شرح كتاب "إرشاد الفحول " للعلامة الشوكاني(26) الشرح والتعليق لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس السادس والعشرون من مجالس شرح كتاب «إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول» للعلامة محمد بن علي الشوكاني رحمه الله. يقدّم الشرح والتعليق فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. ويفتتح الشيخ في هذا المجلس بابًا من أعظم أبواب أصول الفقه وأخطرها أثرًا في فهم نصوص الشريعة، وهو «الباب التاسع من المقصد الرابع في النسخ». ويشتمل هذا الباب على سبع عشرة مسألة، شرح الشيخ منها في هذا الدرس المسائل الثلاث الأولى.
ومعرفة الناسخ والمنسوخ شرطٌ لا يستغني عنه المجتهد والمفسر والفقيه. فبها يُعرف الحكم الباقي من الحكم المرفوع، وبها يُجمع بين النصوص التي يبدو بينها تعارض في الظاهر، وبها تُدفع شبهات الطاعنين في الشريعة الذين يزعمون أن النسخ يستلزم البداء على الله تعالى.
ويهدف هذا الدرس إلى تعريف المشاهد بحقيقة النسخ في اللغة والاصطلاح، وبيان أقوال الأصوليين في حدّه وما ورد على كل تعريف من اعتراضات. كما يقرر جواز النسخ عقلًا ووقوعه شرعًا، ويرد على المخالفين، ويبيّن الحِكَم من تشريعه، ثم يعرض الشروط التي لا يصح النسخ إلا بها.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: حقيقة النسخ في اللغة وخلاف العلماء في معناه
بيّن الشيخ أن النسخ في اللغة يُطلق على معنيين:
- الإبطال والإزالة: ومنه قولهم: «نسخت الشمسُ الظلَّ» و«نسخت الريحُ آثارَ القدم»، وعلى هذا المعنى اقتصر العسكري.
- النقل والتحويل: ومنه «نسختُ الكتابَ» إذا نقلتَه، و«تناسخ المواريث»، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: 29].
ثم اختلف العلماء: هل اللفظ حقيقة في المعنيين، أو حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر؟ وأقوالهم كالتالي:
- حكى الصفي الهندي عن الأكثرين أنه حقيقة في الإزالة مجاز في النقل.
- قال القفال الشاشي: هو حقيقة في النقل.
- قال القاضي أبو بكر الباقلاني والقاضي عبد الوهاب والغزالي: هو مشترك بينهما اشتراكًا لفظيًا.
- قال ابن المنيّر في شرح البرهان: هو مشترك اشتراكًا معنويًا، لوجود قدر مشترك بين المعنيين.
- قيل: القدر المشترك هو «التغيير»، وبه صرّح الجوهري.
وعرض الشيخ مناقشة الفخر الرازي في «المحصول». فقد أورد اعتراضًا مفاده أن نسبة النسخ إلى الشمس والريح مجاز، لأن المزيل في الحقيقة هو الله تعالى. ثم أجاب عنه بأن العمدة إطلاق أهل اللغة لفظ النسخ على الإزالة، لا إسنادهم الفعل إلى الشمس والريح. وانتهى الرازي إلى أن النقل أخصّ من الزوال، وأنه إذا دار اللفظ بين العام والخاص فجعله حقيقة في العام أولى.
المحور الثاني: تعريف النسخ في الاصطلاح وما ورد على التعريفات من اعتراضات
نقل الشوكاني تعريف جماعة من الأصوليين، منهم الباقلاني والصيرفي والشيرازي والغزالي والآمدي وابن الأنباري. فالنسخ عندهم هو: «الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجهٍ لولاه لكان ثابتًا، مع تراخيه عنه». وشرح الشيخ قيود هذا التعريف واحدًا واحدًا:
- قالوا «الخطاب» ولم يقولوا «النص» ليشمل النص والفحوى والمفهوم.
- قالوا «ارتفاع الحكم» ليشمل الأمر والنهي والخبر.
- قيد «بالخطاب المتقدم» يُخرج إيجاب العبادات ابتداءً. فهو يرفع البراءة الأصلية الثابتة بالعقل، ولا يسمى ذلك نسخًا.
- قيد «لولاه لكان ثابتًا» لأن حقيقة النسخ الرفع، ولا يكون رفعًا إلا إذا كان الحكم الأول باقيًا لولا ورود الناسخ.
- قيد «مع تراخيه عنه» لأنه لو كان متصلًا به لكان بيانًا أو تخصيصًا لا نسخًا.
ثم ذكر الاعتراضات الواردة على هذا الحد، وهي:
- أن النسخ هو نفس الارتفاع، والخطاب دالّ عليه، وبين الأمرين فرق.
- أن تقييده بالخطاب خطأ، لأن النسخ قد يكون بالفعل كما يكون بالقول.
- أن الأمة إذا اختلفت على قولين ثم أجمعت على أحدهما، فهذا الإجماع خطاب، مع أن الإجماع لا يُنسخ به.
- أن الحكم الأول قد يثبت بفعل النبي صلى الله عليه وسلم، والفعل ليس خطابًا.
وعرض الشيخ تعريفات أخرى مع ما يرد عليها:
- تعريف الرازي: اعتُرض عليه بقوله «مثل الحكم».
- تعريف الزركشي: «رفع الحكم الشرعي بخطاب»، ويُؤخذ عليه أمران: أن الناسخ قد يكون غير خطاب، وأنه أهمل قيد التراخي.
- تعريف ابن الحاجب: «رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر». واعتُرض عليه بأن الحكم كلام الله القديم فلا يُرفع، وأُجيب بأن المرفوع هو تعلّق الحكم بالمكلف لا ذات الحكم.
واختار الشوكاني أن يقال: «رفع حكم شرعي بمثله مع تراخيه عنه»، أي رفع حكم شرعي متقدم بحكم شرعي متأخر عنه، ثابتٍ بدليل شرعي قولًا كان أو فعلًا.
المحور الثالث: جواز النسخ عقلًا ووقوعه شرعًا والرد على المخالفين
قرر الشوكاني أن النسخ جائز عقلًا واقع سمعًا، بلا خلاف بين المسلمين، إلا ما يُروى عن أبي مسلم الأصفهاني. ونبّه الشيخ إلى أن هذا النقل عنه فيه نظر، وأنه ليس كل ما يُنسب إلى إنسان يكون قد قاله. وقال الشوكاني: إن صحّ ذلك عنه فهو دليل على جهلٍ قطعي بالشريعة المحمدية. وأعجب منه حكاية خلافه في كتب الشريعة، لأن المعتدّ به خلاف المجتهدين لا غيرهم.
وأما إنكار جواز النسخ فلم يُحكَ إلا عن اليهود، وتحديدًا عن طائفة منهم هي الشمعونية. وعدّ الشوكاني ذكر خلافهم في كتب الأصول من غرائب أهل هذا الفن، إذ ليس بنا حاجة إلى نصب الخلاف بيننا وبينهم. وفي التوراة نفسها، على ما فيها من تحريف، أن الله رفع عنهم أحكامًا سألوا رفعها، وهذا هو النسخ بعينه.
وعمدة شبهتهم أن النسخ يستلزم «البداء»، وهو الظهور بعد الخفاء، وذلك ممتنع على الله تعالى. وأجاب الشيخ بأن النسخ لا يستلزم البداء لا عقلًا ولا شرعًا. فالله تعالى يشرع الحكم لحكمة في وقته، ثم ينسخه لحكمة أخرى، كالتشديد في البداية ليأخذ الناس الدين بقوة، ثم التيسير رحمةً بمن بعدهم. وأشار الشيخ إلى أن الرافضة جوّزوا البداء على الله تشبّهًا باليهود، وهي مقالة توجب الكفر بمجردها.
وعرض الشيخ تأويلات العلماء لخلاف أبي مسلم:
- نقل ابن دقيق العيد أنه لا ينكر رفع الحكم، بل يسميه «انتهاءً» بنصٍّ دلّ على انتهائه.
- نُقل عنه أن خلافه في القرآن خاصة.
- رأى آخرون أنه يسمي النسخ تخصيصًا، فيكون خلافه لفظيًا.
وختم الشوكاني بأن ذلك على كل تقدير جهالة عظيمة. فإن اعترف بأن شريعة الإسلام ناسخة لما قبلها لزمه الرجوع عن قوله، وإن أنكر ذلك فهو خلاف كفري لا يُلتفت إليه.
المحور الرابع: الحكمة من النسخ
نقل الشوكاني عن الفخر الرازي في «المطالب العالية» أن الشرائع قسمان:
- شرائع عقلية: كمعرفة الله وطاعته، وهذه يمتنع طروء النسخ عليها. ومجامعها أمران: التعظيم لأمر الله، والشفقة على خلق الله. ويدل عليها قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: 83].
- شرائع سمعية: تتعلق بكيفيات إقامة الطاعات والعبادات، وهذه يجوز عليها النسخ.
والفائدة من نسخ الكيفيات أن الأعمال إذا تواطأ عليها الخلف عن السلف صارت كالعادة، وظُنّ أنها مطلوبة لذاتها. فإذا غُيّرت تبيّن أن المقصود عبودية القلب والروح لله تعالى بالكيفية التي يرضاها.
وذُكرت حِكَم أخرى:
- أن الخلق طُبعوا على الملالة، فوُضعت في كل عصر شريعة جديدة لينشطوا في أدائها.
- بيان شرف نبينا صلى الله عليه وسلم، فشريعته ناسخة لما قبلها ولا ناسخ لها.
- رعاية مصالح العباد، فإذا كانت المصلحة في تبديل حكم بحكم كان التبديل مراعاةً لها.
- بشارة المؤمنين بأن رفع التكاليف عنهم في الدنيا مؤذن برفعها في الجنة.
- ما ذكره الشافعي في «الرسالة» من أن النسخ رحمة بالعباد وتخفيف عنهم.
وأُورد على قول الشافعي أن النسخ قد يكون إلى الأثقل. وأُجيب بأن الرحمة في الأثقل قد تكون أكثر، لما فيه من تكثير الثواب. وخلص الشيخ إلى أن الحكمة تشمل كل ما قيل ولا حرج في ذلك.
المحور الخامس: شروط النسخ
ذكر الشوكاني في المسألة الثالثة شروط النسخ:
- أن يكون المنسوخ حكمًا شرعيًا لا عقليًا. فرفع البراءة الأصلية لا يسمى نسخًا، بل هو ابتداء حكم شرعي.
- أن يكون الناسخ منفصلًا عن المنسوخ متأخرًا عنه. فالمقترن به كالشرط والصفة والاستثناء يسمى تخصيصًا لا نسخًا.
- أن يكون النسخ بشرع. فارتفاع الحكم بالموت أو الجنون ليس نسخًا، بل هو سقوط للتكليف.
- ألا يكون المنسوخ مقيدًا بوقت. فانقضاء وقت العبادة المؤقتة ليس نسخًا لها.
- أن يكون الناسخ مثل المنسوخ في القوة أو أقوى منه. فالضعيف لا يزيل القوي. قال إلكيا: وهذا مما قضى به العقل ودلّ عليه الإجماع، فإن الصحابة لم ينسخوا نصّ القرآن بخبر الواحد. وأشار الشيخ إلى أن مسألة نسخ القرآن بخبر الواحد سيأتي لها مزيد بيان.
النقاط الرئيسية
- النسخ في اللغة يأتي بمعنى الإبطال والإزالة، وبمعنى النقل والتحويل، واختلف العلماء: هل هو حقيقة فيهما أم في أحدهما.
- عرّفه جمهور الأصوليين بأنه «الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتًا مع تراخيه عنه»، ولكل قيد فيه فائدة مقصودة.
- اختار الشوكاني في تعريفه: «رفع حكم شرعي بمثله مع تراخيه عنه»، ليشمل النسخ بالقول والفعل.
- النسخ جائز عقلًا واقع شرعًا بإجماع المسلمين، وخلاف أبي مسلم الأصفهاني غير ثابت أو لفظي، ولا يُعتدّ به.
- النسخ لا يستلزم البداء على الله تعالى، وتجويز البداء مقالة يهودية تبعهم فيها الرافضة، وهي مقالة كفرية.
- الأصول العقلية كالتوحيد وتعظيم الله والشفقة على خلقه لا يدخلها النسخ، وإنما يقع في الكيفيات والأحكام العملية لِحِكَم بالغة.
- للنسخ شروط، أهمها: أن يكون المنسوخ حكمًا شرعيًا، وأن يكون الناسخ متأخرًا منفصلًا مساويًا في القوة أو أقوى، وألا يكون المنسوخ مؤقتًا بوقت.
الفوائد والعبر
- التثبت في نقل الأقوال: ليس كل ما يُنسب إلى عالم يكون قد قاله. فعلى طالب العلم أن يتحرى صحة النقل قبل البناء عليه، وألا يشغل نفسه بالأقوال الشاذة التي لا يُعتد بها.
- تعظيم حكمة الله في تشريعه: الله تعالى عليم حكيم، لا يخفى عليه شيء. وتغيير الأحكام إنما هو لمصلحة العباد ورحمة بهم، لا لظهور أمر كان خافيًا عليه سبحانه.
- العبادة مقصودها القلب: المقصود من العبادات تحقيق العبودية لله تعالى وتعظيمه. فلا ينبغي أن تتحول الطاعات إلى عادات جوفاء تُؤدى بلا حضور قلب.
- الرضا بالتكليف ثقيلًا كان أو خفيفًا: التخفيف رحمة، والتكليف الأثقل رحمة كذلك لما فيه من مضاعفة الأجر. فالمؤمن يتلقى أحكام الله بالتسليم في الحالين.
- أهمية ضبط المصطلحات: التدقيق في الحدود والتعريفات منهج العلماء في صيانة العلم من الخلط. وبه يتميز النسخ عن التخصيص وعن انتهاء الحكم المؤقت، فيُفهم مراد الشارع على وجهه الصحيح.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات