهدف هذا الدرس إلى أن يعرف طالب العلم حقيقة كل اعتراض وشروطه، وأن يفرّق بين الاعتراضات المتشابهة كالقلب والمعارضة، وأن يكتسب ملكة نقدية يزن بها الأدلة. فيحسن فهم مأخذ الدليل، ويميّز بين صحة الدليل في نفسه وصحة الاستنباط منه.

المحور الأول: الاعتراض الخامس – القلب

عرّف الآمدي القلب بأن يبيّن القالب أن ما ذكره المستدل يدل عليه لا له، أو يدل عليه وله معاً. ومعناه أن يقلب المعترض الدليل على صاحبه فيقول: هذا الدليل حجة عليك لا لك. وقرّر الشيخ أنه قلّ أن يأتي مبطل بدليل إلا وفي الدليل نفسه ما يرد عليه. ومثّلوا له في النصوص باستدلال الحنفي على توريث الخال بقوله ﷺ: «الخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ»، فقال المعترض إن معناه نفي توريثه على طريق المبالغة، كما يقال: الجوع زاد من لا زاد له، والصبر حيلة من لا حيلة له.

وعقّب الشيخ بأن هذا المثال يُذكر للتوضيح فقط، وأن قول المعترض هنا يخالف ظاهر النص. فكلام النبي ﷺ نص شرعي يُحمل على ظاهره، وظاهره أن الخال يرث عند عدم الوارث. ثم نقل قول الفخر الرازي إن القلب معارضة إلا في أمرين: الأول أنه لا يمكن فيه الزيادة في العلة، والثاني أنه لا يمكن فيه منع وجود العلة في الفرع والأصل، لأن أصله وفرعه هما أصل المستدل وفرعه. ونقل كذلك قول الصفي الهندي إن حقيقته دعوى أن ما ذكره المستدل يدل عليه لا له.

وقسّمه ابن الحاجب وشرّاح كلامه قسمين:

  • تصحيح مذهب المعترض فيلزم منه بطلان مذهب المستدل. مثاله أن يقول الحنفي: الاعتكاف يُشترط فيه الصوم، لأنه لبث فلا يكون بمجرده قربة كالوقوف بعرفة. فيقول الشافعي: فلا يُشترط فيه الصوم كالوقوف بعرفة.
  • إبطال مذهب المستدل صراحة. مثاله قول الحنفي: يكفي مسح ربع الرأس، لأنه عضو وضوء فلا يكفي أقلّه كسائر الأعضاء. فيقول الشافعي: فلا يتقدّر بالربع كسائر الأعضاء.
  • إبطال مذهب المستدل بالإلزام. مثاله قول الحنفي: بيع غير المرئي عقد معاوضة، فيصح مع الجهل بأحد العوضين كالنكاح. فيقول الشافعي: فلا يثبت فيه خيار الرؤية كالنكاح.

وضرب الشيخ للإلزام مثالاً عقدياً من الرد على من أوّل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [الحديد: 4]، ومن قال إنه سبحانه في كل مكان بذاته. فيُلزَم بلوازم باطلة شنيعة تبيّن فساد قوله. وذكر أن جمهور العلماء على أن القلب قادح مقبول، وأن من ردّه اشترط تنافي الحكمين. وأجاب الجمهور بأن الحكمين وإن لم يتنافيا لذاتيهما، فقد قام الدليل على امتناع اجتماعهما في الفرع.

ومن أمثلته المنقولة أن أبا حنيفة استدل في مسألة البناء على الأرض المغصوبة بقوله ﷺ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ»، وقال إن في هدم البناء إضراراً بالغاصب. فقلبه عليه المخالفون بأن في إبقائه إضراراً بصاحب الأرض. ومن أنواع القلب أيضاً جعل المعلول علة والعلة معلولاً. ورجّح ابن الحاجب أنه نوع معارضة اشترك فيه الأصل والجامع، فكان أولى بالقبول.

المحور الثاني: الاعتراض السادس – القول بالموجَب

القول بالموجَب بفتح الجيم، أي القول بما أوجبه دليل المستدل. وحدّه في «المحصول» بأنه تسليم ما جعله المستدل موجَب العلة مع استبقاء الخلاف. فالمعترض يقول: أسلّم لك مقتضى دليلك، لكنه لا يتناول محل النزاع. وبيّن الزركشي أن سببه أن يظن المعلّل أن ما أتى به يستلزم حكم المسألة المتنازع فيها، وهو لا يستلزمه. وتعريف الزركشي أولى من تعريف الرازي لأنه لا يختص بالقياس.

واستدرك ابن المنيّر على هذا الحد بأنه يُدخل فيه ما ليس منه، وهو بيان غلط المستدل. ومثّل له باستدلال من أوجب النية في الوضوء بقوله ﷺ: «فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ». فيقول المعترض: أقول بموجَب هذا الدليل لكنه لا يتناول محل النزاع. وهذا في الحقيقة بيان غلط لا قول بالموجَب، لأن شرط القول بالموجَب أن يكون للمستدل مأخذ معتبر في الجملة. فتمام الحد عنده: تسليم مقتضى الدليل مع بقاء النزاع، حيث يكون للمستدل مأخذ معتبر.

ومن أنواعه:

  • أن يذكر المستدل إحدى المقدمتين ويسكت عن الأخرى ظناً منه أنها مسلّمة، فيقول الخصم بموجَب المذكورة ويبقى على منع غيرها.
  • أن يعتقد المستدل تلازماً بين محل النزاع ومحل آخر، فيستدل على ثبوت الحكم في ذلك المحل ظناً أنه يستلزم ثبوته في محل النزاع.

ومثّل الشيخ بقوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: 43]، فقد يُسلَّم بعض ما يقتضيه الدليل، ويُنازَع في تنزيله على المسألة المعيّنة، وهي نقض الوضوء بمجرد اللمس. ويُستدل لذلك بأن النبي ﷺ كان يقبّل بعض نسائه ثم يصلي ولا يتوضأ. ومثّلوا أيضاً بقول الحنفي في ماء الزعفران: ماء خالطه طاهر، والمخالطة لا تمنع صحة الوضوء. فيقول المعترض: المخالطة لا تمنع، لكن هذا الماء لم يعد ماءً مطلقاً. والفرق بين القول بالموجَب والمعارضة أن الأول حاصله خروج الدليل عن محل النزاع، أما المعارضة ففيها اعتراف بأن للدليل دلالة على محل النزاع. واختار الآمدي أنه لا يجب على المعترض إبداء مستند قوله بالموجَب.

المحور الثالث: الاعتراض السابع – الفرق

الفرق هو إبداء وصف في الأصل يصلح أن يكون علة مستقلة أو جزء علة، وهو معدوم في الفرع، سواء كان مناسباً أو شبهياً. ومعناه أن يجمع المستدل بين الأصل والفرع بأمر مشترك، فيُبدي المعترض وصفاً موجوداً في الأصل غير موجود في الفرع، فيقطع بذلك الإلحاق. وذكر الرازي أن الكلام فيه مبني على مسألة جواز تعليل الحكم بعلتين.

واشترطوا فيه أمرين:

  • أن يكون بين الأصل والفرع فرق مؤثر، فليس كل وصف ينفرد به الأصل يكون مقتضياً للحكم، فقد يكون ملغى.
  • أن يكون قاطعاً للجمع، بأن يكون أخص من الجامع أو مثله في القوة.

ومثّل الشيخ لذلك بمن يقيس الدخان على الخمر، فيُبدى في الخمر وصف الإسكار وهو غير موجود في الدخان، فيحتاج القائس إلى علة أخرى كالضرر وإضاعة المال. وذهب إمام الحرمين والأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني إلى أن الفرق ليس سؤالاً مستقلاً بذاته، وإنما هو معارضة في الأصل أو في الفرع. وهو سؤال صحيح عند جمهور المحققين، ويُعترض على الفارق بما يُعترض به على العلة المستقلة.

المحور الرابع: الاعتراض الثامن – الاستفسار

الاستفسار هو طلب شرح معنى اللفظ إذا كان غريباً أو مجملاً، ويكون بأدوات الاستفهام كـ«هل» و«الهمزة» و«ما». وقدّمه جماعة من الأصوليين على سائر الاعتراضات. وهو سؤال مقبول عند الجمهور، وغلا بعض الفقهاء فلم يقبله. وعلة قبوله أن محل النزاع إذا لم يتحرّر لم يظهر وفاق ولا خلاف، وقد يرجع المخالف إلى الموافقة إذا اتضح له مراد صاحبه.

ومثّل له الشيخ بالألفاظ المجملة التي يستعملها المخالفون في باب الصفات، كقولهم: «أنتم تثبتون لله حداً وجهة». فيُستفسر منهم عن مرادهم بالحد والجهة قبل الحكم على كلامهم بقبول أو رد. ولا يُقبل هذا الاعتراض إلا بعد أن يبيّن المعترض اشتمال اللفظ على إجمال أو غرابة، فإذا بيّن ذلك لزم المستدلَّ التفسير.

ونقل الصفي الهندي أن بعض الجدليين أنكر كونه اعتراضاً. وقال بعض الأصوليين إنه طليعة جيش الاعتراضات وليس من جنسها، لأن الاعتراض ما يقدح في كلام المستدل، والاستفسار لا يقدح وإنما يطلب البيان.

المحور الخامس: فساد الاعتبار

فساد الاعتبار أن يقال: هذا القياس فاسد لا يصح اعتباره في هذا الحكم. ويكون ذلك لأحد أسباب:

  • مخالفة القياس لنص أو إجماع.
  • أن يكون الحكم مما لا يمكن إثباته بالقياس.
  • أن يكون تركيب القياس مشعراً بنقيض الحكم المطلوب.

وأوضح مثال على القياس الفاسد قياس إبليس حين قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: 12]. فقد قدّم قياسه على الأمر الإلهي الصريح بالسجود، فكان أول قياس فاسد في مقابلة النص.

وخصّ جماعة من الأصوليين فساد الاعتبار بمخالفة النص، وبيّن الشيخ أن هذا الاعتراض مبني على أن خبر الواحد مقدّم على القياس. وهو أصل عظيم يقطع الطريق على من يردّ السنن الثابتة بالأقيسة والآراء.

النقاط الرئيسية

  • القلب هو بيان أن دليل المستدل حجة عليه لا له، وهو قادح مقبول عند جمهور العلماء.
  • القلب ثلاثة أنواع: تصحيح مذهب المعترض، وإبطال مذهب المستدل صراحة، وإبطاله بالإلزام. ويفارق المعارضة في عدم الزيادة في العلة وعدم منع وجودها في الأصل والفرع.
  • النص الشرعي يُحمل على ظاهره، ولا يُصرف إلى أساليب المبالغة اللغوية بلا دليل، كحديث «الخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ».
  • القول بالموجَب تسليمٌ لمقتضى الدليل مع بقاء النزاع، لأن الدليل لا يتناول محل الخلاف، والمختار أنه لا يجب على المعترض إبداء مستنده.
  • الفرق إبداء وصف مؤثر في الأصل معدوم في الفرع يقطع الجمع بينهما، وهو سؤال صحيح عند المحققين.
  • الاستفسار طلب بيان اللفظ المجمل أو الغريب، وهو أساس تحرير محل النزاع قبل الحكم بالوفاق أو الخلاف.
  • فساد الاعتبار أن يخالف القياس النص أو الإجماع، ومنه قياس إبليس، وهو مبني على تقديم خبر الواحد على القياس.

الفوائد والعبر

  • التأمل في أدلة المخالف: ما من مبطل يستدل بدليل صحيح إلا وفي الدليل نفسه ما يرد عليه، فينبغي لطالب العلم أن يتدبر الدليل قبل أن يردّه.
  • التفريق بين الدليل والاستنباط: قد يكون الدليل صحيحاً والاستنباط منه خطأ، فلا يُسلَّم للخصم إلا ما دلّ عليه الدليل في محل النزاع بعينه.
  • تحرير المصطلحات أولاً: من المنهج السلفي في المناظرة الاستفسار عن الألفاظ المجملة كالجهة والحد قبل الحكم عليها، وكثير من الخلاف يزول بذلك.
  • تعظيم النصوص: لا يُقدَّم قياس ولا رأي على نص من الكتاب أو السنة، فأول من قاس في مقابلة النص إبليس، وقد هلك بقياسه.
  • الإنصاف في الحوار: القول بالموجَب يعلّم المتناظر أن يسلّم لخصمه ما هو حق، ثم يحصر النزاع في موضعه الصحيح، وهذا من العدل وأدب الخلاف.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات