شرح كتاب "إرشاد الفحول " للعلامة الشوكاني(22) الشرح والتعليق لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

3,712 مشاهدة
285 مشاركة
منذ 6 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الثاني والعشرون من شرح كتاب «إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول» للعلامة محمد بن علي الشوكاني رحمه الله، يشرحه ويعلق عليه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. ويتابع الشيخ فيه باب العموم والخصوص والمخصصات المتصلة، فيتناول أحكام الاستثناء ودلالته في اللغة والشرع، ويعرض أقوال الأئمة وأدلتهم ويرجح بينها.

وللموضوع أهمية كبيرة، لأن الاستثناء من أكثر الأساليب ورودًا في القرآن والسنة، وعليه تقوم كلمة التوحيد «لا إله إلا الله». ومعرفة ما يفيده من نفي أو إثبات، وإلى أي الجمل يرجع إذا جاء بعد جمل متعاطفة، تؤثر مباشرة في استنباط الأحكام. ومن أمثلة ذلك قبول شهادة القاذف إذا تاب، وسقوط حد الحرابة عمن تاب قبل القدرة عليه.

والمرجو أن يخرج المشاهد من هذا المجلس وقد فهم مذهب الجمهور ومذهب الحنفية في الاستثناء من النفي، وعرف الخلاف في عود الاستثناء بعد الجمل المتعاطفة واختيار الشوكاني فيه، وعرف حكم الوصف الواقع بعد المستثنى والمستثنى منه، ثم بداية الكلام على التخصيص بالشرط ومعناه في اللغة.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: الاستثناء من الإثبات نفي، والاستثناء من النفي إثبات

قرر الشوكاني أن العلماء اتفقوا على أن الاستثناء من الإثبات نفي. فإذا قلت: «جاء الرجال إلا زيدًا» فقد نفيت المجيء عن زيد. واختلفوا في الاستثناء من النفي، فذهب الجمهور إلى أنه إثبات. وذهب الحنفية إلى أنه لا يفيد إثباتًا، وجعلوا بين النفي والإثبات واسطة هي عدم الحكم، فيبقى المستثنى عندهم مسكوتًا عنه غير محكوم عليه بنفي ولا إثبات.

ونبه الشيخ إلى أن الفخر الرازي اضطرب في هذه المسألة، فوافق الجمهور في «المحصول» واختار مذهب الحنفية في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ [النساء: 92]. ورجح الشوكاني مذهب الجمهور لثلاثة أسباب: أن الواسطة التي ادعاها الحنفية مردودة، وأنها لو صحت للزم مثلها في الاستثناء من الإثبات وهو باطل بالإجماع، وأن ما نقله الأئمة عن أهل اللغة يخالف قولهم.

وأقوى ما يرد به عليهم أن قولهم لو صح لما كانت كلمة التوحيد توحيدًا، لأنها استثناء من نفي. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»، وهو حديث متواتر. ونقل الشوكاني عن ابن دقيق العيد في «شرح الإلمام» أن هذه الاعتراضات تشغيب ومراوغات جدلية، لأن الشرع خاطب الناس بهذه الكلمة لإثبات التوحيد، ففهموه منها وقبلوه دون حاجة إلى أمر آخر.

واحتج الحنفية بقوله ﷺ: «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ» وبما ورد في معنى «لا صلاة إلا بطهور»، وقالوا إن حضور الولي لا يلزم منه ثبوت النكاح، ووجود الطهارة لا يلزم منه ثبوت الصلاة. فأجيب بجوابين. الأول: لو سلمنا أن الإثبات لا يستفاد من الوضع اللغوي، فهو مستفاد من الوضع الشرعي. والثاني: أن الباء في «بولي» و«بطهور» تقتضي تقدير متعلق محذوف، والمعنى: لا نكاح يثبت بوجه من الوجوه إلا مقترنًا بولي، فلا يلزم ثبوت النكاح بمجرد حضور الولي.

المحور الثاني: الاستثناء بعد جمل متعاطفة، هل يعود إلى جميعها أم إلى الأخيرة؟

ومثال المسألة قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ ثم قال: ﴿إِلَّا مَن تَابَ﴾ [الفرقان: 68–70]. وفي المسألة ثلاثة مذاهب مشهورة:

  • المذهب الأول: يعود الاستثناء إلى جميع الجمل ما لم يخصه دليل. وهو مذهب الشافعي وأصحابه، ونسبه ابن القصار إلى مالك، ونقله القاضي أبو يعلى عن الحنابلة.
  • المذهب الثاني: يعود إلى الجملة الأخيرة إلا أن يقوم دليل على التعميم. وهو مذهب أبي حنيفة وجمهور أصحابه، واختاره الفخر الرازي، ونقله أبو الحسين البصري عن الظاهرية، وإليه ذهب أبو علي الفارسي.
  • المذهب الثالث: التوقف. وحكي عن القاضي أبي بكر الباقلاني وعن المرتضى، واختاره إمام الحرمين والغزالي. والفرق بينهما أن المرتضى توقف لأنه يرى اللفظ مشتركًا، أما القاضي فلم يقطع بشيء.

واستدل الإمام أحمد للتعميم بقوله ﷺ: «لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ، وَلَا يَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ». فقوله «إلا بإذنه» يرجع إلى الإمامة والقعود على التكرمة معًا.

المحور الثالث: من فصّل في المسألة، واختيار الشوكاني

ومن العلماء من فصل بحسب نوع الجمل وتعلق بعضها ببعض:

  • إذا كانت كل جملة مستقلة بنفسها، فالظاهر أن الاستثناء يختص بالأخيرة، لأن المتكلم لم ينتقل إلى الجملة الثانية إلا بعد أن تم غرضه من الأولى. ومثاله: «أطعم ربيعة واخلع على مضر إلا الطوال».
  • إذا كانت الثانية متعلقة بالأولى، كأن يكون حكم الأولى أو اسمها مضمرًا في الثانية، فالاستثناء يعود إليهما معًا لأن الثانية لا تستقل بدون الأولى. ومثاله: «أكرم ربيعة ومضر إلا الطوال».
  • إذا اتحدت القصة واختلفت أنواع الكلام، كأن يكون بعضه أمرًا وبعضه نهيًا وبعضه خبرًا، فالاستثناء يرجع إلى الأخيرة. ومثاله آية القذف.

وآية القذف هي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ۝ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: 4–5]. وعلى هذا التفصيل ترفع التوبة عن القاذف وصف الفسق، ولا يسقط عنه الحد.

ونقل الشوكاني قول ابن فارس في «فقه العربية»: إن دل الدليل على عود الاستثناء إلى الجميع عاد إليه، كما في آية المحاربة: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا...﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ۖ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: 33–34]، وإن دل الدليل على المنع امتنع كما في آية القذف. وتعقبه الشوكاني بأن هذا خارج عن محل النزاع، فلا خلاف في العمل بالدليل إذا وجد، وإنما الخلاف فيما يدل عليه اللفظ عند عدم الدليل.

وانتهى الشوكاني إلى أن القيد الواقع بعد جمل يعود إلى جميعها، إلا إذا منع من ذلك مانع من اللفظ نفسه أو من دليل خارج عنه، فيعمل حينئذ بمقتضى المانع. وبين أن الأقوال المفصلة الأخرى لا تخالف هذا الاختيار، وهي ثلاثة: أن تساق الجمل لأغراض مختلفة، أو أن تكون الواو للاستئناف، أو أن تكون الجملة الثانية إضرابًا عن الأولى. فكل ذلك من قبيل الموانع.

المحور الرابع: الوصف الواقع بعد المستثنى والمستثنى منه

إذا جاء بعد المستثنى والمستثنى منه وصف يصلح لكل منهما، فقد اختلف فيه الشافعية والحنفية. ومثاله أن يقول: «له عليّ ألف درهم إلا مائة قضيته إياها». فعند الشافعية يرجع الوصف إلى المستثنى منه، فيكون مقرًّا بتسعمائة ومدعيًا قضاء المائة، فإن أقام البينة وإلا لزمه ما أقر به. وعند الحنفية يرجع الوصف إلى المستثنى، فيكون مقرًّا بألف ومدعيًا قضاء مائة منها.

وكذلك الحكم إذا جاء بعد الجمل ضمير يصلح لكل واحدة منها. أما إذا كان الضمير أو الوصف لا يصلح إلا لبعض الجمل، فإنه يختص بما يصلح له. ومثاله: «أكرم القوم وأكرم زيدًا العالم»، فوصف العالم هنا خاص بزيد.

المحور الخامس: بداية الكلام على التخصيص بالشرط

بدأ الشيخ المسألة الثانية عشرة، وهي التخصيص بالشرط. وذكر أن بعضهم قال إن الشرط في اللغة هو العلامة، واعتُرض عليه بما في «الصحاح» وغيره من كتب اللغة: أن الذي بمعنى العلامة هو «الشَّرَط» بفتح الراء، وجمعه «أشراط»، ومنه أشراط الساعة أي علاماتها. أما «الشَّرْط» بسكون الراء فجمعه «شروط».

النقاط الرئيسية

  • الاستثناء من الإثبات نفي باتفاق العلماء، والاستثناء من النفي إثبات عند الجمهور خلافًا للحنفية.
  • كلمة التوحيد «لا إله إلا الله» أقوى دليل على أن الاستثناء من النفي يفيد الإثبات لغة وشرعًا.
  • حديث «لا نكاح إلا بولي» لا يصلح حجة للحنفية، لأن الكلام فيه يقتضي تقدير متعلق محذوف.
  • اختلف العلماء في الاستثناء الواقع بعد جمل متعاطفة: فالشافعية يعيدونه إلى الجميع، والحنفية إلى الأخيرة، وتوقف فيه آخرون.
  • اختار الشوكاني أن القيد يعود إلى جميع الجمل ما لم يمنع من ذلك مانع لفظي أو دليل خارجي.
  • الوصف الواقع بعد المستثنى والمستثنى منه يرجع عند الشافعية إلى المستثنى منه، وعند الحنفية إلى المستثنى.
  • «الشَّرَط» بفتح الراء هو العلامة وجمعه أشراط، و«الشَّرْط» بسكونها جمعه شروط.

الفوائد والعبر

  • دقة القواعد الأصولية تحمي فهم النصوص من التحريف. فلو أخذنا بقول الحنفية في الاستثناء من النفي لما أفادت كلمة التوحيد التوحيد.
  • ينبغي لطالب العلم أن يحرر محل النزاع قبل الترجيح، كما فعل الشوكاني حين بين أن قول ابن فارس خارج عن موضع الخلاف.
  • الحقيقة الشرعية مقدمة في فهم خطاب الشارع، والصحابة فهموا من الألفاظ مقاصدها دون تكلف أو جدل.
  • بالتوبة الصادقة يرتفع عن العبد وصف الفسق، وقد تسقط بها بعض العقوبات كحد الحرابة إذا تاب صاحبه قبل القدرة عليه. وفي ذلك سعة رحمة الله تعالى.
  • لهذه القواعد ثمرة عملية في الإقرارات والمعاملات، فصياغة العبارة تحدد ما يلزم المقر من حقوق، وهذا يدعو إلى ضبط الكلام في العقود والوثائق.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات