شرح كتاب " التوحيد " من الجامع الصحيح للإمام البخاري(11)لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

3,293 مشاهدة
21 مشاركة
منذ 6 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الحادي عشر من شرح «كتاب التوحيد» من الجامع الصحيح للإمام البخاري رحمه الله، يقدمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. ويشرح فيه الشيخ قول الإمام البخاري: «بابُ قولِ اللهِ تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾، وقولِه جلَّ ذكرُه: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾». وأراد البخاري بهذا الباب أن يثبت صفة العلوّ لله تبارك وتعالى، وهي من أعظم مسائل الاعتقاد التي خالف فيها أهلُ البدع منهجَ السلف الصالح.

ويبيّن الشيخ أن الله سبحانه عالٍ على خلقه بذاته، مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه. وهو مع عباده بعلمه وسمعه وبصره وإحاطته وتقديره. ويرد بذلك على من يقول إن الله بذاته في كل مكان. ويستشهد على ذلك بأدلة من القرآن والسنة، وبدلالة اللغة على معنى الصعود والعروج والرفع، وبقصة إسلام أبي ذر الغفاري رضي الله عنه.

ومن أهداف هذا المجلس أن يفهم المتعلم معنى علوّ الله تعالى بأنواعه، وأن يفرّق بين المعية العامة والمعية الخاصة، وأن يدرك أن الإيمان بالعلوّ أمر مركوز في الفطرة، وأن يرى كيف يرتب الإمام البخاري أبوابه ليقرر عقيدة أهل السنة والجماعة.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: إثبات علوّ الله تعالى بذاته وأنواع هذا العلوّ

يقرر الشيخ أن مقصود الإمام البخاري من هذا الباب إثبات أن لله تعالى العلوّ المطلق. فله علوّ الذات، وعلوّ الشأن، وعلوّ القهر. وهو العليّ في أسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه، والعليّ بذاته فوق سماواته، مستوٍ على عرشه. وهذه عقيدة النبي ﷺ وصحابته الكرام.

ويبيّن أن الكون كله لا يساوي شيئًا أمام عظمة الله تعالى، وأنه سبحانه محيط بكل شيء. ثم يرد على من يزعم أن الله بذاته في كل مكان ولا يخلو منه مكان، ويوضح أن هذا كلام باطل مخالف لصريح النصوص.

ومن أدلة ذلك قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾ [طه: 5]، وقوله سبحانه: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [الملك: 16].

ويؤكد الشيخ أن الله غنيّ عن العرش وعن حملته وعن جميع خلقه، وأن الخلق كلهم مفتقرون إليه. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا﴾ [فاطر: 41].

المحور الثاني: المعية العامة والمعية الخاصة، ومثال القمر

يوضح الشيخ أن الله تعالى فوق عرشه بذاته، وهو معنا بعلمه وسمعه وبصره وإحاطته وتقديره. والمعية نوعان: معية عامة لجميع الخلق، وهي معية العلم والسمع والبصر والإحاطة. ومعية خاصة بالمؤمنين والأنبياء، وهي معية النصر والتأييد والحفظ. ومثال الثانية قول النبي ﷺ لأبي بكر رضي الله عنه في الغار: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: 40].

ويضرب الشيخ مثلًا بالقمر لتقريب المعنى. فالناس يخرجون من المسجد ومن أحياء وبلاد مختلفة، وكل واحد منهم يرى القمر معه وهو في مكانه، والقمر مع ذلك عالٍ فوقهم لا يخالطهم. وإذا صحّ هذا في مخلوق، فالخالق سبحانه أولى بأن يكون فوق خلقه وهو معهم بعلمه وإحاطته. ولله المثل الأعلى.

ويذكر الشيخ من كمال إحاطته سبحانه أنه يسمع دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، ولا يشغله صوت عن صوت، وأحاط بكل شيء علمًا.

المحور الثالث: دلالة العروج والصعود والرفع على العلوّ، وقصة المعراج

يشرح الشيخ قوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: 4]. فالعروج هو الصعود والارتفاع إلى أعلى، والروح هو جبريل عليه السلام. ومن ذلك الحديث: «إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا نَادَى جِبْرِيلَ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحْبِبْهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ...».

ثم يتحدث عن الإسراء والمعراج، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء: 1]. فقد عُرج بالنبي ﷺ إلى السماوات السبع، ورأى فيها من رأى من الأنبياء، مثل آدم وإدريس وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام. ثم بلغ منزلة لم يبلغها ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل. ولو كان الله في كل مكان لما كان لهذا العروج معنى.

ويشرح كذلك قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: 10]. ويبيّن أن الصعود لا يكون في كل لغات العالم إلا إلى أعلى، ولذلك سُمّي المصعد مصعدًا. وأن الرفع نقل الشيء من مكانه إلى أعلى، وضدّه الخفض والإنزال. فصعود الكلم الطيب ورفع العمل الصالح إليه سبحانه دليل ظاهر على علوّه بذاته فوق خلقه.

المحور الرابع: قصة إسلام أبي ذر الغفاري رضي الله عنه

يذكر البخاري في هذا الباب أثر أبي جمرة نصر بن عمران الضبعي عن ابن عباس رضي الله عنهما، وفيه أن أبا ذر لما بلغه مبعث النبي ﷺ قال لأخيه: «اعْلَمْ لِي عِلْمَ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ يَأْتِيهِ الْخَبَرُ مِنَ السَّمَاءِ». وموضع الشاهد أن الوحي يأتي من السماء، أي من العلوّ.

ويتوسع الشيخ في القصة. فيذكر أن أبا ذر من قبيلة غفار، التي دعا لها النبي ﷺ بقوله: «غِفَارُ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا». ويذكر أنه مكث قرابة ثلاثين يومًا وليلة في مكة لا طعام له إلا ماء زمزم، حتى سمن. وعن ماء زمزم قال النبي ﷺ: «إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ، إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ»، وفي رواية: «وَشِفَاءُ سُقْمٍ»، وقال: «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ». وينبّه الشيخ إلى أن من شربه بيقين، لا على سبيل التجربة، نفعه الله به بإذنه.

ويستفيد الشيخ من القصة أن الإيمان بعلوّ الله أمر فطري معروف حتى عند العرب في جاهليتهم. فقد كانوا يسألون النبي ﷺ عمّا نزل عليه وما جاءه به صاحبه من السماء.

المحور الخامس: فطرية الإيمان بالعلوّ حتى عند الطغاة

يبيّن الشيخ أن الإيمان بعلوّ الله مركوز في الفطر، حتى إن أعتى الطغاة فرعون أراد أن يصعد إلى السماء ليطّلع إلى إله موسى. قال تعالى حكاية عنه: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ ۝ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ﴾ [غافر: 36-37]. فقد علم فرعون أن موسى عليه السلام يخبر بأن إلهه في العلوّ.

ويذكّر الشيخ بعاقبة الطغيان، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ ۝ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ۝ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ [الفجر: 11-13]، وقال سبحانه: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: 102]. والجزاء من جنس العمل.

النقاط الرئيسية

  • عقد الإمام البخاري هذا الباب لإثبات صفة العلوّ لله تعالى، وهو علوّ الذات وعلوّ القدر وعلوّ القهر.
  • الله تعالى مستوٍ على عرشه بذاته، وهو مع خلقه بعلمه وسمعه وبصره وإحاطته. ومن قال إن الله بذاته في كل مكان فقد خالف النصوص.
  • المعية نوعان: معية عامة بالعلم والإحاطة لجميع الخلق، ومعية خاصة بالنصر والتأييد لأوليائه.
  • ألفاظ العروج والصعود والرفع لا تدل في اللغة إلا على الارتفاع إلى أعلى، فهي أدلة صريحة على العلوّ.
  • المعراج النبوي إلى السماوات السبع وما فوقها من أوضح الأدلة على علوّ الله سبحانه.
  • في قصة إسلام أبي ذر رضي الله عنه دليل على أن الوحي ينزل من السماء، وفيها بيان فضل ماء زمزم.
  • الإيمان بالعلوّ فطري، أقرّ به حتى المشركون وفرعون في طغيانه.

الفوائد والعبر

  • إذا استحضر العبد أن الله فوقه مطّلع عليه، يسمعه ويراه، قويت مراقبته لربه وحياؤه منه في سرّه وعلانيته.
  • الحرص على الكلم الطيب والعمل الصالح، لأنهما يصعدان إلى الله تعالى ويُرفعان إليه.
  • طمأنينة قلب المؤمن بمعية الله الخاصة، فمن كان مع الله كان الله معه بنصره وتأييده كما قال النبي ﷺ: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾.
  • الصبر في طلب الحق والثبات عليه، كما فعل أبو ذر رضي الله عنه حين ترك قومه وصبر على الجوع حتى لقي النبي ﷺ.
  • الأخذ بالأسباب الشرعية للشفاء مع اليقين بالله، ومن ذلك شرب ماء زمزم بنية صادقة، والحذر من الطغيان لأن عاقبته وخيمة.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات