شرح كتاب " التوحيد " من الجامع الصحيح للإمام البخاري(7)لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

2,704 مشاهدة
343 مشاركة
منذ 6 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس السابع من شرح «كتاب التوحيد» من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله، ويقدّمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. وقد عُقد بعد صلاة العشاء يوم الجمعة الحادي والعشرين من شهر شعبان سنة ألف وأربعمائة وأربعين للهجرة، الموافق للسادس والعشرين من أبريل سنة ألفين وتسعة عشر للميلاد. وفيه يواصل الشيخ شرح تراجم الإمام البخاري التي قرّر فيها عقيدة أهل السنة والجماعة في أسماء الله تعالى وصفاته.

يدور المجلس حول بابين عظيمين: الأول «باب ما يُذكر في الذات والنعوت وأسامي الله عز وجل»، والثاني «باب قول الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾». ويبيّن الشيخ فيهما جواز إطلاق لفظ «الذات» على الله سبحانه، وإثبات صفة «النفس» له على الوجه اللائق بجلاله. ويستدل لذلك بقصة الصحابي الجليل خُبيب بن عدي رضي الله عنه في سرية الرجيع، وبأحاديث صحيحة أخرى.

ويهدف هذا الدرس إلى أن يعرف طالب العلم منهج السلف في إثبات الأسماء والصفات من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل. كما يهدف إلى أن يفهم دقة فقه الإمام البخاري في تراجمه، وأن يأخذ من سِيَر الصحابة رضي الله عنهم دروسًا في الثبات على الدين والصبر والوفاء.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: باب ما يُذكر في الذات والنعوت وأسامي الله عز وجل

عقد الإمام البخاري هذا الباب ليبيّن أنه يجوز أن تُطلق كلمة «الذات» على الله تعالى، وأن المقصود بها نفسه سبحانه. أما «النعوت» فهي الصفات، وأما «الأسامي» فهي جمع اسم، أي أسماء الله الحسنى. واستدل البخاري بقول خُبيب رضي الله عنه: «وذلك في ذات الإله»، فقد قاله فذكر الذات مضافةً إلى الله تعالى.

ونبّه الشيخ إلى أن الاحتجاج ليس بكلام خُبيب وحده، وإنما بأن هذا الكلام بلغ النبي ﷺ فلم يُنكره، فصار إقرارًا منه ﷺ. والإقرار نوع من أنواع السنة النبوية، فدلّ على جواز هذا الإطلاق. وبيّن الشيخ أن السلف لم يحتاجوا إلى ما توسّع فيه المتكلمون من الكلام في الذات.

ونقل الشيخ قول ابن بطال إن أسماء الله تعالى على ثلاثة أقسام:

  • اسم يرجع إلى ذاته سبحانه، وهو لفظ الجلالة «الله».
  • اسم يرجع إلى صفة قائمة به، مثل «الحي» الدال على صفة الحياة.
  • اسم يرجع إلى فعل من أفعاله، مثل «الخالق» و«الرازق».

ثم فرّق بين نوعين من الصفات: الصفات الذاتية، وهي لازمة لله تعالى لا تنفك عنه أزلًا وأبدًا، والصفات الفعلية، وهي المتعلقة بمشيئته وقدرته، فيفعلها سبحانه متى شاء.

قال النبي ﷺ: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» (متفق عليه).

المحور الثاني: قصة سرية الرجيع واستشهاد خُبيب بن عدي رضي الله عنه

ساق الإمام البخاري الحديث هنا مختصرًا، وقد رواه بأطول من ذلك في كتاب الجهاد والسير، وهذه من عادته رحمه الله في تقطيع الحديث بحسب الحاجة إليه. ورواه عن أبي هريرة رضي الله عنه، فبيّن الشيخ شرف التلمذة على كبار العلماء والحفاظ. والقصة أن النبي ﷺ بعث عشرة من أصحابه عينًا يأتونه بخبر قريش، وجعل أميرهم عاصم بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه. وأخذ الشيخ من ذلك مشروعية التأمير في السفر والسرايا حتى لا يقع الخلاف والتنازع.

ولما بلغوا الهدأة، وهي موضع بين عُسفان ومكة، تتبّع بنو لحيان آثارهم. فوجدوا نوى التمر الذي تزوّدوه من المدينة، فعرفوا أنه تمر يثرب. ونبّه الشيخ إلى أن تتبع الأثر وجمع الأخبار كان معروفًا عند العرب. ثم أحاط المشركون بالصحابة فلجؤوا إلى فدفد، وهو موضع مرتفع، فعرض عليهم المشركون العهد والميثاق إن نزلوا. فقال عاصم رضي الله عنه: «أَمَّا أَنَا فَوَاللَّهِ لَا أَنْزِلُ الْيَوْمَ فِي ذِمَّةِ كَافِرٍ، اللَّهُمَّ أَخْبِرْ عَنَّا نَبِيَّكَ». فقاتل حتى قُتل في سبعة من أصحابه. ونزل ثلاثة على العهد، فغدر بهم المشركون، فبيع خُبيب بمكة إلى بني الحارث بن عامر، وكان خُبيب قد قتل الحارث يوم بدر.

وفي أسره ظهرت كرامته وحسن خلقه. فقد شهدت ابنة الحارث بأنها رأته يأكل قطفًا من عنب وهو موثق في الحديد، وما بمكة يومئذ من ثمر. وغفلت عن صبي لها فوجدته على فخذ خُبيب والموسى في يده، ففزعت، فقال: «أَتَخْشَيْنَ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَ ذَلِكَ». فقالت: «وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ أَسِيرًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ خُبَيْبٍ»، وقالت عن العنب: «إِنَّهُ لَرِزْقٌ مِنَ اللَّهِ رَزَقَهُ خُبَيْبًا».

ولما أخرجوه من الحرم ليقتلوه قال: «دَعُونِي أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ»، فصلّاهما ثم قال: «لَوْلَا أَنْ تَظُنُّوا أَنَّ مَا بِي جَزَعٌ لَطَوَّلْتُهَا». ودعا عليهم فقال: «اللَّهُمَّ أَحْصِهِمْ عَدَدًا». وتكلّم الشيخ هنا عن خطر دعوة المظلوم، وأنها قد تُستجاب ولو بعد حين. وحمى الله جسد عاصم بمثل الظُّلّة من الدَّبْر، وهي ذكور النحل، فلم يقدر المشركون أن يأخذوا منه شيئًا، وقد كان عاصم عاهد الله ألا يمسّ مشركًا ولا يمسّه مشرك.

قال خُبيب رضي الله عنه:
وَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا *** عَلَى أَيِّ شِقٍّ كَانَ لِلَّهِ مَصْرَعِي
وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ *** يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ
«فَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ سَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ لِكُلِّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ قُتِلَ صَبْرًا» (رواه البخاري).
وقال ﷺ: «وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ» (متفق عليه).

المحور الثالث: إثبات صفة النفس لله تعالى

ترجم الإمام البخاري بقوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾، وبقوله تعالى حكايةً عن عيسى عليه السلام: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾. والمراد إثبات النفس لله سبحانه كما أثبتها هو لنفسه، وهي ذاته المقدسة المتصفة بصفات الكمال، وليست كنفوس المخلوقين.

ومنهج أهل السنة في ذلك أن يُثبتوا ما أثبته الله لنفسه وما أثبته له رسوله ﷺ، من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل. فهو كما قال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.

﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: 28]
﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: 116]

المحور الرابع: حديث ابن مسعود في إثبات صفة الغيرة ومحبة المدح

ساق البخاري حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بإسناده، وعرّف الشيخ برجاله وذكر سني وفياتهم، ومنهم عمر بن حفص بن غياث والأعمش وشقيق بن سلمة. ثم بيّن أن الحديث يدل على إثبات صفة الغيرة لله تعالى على ما يليق به، وأن من آثار غيرته سبحانه أنه حرّم الفواحش. ويدل الحديث كذلك على أنه سبحانه يحب أن يُمدح ويُثنى عليه.

وأشار الشيخ إلى ما جاء في رواية مسلم: «لَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ». وبيّن أن المقصود نفي أن يكون أحد أغير من الله، وأن من آثار محبته للعذر أنه أرسل المرسلين مبشرين ومنذرين.

قال النبي ﷺ: «مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ، وَمَا أَحَدٌ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنَ اللَّهِ» (رواه البخاري).

المحور الخامس: حديث «إن رحمتي تغلب غضبي»

ختم الشيخ المجلس بحديث أبي هريرة رضي الله عنه، وهو يدل على أن الله تعالى كتب على نفسه كتابًا، وأنه موضوع عنده فوق العرش. وفي الحديث إثبات صفة النفس، وإثبات صفتي الرحمة والغضب، وإثبات علوّ الله تعالى واستوائه على عرشه.

ونبّه الشيخ إلى أن الواجب في مثل هذه النصوص الإيمان بها كما جاءت. فنحن لا ندري كيفية ذلك، ولكننا نؤمن به ونُمرّه كما جاء، على منهج السلف الصالح.

قال النبي ﷺ: «لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ وَهُوَ يَكْتُبُ عَلَى نَفْسِهِ، وَهُوَ وَضْعٌ عِنْدَهُ عَلَى الْعَرْشِ: إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي» (رواه البخاري).
﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: 54]

النقاط الرئيسية

  • يجوز إطلاق لفظ «الذات» على الله تعالى بمعنى نفسه سبحانه، ودليله إقرار النبي ﷺ لقول خُبيب: «وذلك في ذات الإله».
  • قسّم ابن بطال أسماء الله إلى ما يرجع إلى الذات وما يرجع إلى صفة وما يرجع إلى فعل، وفُرّق بين الصفات الذاتية اللازمة والصفات الفعلية المتعلقة بالمشيئة.
  • صفة النفس ثابتة لله تعالى بالكتاب والسنة، من غير تكييف ولا تمثيل.
  • تُثبت لله صفة الغيرة على ما يليق بجلاله، ومن آثارها تحريم الفواحش، وهو سبحانه يحب المدح والثناء.
  • رحمة الله تعالى تغلب غضبه، وقد كتب ذلك على نفسه في كتاب عنده فوق العرش.
  • من منهج الإمام البخاري تقطيع الحديث واختصاره بحسب ما يحتاج إليه في كل ترجمة.
  • سنّ خُبيب رضي الله عنه صلاة ركعتين لكل مسلم يُقتل صبرًا، وأقرّه النبي ﷺ على ذلك.

الفوائد والعبر

  • على المسلم أن يلتزم منهج السلف في باب الأسماء والصفات، فيُثبت ما أثبته الله لنفسه، ويُفوّض الكيفية، ويحذر من الخوض الكلامي المذموم.
  • يتعلم المسلم من قصة خُبيب أن الثبات على الدين عند الشدائد يكون بالتعلق بالله، وأن الصلاة هي ملجأ المؤمن في أحلك اللحظات.
  • الوفاء وحسن الخلق مطلوبان حتى مع الأعداء، فقد امتنع خُبيب عن الغدر بالصبي وهو أسير ينتظر القتل.
  • دعوة المظلوم مستجابة، فلا يغترّ ظالم بإمهال الله له، وليحذر المسلم أن يظلم أحدًا.
  • معرفة غيرة الله تعالى تحمل على اجتناب الفواحش، ومعرفة أن رحمته تغلب غضبه تبعث على الرجاء والتوبة وحسن الظن به سبحانه.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات