شرح كتاب "إرشاد الفحول " للعلامة الشوكاني(19) الشرح والتعليق لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

4,868 مشاهدة
149 مشاركة
منذ 6 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس التاسع عشر من مجالس شرح كتاب «إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول» للعلامة محمد بن علي الشوكاني رحمه الله تعالى، بشرح وتعليق فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. يتناول المجلس ثلاث مسائل من مباحث العموم المتصلة بدلالات الألفاظ: المسألة الحادية عشرة في الألفاظ الدالة على الجمع وعلاقتها بالتذكير والتأنيث، والمسألة الثانية عشرة في دخول العبيد والإماء في الخطابات العامة، والمسألة الثالثة عشرة في دخول الكفار في الخطاب الصالح للمسلمين.

ولهذه المسائل أثر كبير في فهم نصوص الكتاب والسنة واستنباط الأحكام منها، فمعرفة من يشمله الخطاب الشرعي ومن لا يشمله أصلٌ يُبنى عليه كثير من الفروع الفقهية. ولذلك اختلفت فيها أنظار الأصوليين والفقهاء من الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة والظاهرية، وترتبت على هذا الخلاف أحكام عملية، كحكم المرأة المرتدة عند بعض الحنفية.

ويهدف هذا الدرس إلى أن يعرف طالب العلم أقسام ألفاظ الجمع من حيث شمولها للذكور والإناث، وأن يميز بين الدلالة اللغوية الوضعية وبين التغليب والقرائن، وأن يفهم قاعدة شمول الخطاب العام للعبيد والكفار. ويتضمن المجلس كذلك وقفة في الإنصاف مع أئمة الاجتهاد، وبيان الفرق بين المخالفة عن اجتهاد والمخالفة عن هوى.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: أقسام ألفاظ الجمع من حيث دلالتها على المذكر والمؤنث

قسّم الإمام الشوكاني الألفاظ الدالة على الجمع أربعة أقسام. القسم الأول: ما يختص بأحد الجنسين ولا يُطلق على الآخر بحال، مثل «رجال» للذكور و«نساء» للإناث. فلا يدخل أحدهما في الآخر بإجماع أهل العلم من اللغويين والمحدثين والأصوليين والفقهاء، إلا بدليل خارجي كالقياس.

القسم الثاني: ما يعمّ الفريقين بوضعه اللغوي، وليس فيه علامة تذكير ولا تأنيث، مثل «الناس» و«الإنس» و«البشر». وهذا يدخل فيه الذكور والإناث بالإجماع.

القسم الثالث: ما يشملهما بأصل وضعه ولا يختص بأحدهما إلا ببيان، مثل «مَن» و«ما». وفيه خلاف، فقد قيل إن النساء لا يدخلن فيه إلا بدليل. والصواب الذي رجحه الشوكاني أنه كالناس والبشر في الشمول. واستدل بقوله تعالى:

﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ﴾ [النساء: 124]

فلولا عموم «مَن» للجنسين لما حسُن التقسيم بعدها. ونقل الرازي في المحصول الإجماع على أنه لو قال: «من دخل داري من أرقائي فهو حر» دخلت فيه الإماء. وخصّ إمام الحرمين الخلاف بـ«مَن» الشرطية، أما الصفي الهندي فرأى أن الخلاف جارٍ في الموصولة والاستفهامية أيضًا. وقرر الشوكاني أن دعوى اختصاص «مَن» بالذكور لا ينبغي أن تُنسب إلى من له أدنى معرفة بلغة العرب.

القسم الرابع: ما يُستعمل بعلامة التأنيث في المؤنث وبحذفها في المذكر، وهو جمع السلامة، مثل «مسلمين» و«مسلمات»، وصيغ «فعلوا» و«فعلن». ومذهب الجمهور أن النساء لا يدخلن فيما هو للذكور إلا بدليل، كما لا يدخل الرجال فيما هو للنساء إلا بدليل.

المحور الثاني: دخول الإناث في جمع المذكر بين الجمهور والمخالفين

قال القفال الشاشي: إن الأسماء وُضعت للدلالة على المسمّى، فخُصّ كل نوع بما يميزه. فالألف والتاء علامة لجمع الإناث، والواو والياء والنون علامة لجمع الذكور. ثم قد تقوم قرينة تقتضي استواء الجنسين فيدخل الإناث في خطاب الذكور، وقد لا تقوم قرينة فيُلحقن بالذكور بالاعتبار والدليل. وهذا القول نُسب إلى أبي منصور البغدادي وسليم الرازي والقاضي أبي الطيب وابن السمعاني وإلكيا الهراسي وابن برهان وأبي إسحاق الشيرازي، ونقله ابن القشيري عن معظم أهل اللغة.

وذهب الحنفية، كما حكاه عنهم سليم الرازي وابن السمعاني وابن الساعاتي، إلى أن جمع المذكر يتناول الذكور والإناث. وحُكي هذا عن ابن خويز منداد من المالكية، ورُوي نحوه عن الحنابلة والظاهرية. واحتجوا بإجماع أهل اللغة على أنه إذا اجتمع المذكر والمؤنث غُلّب المذكر، كما في قوله تعالى في خطاب آدم وحواء وإبليس:

﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [البقرة: 38]

وأجاب الجمهور بأن ذلك ليس بأصل الوضع ولا بمقتضى اللغة، بل هو بطريق التغليب لقيام الدليل عليه، وهذا خارج عن محل النزاع. ولا يلزم من صحة إرادة الشيء مع القرينة إرادته عند الإطلاق بلا قرينة. ورجح الشوكاني قول الجمهور، واستدل بالتصريح في القرآن بما يختص بالنساء مع ما يختص بالرجال، كقوله تعالى:

﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: 35]

وقد ورد في سبب نزولها أن أم سلمة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله، ما نرى الله ذكر إلا الرجال، فنزلت الآية. ونقل الأبياري أنه لا خلاف بين الأصوليين والنحاة في أن جمع المذكر لا يتناول المؤنث لغةً. وقال الزركشي في «البحر المحيط»: حاصله الإجماع على عدم الدخول لغةً حقيقةً، وإنما النزاع في ظهوره عرفًا لاشتراك الجنسين في الأحكام الشرعية.

المحور الثالث: الإنصاف مع الإمام أبي حنيفة ومسألة المرتدة

حكى الشوكاني الخلاف في «مَن» عن أبي الحسين البصري في «المعتمد» وإلكيا الهراسي في «التلويح» وعن بعض الحنفية. وذكر أنهم بنوا على ذلك القول بأن المرأة المرتدة لا تُقتل، لعدم دخولها في قوله صلى الله عليه وسلم:

«مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» رواه البخاري

ونبّه الشيخ إلى أن الإمام أبا حنيفة رحمه الله لم يكن متبعًا للهوى، بل كان إمامًا في الفقه باتفاق الأمة. وما خالف فيه السنة كان عن اجتهاد له حظ من النظر وعناية بالقواعد، لا عن شهوة وهوى، ولذلك لم يُبدَّع ولم يُضلَّل. وأما إرجاء الفقهاء، وهو قولهم إن الإيمان قول واعتقاد، فهو خطأ، وقد قال به غير واحد من أهل الفقه. وقد عدّ شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب «الإيمان» الخلاف فيه لفظيًا من بعض الوجوه.

المحور الرابع: دخول العبيد والإماء في الخطابات العامة

ذهب الجمهور إلى أن الخطاب بمثل «يا أيها الناس» و«يا أيها الذين آمنوا» يشمل العبيد والإماء. وذهب جماعة إلى أنه لا يعمّهم شرعًا. وفصّل أبو بكر الرازي من الحنفية فقال: يعمّهم في حقوق الله تعالى دون حقوق الآدميين. ورجح الشوكاني القول الأول، لأنهم من جملة الناس، وخروجهم من بعض الأحكام إنما هو لدليل خاص، كالزكاة التي لا يملك العبد مالها. وهذا ما عليه أتباع الأئمة الأربعة، وهو الصحيح من مذهب الشافعي كما نقله الأستاذ أبو منصور والقاضي أبو الطيب.

وقرر الشيخ أن الخطاب الشرعي يقتضي أمرين: الاعتقاد والعمل. فقد يجتمعان كما في الصلاة، وقد يبقى الاعتقاد إذا تعذّر العمل، كما في قوله تعالى:

﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ۝ إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: 5-6]

فالمسلم مطالب بالإيمان بهذا الحكم وإن لم يوجد ما يعمل به في هذا العصر. وأما احتجاج المخالفين بالإجماع على عدم وجوب بعض الأحكام على العبيد، فلا يصح دليلًا في محل النزاع، لأن ذلك عُلم بدليل خارجي مخصِّص لعموم الصيغة.

المحور الخامس: دخول الكفار في الخطاب الصالح للمسلمين

ذهب الجمهور إلى دخول الكافر في الخطاب الصالح للمسلمين، مثل:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ [النساء: 1]

وهذا راجع إلى مسألة خطاب الكفار بفروع الشريعة. فهم عند الأصوليين مخاطبون بها، بمعنى أنهم يُؤاخذون عليها ويزداد عذابهم في الآخرة. وعند الفقهاء لا تُقبل منهم حتى يأتوا بأصل الإيمان. وذهب بعض الشافعية إلى اختصاص الخطاب بالمسلمين، وقال بعضهم: يدخلون في حقوق الله دون حقوق الآدميين. قال الصفي الهندي: إن زعم المانعون أن اللفظ لا يتناولهم لغةً فهي مكابرة، وإن زعموا أن الكفر والرق خصّصهم شرعًا فباطل، لإجماعهم على أنهم مكلفون في الجملة.

وأما الخطاب الخاص بالمؤمنين، فقد حكى ابن السمعاني عن بعض الحنفية أنه لا يشمل غيرهم، ثم اختار التعميم، لعموم التكليف بهذه الأمور. فتخصيص المؤمنين بالذكر من باب التشريف لا التخصيص، بدليل قوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 278]

وقد ثبت تحريم الربا في حق أهل الذمة أيضًا.

النقاط الرئيسية

  • ألفاظ الجمع أربعة أقسام: ما يختص بأحد الجنسين، وما يعمّهما بلا علامة، وما يعمّهما بأصل الوضع كـ«مَن» و«ما»، وجمع السلامة المميَّز بعلامة.
  • لفظا «الرجال» و«النساء» لا يدخل أحدهما في الآخر بالإجماع، و«الناس» و«البشر» يشملان الجنسين بالإجماع.
  • رجح الشوكاني أن «مَن» و«ما» تعمّان الذكور والإناث، ودعوى اختصاصهما بالذكور مخالفة للغة العرب.
  • مذهب الجمهور أن النساء لا يدخلن في جمع المذكر السالم إلا بدليل أو قرينة أو تغليب، وهو ما رجحه الشوكاني.
  • الإمام أبو حنيفة إمام مجتهد، وما خالف فيه السنة كان عن نظر واجتهاد لا عن هوى.
  • الخطاب العام كـ«يا أيها الناس» يشمل العبيد والإماء، وخروجهم من بعض الأحكام بدليل مخصِّص.
  • الكفار داخلون في الخطاب العام ومكلفون في الجملة، وتخصيص المؤمنين بالنداء للتشريف لا للتخصيص.

الفوائد والعبر

  • إتقان لغة العرب شرط لفهم نصوص الشريعة فهمًا صحيحًا، فكثير من الخلاف الأصولي مردّه إلى الدلالة اللغوية.
  • ينبغي التفريق بين الأصل الوضعي للفظ وبين ما يُفهم بالقرائن والتغليب، فلا يُعمَّم حكم ولا يُخصَّص إلا بدليل.
  • الإنصاف مع العلماء المخالفين واجب، فيُحمل خطأ المجتهد على الاجتهاد، ولا يُضلَّل من أخطأ عن نظر واجتهاد.
  • الخطاب الشرعي يقتضي الاعتقاد والعمل معًا، فإن تعذّر العمل بقي وجوب الإيمان بالحكم والتسليم له.
  • عموم الخطاب الشرعي لجميع المكلفين يدل على شمول رسالة الإسلام وعدالتها، وأن كل إنسان مسؤول أمام الله تعالى.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات