شرح كتاب " التوحيد " من الجامع الصحيح للإمام البخاري (28) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

2,213 مشاهدة
426 مشاركة
منذ 5 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الثامن والعشرون من شرح «كتاب التوحيد» من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله، يلقيه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. وقد عُقد بعد صلاة العشاء من يوم الجمعة الثاني من شهر ربيع الآخر سنة 1441هـ، الموافق للتاسع والعشرين من شهر نوفمبر سنة 2019م. ويتناول الشيخ فيه «باب كلام الرب مع أهل الجنة»، وهو من آخر أبواب كتاب التوحيد التي ختم بها الإمام البخاري الكلام على صفة الكلام لله عز وجل.

ويبيّن الشيخ دقة الإمام البخاري في ترتيب أبوابه، فقد ختم الحديث عن صفة الكلام بكلام الله تعالى مع أهل الجنة بعد استقرارهم فيها. وهذا خاتمة المطاف ونهاية النهاية، وفيه رد على من نفى صفة الكلام أو حرّفها من المعتزلة والأشاعرة. ثم يشرح الشيخ حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في سؤال الله أهلَ الجنة: «هل رضيتم؟»، ويستخرج منه فوائد إيمانية وتربوية تملأ القلب محبةً لله وشوقًا إلى لقائه.

أهداف التعلم: تقرير عقيدة أهل السنة في إثبات صفة الكلام لله تعالى بحرف وصوت، ومعرفة مراتب اليقين، وإدراك أن رضوان الله هو أعظم نعيم أهل الجنة، واستشعار رحمة الله وتودده إلى عباده.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: إثبات صفة الكلام والرد على المخالفين

يوضح الشيخ أن مسألة الكلام من أعظم المسائل التي خاض فيها المعتزلة، فقالوا بخلق القرآن ونفوا صفة الكلام عن الله تعالى. ثم جاء الأشاعرة فحاولوا التوسط بين أهل السنة والمعتزلة، فقالوا إن كلام الله «كلام نفسي» قائم بذاته لا يُسمع، وإن ما يُسمع مخلوق في غيره. ولازم قولهم أن الله لا يتكلم حقيقة، فلا هم وافقوا أهل السنة، ولا هم صرّحوا بقول المعتزلة.

أما أهل السنة والجماعة فيثبتون أن الله سبحانه يتكلم كيف شاء، بما شاء، متى شاء، وأنه يكلم عباده بصوت يسمعونه وبكلام يفهمونه، و﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾. وقد ردّ الإمام البخاري على هذه الفرق بأن ختم كتابه بكلام الرب مع أهل الجنة، وهو خطاب حقيقي يسمعونه ويجيبونه.

ويبيّن الشيخ أن هذا الباب يتعلق بخاتمة الدنيا وما بعدها. فبعد خلق السماوات والأرض وعمارة الأرض بآدم وذريته، يأتي يوم القيامة، ثم يستقر الناس في الجنة أو النار، ويُنادى: «يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت». وبعد هذا الاستقرار يكلم الله أهل الجنة.

المحور الثاني: شرح حديث «هل رضيتم؟»

أورد الإمام البخاري الحديث من طريق يحيى بن سليمان عن ابن وهب عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وقد عرّف الشيخ برجال الإسناد ومواليهم ووفياتهم. ونص الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

«إِنَّ اللهَ يَقُولُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لَا نَرْضَى يَا رَبِّ، وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، فَيَقُولُ: أَلَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُونَ: يَا رَبِّ، وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا» (متفق عليه).

وشرح الشيخ معنى «لبيك»، أي إجابة بعد إجابة، و«سعديك»، أي إسعاد بعد إسعاد. أما قوله: «والخير في يديك» ففيه تنزيه الله عن نسبة الشر إليه، وكلتا يديه سبحانه يمين. ونقل عن ابن أبي جمرة في شرحه على مختصر البخاري جوازَ إضافة المنزل إلى ساكنيه، كما في قوله: «يا أهل الجنة»، مع أن الجنة ملك لله، وإنما يسكنها أهلها برحمته وكرمه سبحانه.

المحور الثالث: مراتب اليقين وقصة إبراهيم عليه السلام

بيّن الشيخ الحكمة من إخبار أهل الجنة بدوام الرضا بعد استقرارهم فيها: فلو أُخبروا به قبل ذلك لكان من باب علم اليقين، فلما أُخبروا به وهم فيها صار من باب عين اليقين. ثم شرح مراتب اليقين الثلاث:

  • علم اليقين: كيقيننا بأن محمدًا صلى الله عليه وسلم رسول الله حقًا مع أننا لم نره.
  • عين اليقين: كيقين الصحابة الذين رأوه بأعينهم، وكرؤية النبي صلى الله عليه وسلم للجنة.
  • حق اليقين: وهو اليقين الثابت الذي لا يعتريه شك ولا ريب، وهو أعلى المراتب.

واستشهد الشيخ بسؤال إبراهيم عليه السلام ربه، إذ أراد أن ينتقل من علم اليقين إلى عين اليقين في معرفة كيفية إحياء الموتى، لا أنه كان شاكًّا. قال تعالى:

﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ۖ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ۚ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: 260]

ونبّه الشيخ على سر اقتران اسمي «العزيز الحكيم» في هذه الآية: فالعزة وحدها قد تُفضي إلى الظلم عند المخلوقين، والحكمة وحدها قد تؤدي إلى الضعف. أما الله سبحانه فعزته لا تفضي إلى ظلم، وحكمته لا تنفك عن عزته. ودعا الشيخ إلى تدبر الفرق بين ختم هذه الآية بقوله: ﴿عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ وختم آية الذي مرّ على قرية بقوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.

المحور الرابع: رحمة الله وتودده إلى عباده

وقف الشيخ طويلًا عند قوله تعالى: «هل رضيتم؟»، متأملًا في لطف الرب الودود الرحيم. فالله سبحانه يسأل عباده عن رضاهم مع كثرة تقصيرهم في حقه، وقد ستر عليهم في الدنيا، وغفر لهم، وأدخلهم الجنة، ثم هو يتودد إليهم بهذا السؤال. واستحضر في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي: «إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي».

وذكّر بأن كل خير في حياة العبد إنما هو من توفيق الله. فلولا توفيقه ما صلينا ولا اجتمعنا على العلم، ولذلك نسأله في كل صلاة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، أي وفّقنا إليه وثبّتنا عليه حتى نلقاك. وبيّن أن مجرد النجاة من النار فوز عظيم، فكيف بدخول الجنة؟ قال تعالى:

﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185]

وعقد الشيخ مقارنة مؤثرة: لو أن ملكًا من ملوك الدنيا أعطاك مالًا وقصورًا لرضيت كل الرضا، فكيف بنعيم الجنة الذي «فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر»؟ وذكر من ذلك خيمة المؤمن المجوفة من لؤلؤة واحدة طولها ستون ميلًا، وأن آخر أهل الجنة دخولًا يُعطى مثل الدنيا وعشرة أمثالها، ويُعطى قصورًا لبنةً من ذهب ولبنةً من فضة.

المحور الخامس: الرضوان أعظم النعيم وفوائد الحديث

بيّن الشيخ أن أهل الجنة لا يتصورون شيئًا أفضل مما هم فيه، فيقولون: «وأي شيء أفضل من ذلك؟»، فيأتيهم الجواب بأعظم العطايا: «أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا». فرضوان الله أعظم من كل نعيم الجنة الحسي، ومصداق ذلك قوله تعالى: ﴿رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾.

ونقل الشيخ عن أهل العلم فوائد من الحديث، منها:

  • جواز أن يُسأل المخاطَب عن شيء ليُستخرج منه الاعتراف بالنعمة.
  • أن الخير كله والفضل والاغتباط في رضا الله تعالى.
  • أن كل واحد من أهل الجنة راضٍ بمنزلته مع اختلاف درجاتهم.
  • أن رضا الله عن عباده يتفاوت بحسب منازلهم؛ فرضاه عن سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم ليس كرضاه عن غيره، وكلهم مرضيٌّ عنهم.

ثم شرع الشيخ في الحديث التالي من رواية أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحدّث وعنده رجل من أهل البادية: «أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ فِي الزَّرْعِ». وبيّن الشيخ معنى أهل البادية وأهل الحاضرة، وأن أهل الجنة يتمنون فيها ما يشتهون من المباحات، وقد عُصموا من التفكير في الحرام.

النقاط الرئيسية

  • ختم الإمام البخاري الكلام على صفة الكلام بباب «كلام الرب مع أهل الجنة»، وفي ذلك دقة في الترتيب ورد على المعتزلة والأشاعرة.
  • عقيدة أهل السنة أن الله يتكلم حقيقة بصوت يُسمع وكلام يُفهم، كيف شاء ومتى شاء.
  • الله تعالى يخاطب أهل الجنة فيجيبونه: «لبيك ربنا وسعديك، والخير في يديك».
  • مراتب اليقين ثلاث: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين، وطلب إبراهيم عليه السلام كان للانتقال من مرتبة إلى أعلى منها.
  • اقتران اسمي «العزيز الحكيم» يدل على كمال عزة الله المقرونة بالحكمة، فلا ظلم معها ولا ضعف.
  • سؤال الله لأهل الجنة «هل رضيتم؟» من أعظم مظاهر تودده ورحمته بعباده.
  • رضوان الله الدائم الذي لا سخط بعده هو أعظم نعيم أهل الجنة وأفضل من كل ما أُعطوه.

الفوائد والعبر

  • السعي لرضا الله قبل كل شيء: إذا كان الرضوان أعظم نعيم الجنة، فليجعل المسلم رضا الله غايته في كل عمل، ويقدّمه على رضا الناس وشهوات النفس.
  • استشعار نعمة التوفيق: كل طاعة يؤديها العبد هي بتوفيق الله وفضله، فلا يغترّ بعمله، بل يلحّ في الدعاء: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾.
  • تقوية اليقين بالغيب: يرتقي المؤمن في مراتب اليقين بالعلم والتدبر والعمل، حتى يطمئن قلبه بوعد الله.
  • تعظيم رحمة الله وحسن الظن به: إذا تأمل العبد تودد الله إلى عباده مع تقصيرهم، امتلأ قلبه محبةً وحياءً منه، فأقبل على طاعته.
  • تصحيح العقيدة في الصفات: إثبات صفة الكلام لله كما يليق بجلاله، دون تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، على منهج السلف الصالح.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات