شرح كتاب " التوحيد " من الجامع الصحيح للإمام البخاري(8)لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس الثامن من شرح كتاب «التوحيد» من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله، يقدّمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. وقد عُقد المجلس ليلة الجمعة السابع والعشرين من شهر شعبان سنة أربعين وأربعمائة وألف للهجرة، الموافق للثالث من شهر مايو سنة تسع عشرة وألفين للميلاد. ويتناول المجلس باب قول الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾، ففيه إثبات هذه الأسماء الحسنى لله عز وجل وما تدل عليه من صفات الخلق والبَرْء والتصوير.
ويشرح الشيخ حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في العزل، ويقف عند رجال إسناده. ويذكر في أثناء ذلك مواقف من سِيَر العلماء الربانيين في الثبات على الحق وصيانة العلم. ثم يربط الحديث بقضايا يعيشها الناس اليوم، كتحديد النسل وموانع الحمل والقلق على الرزق، ويردّها إلى أصل الإيمان بالقضاء والقدر.
ويهدف المجلس إلى أن يعرف المشاهد معاني أسماء الله الخالق البارئ المصور، وأن يقوى يقينه بأن الخلق والرزق والأجل مكتوبة عند الله، وأن ينتفع بسِيَر السلف في الأخلاق والسلوك، وأن يربط الأسباب التي يأخذها بالله وحده وبما شرعه.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: إثبات أسماء الله الخالق البارئ المصور
بوّب الإمام البخاري بقول الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ﴾ [الحشر: 24]، وقصد بذلك إثبات هذه الأسماء لله تعالى. وبيّن الشيخ أن كل اسم من أسماء الله يدل على صفة، فالخالق هو الذي يخلق، والبارئ هو الذي يبرأ الخلق ويوجده، والمصوّر هو الذي يصوّر خلقه على ما يشاء.
وتصوير الله لخلقه لا يشبه تصوير المخلوقين بالآلات والأدوات، فإنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون. فهو الذي جعل للإنسان صورة مخصوصة، وجعل لكل حيوان صورة تخصه، وهو سبحانه ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: 23].
المحور الثاني: سِيَر السلف وثباتهم، ومنها موقف عفان بن مسلم الصفار
وقف الشيخ عند رجال الإسناد، ومنهم إسحاق بن منصور الكوسج المروزي، وعفان بن مسلم الصفار البصري رحمهما الله. ونبّه إلى أن الغاية من قراءة سِيَر السلف أن نعيشها ونتأدب بأدبهم ونتخلق بأخلاقهم، لا أن نسمعها للتسلية. ثم ذكر قصة عفان في محنة القول بخلق القرآن، حين امتُحن ليقول إن القرآن مخلوق، وهُدّد بقطع العطاء الذي كانت الدولة تُجريه عليه. فأبى وثبت على أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وتلا قول الله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: 22].
ورجع عفان إلى بيته وهو يعول نحو أربعين نفسًا، فقطع الله عنه رزق السلطان وفتح له بابًا آخر. فقد طرق بابه رجل وقال له: ثبّتك الله كما ثبّتّ الدين، وأعطاه مالًا وجعل له مثله كل شهر. فصدق فيه قول الله تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2-3].
ومن أعظم صفات العلماء الربانيين أنهم يقولون الحق ولا يخشون إلا الله، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب: 39]. وفي حديث البيعة الذي رواه عبادة بن الصامت رضي الله عنه: «وَأَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ حَيْثُمَا كُنَّا، لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ».
المحور الثالث: عزة العلم، وموقف الإمام البخاري مع أمير بخارى
ذكر الشيخ أن الإمام البخاري تأدب بأدب شيوخه في صيانة العلم. فقد طلب منه خالد بن أحمد الذهلي أمير بخارى أن يأتي إلى قصره ليُحدّث أبناءه بالجامع الصحيح والتاريخ، فامتنع وقال: «إنَّ العلمَ يُؤتَى ولا يَأتي»، وأخبره أن من أراد العلم فليحضر إليه في المسجد، وأنه لا يُذِلّ العلم.
فغضب الأمير ومنعه من التحديث وأخرجه من البلد، فلم يلبث أن أزال الله ملكه. وفي ذلك عبرة لكل من يحمل العلم أن يحفظ له هيبته، ولكل صاحب سلطان أن يعرف للعلماء قدرهم.
المحور الرابع: حديث العزل وإثبات أن الله كتب كل نفس مخلوقة
روى البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنهم أصابوا سبايا في غزوة بني المصطلق، فأرادوا أن يستمتعوا بهن ولا يحملن، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن العزل، فقال: «مَا عَلَيْكُمْ أَلَّا تَفْعَلُوا، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ كَتَبَ مَنْ هُوَ خَالِقٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ». وقال مجاهد عن قزعة عن أبي سعيد: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَتْ نَفْسٌ مَخْلُوقَةٌ إِلَّا اللَّهُ خَالِقُهَا».
وذكر الشيخ حديث جابر رضي الله عنه: «كُنَّا نَعْزِلُ وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ». ثم بيّن أن الصواب في المسألة أن الزوجة الحرة لا يُعزل عنها إلا بإذنها، أما الأَمَة فيجوز ذلك، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كأنه كره العزل. والمقصود من الحديث أن النفس التي قدّر الله وجودها لا بد أن توجد، بسبب أو بغير سبب.
ومن هنا تكلّم الشيخ عن موانع الحمل المعاصرة، وذكر ما فيها من أضرار بدنية قد تصيب المرأة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ». وبيّن أن كثيرًا من الناس يتخذونها خوفًا من الفقر، وهذا ينافي الاعتقاد الصحيح، لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام: 151]، وقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الإسراء: 31]. ونبّه إلى أن مقصد الشريعة تكثير نسل الأمة مع حسن التربية، كما في الحديث: «تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ».
المحور الخامس: الرزق والأجل مكتوبان، والأخذ بالأسباب الشرعية
ذكّر الشيخ بأن الإنسان إذا بلغ في بطن أمه أربعة أشهر كُتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد. فالرزق لا يزيد بالحرام ولا ينقص بالحلال، والعمر لا يزيد بالجبن ولا ينقص بالشجاعة. واستشهد بخالد بن الوليد رضي الله عنه، فقد خاض المعارك ثم مات على فراشه. واستشهد كذلك بالشيخ الألباني رحمه الله، فقد عاش أكثر حياته فقيرًا، ثم فتح الله عليه في آخر عمره لما انتشرت كتبه، فجاءه الرزق المكتوب له في وقته.
وأرشد الشيخ إلى أن أعظم وسيلة لطلب الولد أو غيره هي الدعاء، وأن الإنسان لا يتحكم في قدر الله، فمن أراد عددًا من الأولاد رزقه الله ما كتب له. وضرب مثلًا بأبي طلحة وأم سليم رضي الله عنهما، فقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم لابنهما عبد الله، فرُزق عشرة من الولد كلهم يحفظ القرآن.
النقاط الرئيسية
- نثبت لله اسم الخالق والبارئ والمصور، ونثبت ما تدل عليه من صفات على الوجه اللائق به سبحانه.
- نقرأ سِيَر السلف لنعمل بها ونتأدب بأدبها، لا لمجرد المعرفة.
- ثبت عفان بن مسلم على أن القرآن كلام الله غير مخلوق، ولم يبالِ بقطع رزقه، فرزقه الله من حيث لا يحتسب.
- قال الإمام البخاري: «إن العلم يُؤتى ولا يأتي»، وهذا أصل في صيانة العلم وحفظ هيبته.
- كتب الله كل نفس مخلوقة إلى يوم القيامة، فما قدّره الله يوجد ولا يمنعه شيء.
- لا يُعزل عن الزوجة الحرة إلا بإذنها، والخوف من الفقر لا يصح أن يكون سببًا لمنع النسل.
- الرزق والأجل مكتوبان، فلا يزيدهما الحرام ولا ينقصهما الحلال.
الفوائد والعبر
- أن يتوكل المسلم على الله في أمر رزقه ورزق أولاده، ويوقن أن الله هو الرزاق، فلا يقوده الخوف من الفقر إلى مخالفة الشرع.
- أن يقول كلمة الحق، فإن لم يستطع فلا يقل الباطل، اقتداءً بالعلماء الربانيين الذين يخشون الله وحده.
- أن يجعل الدعاء أول ما يلجأ إليه في حاجاته كلها، وأن يأخذ بالأسباب الشرعية التي لا ضرر فيها.
- أن يهتم بتربية أولاده تربية صالحة، فقيمة كثرة الأولاد في حسن تربيتهم.
- أن يحفظ للعلم وأهله قدرهم، ويسعى إلى مجالس العلم ولا ينتظر أن تأتيه.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات