شرح كتاب "إرشاد الفحول " للعلامة الشوكاني(27) الشرح والتعليق لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

5,034 مشاهدة
280 مشاركة
منذ 6 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس السابع والعشرون من شرح كتاب «إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول» للعلامة محمد بن علي الشوكاني رحمه الله تعالى، يقدّمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. ويواصل الشيخ فيه مباحث النسخ، وهي من أدق أبواب أصول الفقه وأشدها أثرًا في فهم الأحكام الشرعية، فمعرفة الناسخ والمنسوخ شرط لمن أراد أن يستنبط الحكم الشرعي على وجهه الصحيح.

يشرح هذا المجلس المسائل من التاسعة إلى الثالثة عشرة من مسائل النسخ، وموضوعها ما يصح أن يكون ناسخًا وما لا يصح. فيعرض الشيخ نسخ القرآن بالقرآن، والسنة المتواترة بمثلها، والآحاد بالآحاد وبالمتواتر، ثم الخلاف في نسخ المتواتر بالآحاد، ونسخ القرآن بالسنة، ونسخ السنة بالقرآن، ونسخ القول بالفعل، وحكم النسخ بالإجماع والقياس.

ويخرج المشاهد من هذا الدرس بمعرفة مذاهب العلماء في هذه المسائل وأدلتهم، وطريقة الترجيح بينها، ويتعلم أدب الخلاف مع الأئمة الكبار، ويرسخ عنده أن الكتاب والسنة كليهما وحي من عند الله تعالى.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: نسخ المتواتر بالآحاد

لا خلاف بين العلماء في جواز نسخ القرآن بالقرآن، ونسخ السنة المتواترة بالمتواترة، ونسخ الآحاد بالآحاد، ونسخ الآحاد بالمتواتر. أما نسخ القرآن أو السنة المتواترة بخبر الآحاد ففيه خلاف. فأكثر العلماء على أنه جائز عقلًا، ونقل ابن برهان الاتفاق على ذلك، وجعل الخلاف في جوازه شرعًا. وأما وقوعه فالجمهور على أنه لم يقع، بل حكى بعضهم الإجماع على ذلك، كابن السمعاني والقاضي أبي الطيب والشيرازي في «اللمع».

وذهب جماعة من أهل الظاهر، منهم ابن حزم، إلى أنه وقع، وهي رواية عن الإمام أحمد. وفرّق القاضي في «التقريب» والغزالي والباجي والقرطبي بين زمن النبي صلى الله عليه وسلم وما بعده، فقالوا بوقوعه في زمنه. واحتج المانعون بأن الثابت قطعًا لا يرفعه ما ثبت بالظن.

واستدل المجيزون بقصة أهل قباء، إذ تحوّلوا إلى الكعبة وهم في صلاتهم بخبر رجل واحد، ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم عليهم ذلك. واستدلوا أيضًا بأنه صلى الله عليه وسلم كان يبعث رسله آحادًا يبلّغون الأحكام وناسخها. ومثّلوا بقوله تعالى: ﴿قُل لَّآ أَجِدُ فِى مَآ أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُۥٓ﴾ مع النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير. وبيّن الشيخ أن الأظهر أن الحديث مخصِّص للآية لا ناسخ لها.

ونبّه الشيخ إلى أن الشوكاني قرّب المسألة بقوله: إن النسخ إنما يرفع استمرار الحكم المنسوخ ودوامه، واستمراره ظني وإن كان أصل دليله قطعيًا، فالآحاد على هذا يرفع أمرًا ظنيًا.

المحور الثاني: نسخ القرآن بالسنة المتواترة

ذهب الجمهور إلى جواز نسخ القرآن بالسنة المتواترة، وهو مذهب أبي الحسن الأشعري وأبي حنيفة وعامة المتكلمين، وحُكي عن مالك. ومثّلوا له بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ﴾، وقالوا إنها منسوخة بقوله صلى الله عليه وسلم: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ».

ومنع الإمام الشافعي رحمه الله في عامة كتبه نسخ القرآن بالسنة ولو كانت متواترة، وتبعه كثير من أصحابه. واستدلوا بقوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ﴾، وقالوا إن السنة لا تكون خيرًا من القرآن ولا مثله. واستنكر جماعة من العلماء هذا القول، ونقل الكيا الهراسي عن القاضي عبد الجبار قوله: «هذا الرجل كبير، ولكن الحق أكبر منه».

ورجّح الشوكاني والشيخ الجواز، لأن السنة وحي من عند الله كالقرآن، قال تعالى: ﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُوا۟﴾، وقال سبحانه: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَىٰ﴾. وحمل أبو منصور البغدادي كلام الشافعي على سنة الآحاد خاصة. ونقل الزركشي أن مقصود الشافعي أن الكتاب والسنة لا يوجد بينهما اختلاف إلا ومع أحدهما ما ينسخه من جنسه، وهذا أدب عظيم مع النصوص.

المحور الثالث: نسخ السنة بالقرآن، ونسخ القول بالفعل

نسخ السنة بالقرآن جائز عند الجمهور، وللشافعي فيه قولان أصحهما الجواز. وقد وقع ذلك في مواضع، منها نسخ استقبال بيت المقدس بقوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى ٱلسَّمَآءِ﴾، ونسخ ما في صلح الحديبية من رد النساء بقوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلْكُفَّارِ﴾، ونسخ تحريم المباشرة ليلة الصيام بقوله تعالى: ﴿فَٱلْـَٔـٰنَ بَٰشِرُوهُنَّ﴾.

وذهب الجمهور كذلك إلى أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم ينسخ قوله، كما أن قوله ينسخ فعله. ومن أمثلة ذلك أنه رجم ماعزًا ولم يجلده، فكان ذلك ناسخًا لقوله في الثيب: «جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ». ومنها أنه قام للجنازة ثم ترك القيام. وخالف في ذلك ابن عقيل من الحنابلة، بحجة أن الشيء لا يُنسخ إلا بمثله أو بما هو أقوى منه.

المحور الرابع: الإجماع لا يَنسخ ولا يُنسخ

قرر الشوكاني أن الإجماع لا ينسخ غيره ولا ينسخه غيره. فالإجماع لا ينعقد إلا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، والنسخ لا يكون بعد موته. وأما في حياته فلا عبرة بإجماع دونه، فإن خالفوه كان قولهم باطلًا، وإن وافقوه فالحجة في قوله هو.

ولا يصح أن ينسخ إجماعٌ إجماعًا سابقًا، لأن الإجماع الثاني إن لم يكن عن دليل فهو خطأ، وإن كان عن دليل لزم أن يكون الأول خطأ، والأمة لا تجتمع على خطأ. وبيّن الصيرفي وابن حزم أن الإجماع إذا خالف حديثًا فإنما يدل على وجود ناسخ أو على غلط في الخبر، لا أن الإجماع هو الذي نسخه، لأن الوحي محفوظ بقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ﴾.

ومثّل الخطيب البغدادي لمن أجاز النسخ بالإجماع بحديث نومهم في الوادي عن صلاة الفجر، وفيه: «فَإِذَا سَهَا أَحَدُكُمْ عَنْ صَلَاةٍ فَلْيُصَلِّهَا حِينَ يَذْكُرُهَا، وَمِنَ الْغَدِ لِلْوَقْتِ». فقد أجمعت الأمة على أن الصلاة المنسية لا تُعاد في الغد. وبيّن الشيخ أن المعنى الصحيح للحديث أن يرجع المصلي في الغد إلى الوقت الشرعي الأصلي، لا أن يعيد الصلاة.

المحور الخامس: النسخ بالقياس

ذهب الجمهور إلى أن القياس لا يكون ناسخًا، ونقله القاضي أبو بكر في «التقريب» عن الفقهاء والأصوليين. وعلة ذلك أن القياس يُستعمل مع عدم النص، فلا يصح أن يرفع نصًا. ومن شروط العمل بالقياس كذلك ألا يخالف الإجماع.

النقاط الرئيسية

  • لا خلاف في نسخ القرآن بالقرآن، والمتواتر بالمتواتر، والآحاد بالآحاد وبالمتواتر.
  • الجمهور على أن نسخ المتواتر بالآحاد لم يقع، وقال الظاهرية بوقوعه، وهي رواية عن أحمد.
  • يجوز نسخ القرآن بالسنة المتواترة عند الجمهور، وخالف في ذلك الشافعي، والراجح الجواز لأن الكل وحي.
  • يجوز نسخ السنة بالقرآن، وهو واقع في مواضع، منها تحويل القبلة.
  • فعل النبي صلى الله عليه وسلم ينسخ قوله، وقوله ينسخ فعله، عند الجمهور.
  • الإجماع لا ينسخ ولا يُنسخ، لأنه لا ينعقد إلا بعد انقطاع الوحي.
  • القياس لا يكون ناسخًا للنص عند الجمهور.

الفوائد والعبر

  • السنة النبوية وحي من عند الله تعالى، ولها مكانة القرآن في الحجية ووجوب الاتباع.
  • الأدب مع الأئمة الكبار مطلوب عند مخالفتهم، فالحق أكبر من الرجال مع حفظ أقدارهم وفضلهم.
  • ينبغي التثبت قبل دعوى النسخ، وتقديم الجمع بين النصوص أو التخصيص متى أمكن.
  • قد يختلف العلماء في نقل المذاهب، فيلزم طالب العلم أن يحرر الأقوال ويوجّهها قبل الحكم على ناقليها بالخطأ.
  • الشريعة محفوظة بحفظ الله، فلا يضيع منها ناسخ ولا منسوخ.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات