شرح كتاب " التوحيد " من الجامع الصحيح للإمام البخاري(6)لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس السادس من مجالس شرح «كتاب التوحيد» من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تعالى، ويلقيه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. عُقد المجلس بعد صلاة العشاء ليلة الجمعة، الرابع عشر من شهر شعبان سنة 1440هـ، الموافق للتاسع عشر من شهر أبريل سنة 2019م. وفيه يشرح الشيخ بابين عظيمين يتعلقان بأصل الإيمان، وهما: «باب مقلّب القلوب» و«باب إنّ لله مائة اسم إلا واحدًا».
يبيّن الشيخ أن القلوب بيد الله وحده يقلّبها كيف يشاء، وأن صلاح العبد ظاهرًا وباطنًا مرتبط بصلاح قلبه. ثم ينتقل إلى أسماء الله الحسنى، ففضل إحصائها، ومعنى الإحصاء عند أهل العلم، والرد على الجهمية الذين قالوا إن أسماء الله مخلوقة.
ويهدف الدرس إلى أن يعرف المسلم ربه بأسمائه وصفاته معرفة صحيحة، وأن يخاف على قلبه من الزيغ فيُكثر من سؤال الله الثبات، وأن يتعبد لله بأسمائه الحسنى حفظًا واعتقادًا وعملًا ودعاءً.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: باب مقلّب القلوب، وأن القلب أصل الصلاح والفساد
بوّب الإمام البخاري بقول الله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾ [الأنعام: 110]. ويقرر الشيخ أن تقليب القلوب لا يقدر عليه إلا الله سبحانه، فهو المتصرف في قلوب عباده.
واستدل الشيخ بحديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما في الصحيحين، وفي آخره: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ». فإذا صلح القلب صلحت الأبدان والأعمال، وإذا فسد فسدت. وتقوى الله والخوف منه وخشيته أصلها صلاح القلب. ومن أعظم أسباب هذا الصلاح تعظيم شعائر الله، كما قال تعالى: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32].
ثم ذكر الشيخ حديث الباب الذي أسنده البخاري عن سعيد بن سليمان، عن عبد الله بن المبارك، عن موسى بن عقبة، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه رضي الله عنهما قال: «أَكْثَرُ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَحْلِفُ: لَا وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ». وترجم الشيخ لرجال الإسناد، وبيّن أن هذا الحلف فيه إثبات أن الله هو مقلّب القلوب، يحوّل الطائع عاصيًا والعاصي طائعًا، والكافر مسلمًا، ويزيغ قلب من يشاء بعدله.
ومن أكثر دعائه ﷺ: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ». ونبّه الشيخ إلى أن الله لو تخلّى عن العبد طرفة عين لهلك وضلّ.
المحور الثاني: خطر سوء الخاتمة ووجوب الخوف على القلب
ساق الشيخ حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه في الصحيحين: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ». فالعبرة بما في القلب من صدق، والصادق مع الله يثبّته الله حتى تخرج روحه.
وذكر الشيخ أمثلة من الواقع: رجال كانوا يقولون كلمة الحق ثم صاروا يقولون الباطل. ومنهم من أفنى شبابه في طلب العلم والسنة، ثم انتكس بعد الستين، فصار يتمنى أن يُحشر مع أهل الفجور. وفي المقابل يبقى بعضهم على المعاصي سنين، ثم يتوب توبة نصوحًا ويبكي على ذنوبه، فيُختم له بخاتمة حسنة.
والعلاج الافتقار إلى الله والتذلل بين يديه. ومن أعظم صور ذلك سيد الاستغفار من حديث شداد بن أوس رضي الله عنه في صحيح البخاري: «اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ». ففيه أن يشهد العبد نعم الله عليه، ويشهد تقصيره في حق ربه، فيبقى منكسرًا لا متكبرًا.
المحور الثالث: المؤمن بين الشكر والصبر، والتحذير من بيع الدين بالدنيا
ذكر الشيخ حديث صهيب الرومي رضي الله عنه في صحيح مسلم: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ». ونبّه إلى أن أكثر الناس يطغون عند النعمة ويتسخطون عند المصيبة. أما المؤمن فيستعمل نعم الله من صحة وولد ومال في مرضاته، ويرضى بقضائه عند البلاء، لأن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، ليسمع تضرعهم ويرفع درجاتهم.
ومن صور تقلّب القلوب ما أخبر به النبي ﷺ: «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا». وطبّق الشيخ ذلك على الفتاوى المخالفة لشرع الله، التي تحلّ ما حرّم الله وتحرّم ما أحلّ بثمن من الدنيا زهيد.
وقارن ذلك بقصة الأعرابي الذي أعطاه النبي ﷺ غنمًا بين جبلين، فرجع إلى قومه يقول: «يَا قَوْمِ أَسْلِمُوا، فَإِنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطَاءً مَا يَخْشَى الْفَاقَةَ». فقد قلّب الله قلب ذلك الرجل إلى الإسلام بعطاء من الدنيا. وأما من باع دينه بالدنيا فقد انقلب قلبه إلى الضلال، والعياذ بالله.
المحور الرابع: باب إنّ لله مائة اسم إلا واحدًا
نقل البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير بعض الأسماء: ﴿ذُو الْجَلَالِ﴾ أي صاحب العظمة، و﴿الْبَرُّ﴾: اللطيف. ثم أسند عن أبي اليمان الحكم بن نافع، عن شعيب بن أبي حمزة، عن أبي الزناد عبد الله بن ذكوان، عن الأعرج عبد الرحمن بن هرمز، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ».
وبيّن الشيخ أن أسماء الله ليست محصورة في تسعة وتسعين، وإنما لهذه التسعة والتسعين خصيصة، وهي أن من أحصاها دخل الجنة. والدليل حديث ابن مسعود رضي الله عنه عند الإمام أحمد: «اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، ابْنُ عَبْدِكَ، ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجِلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي». فقوله: «أو استأثرت به في علم الغيب عندك» دليل على أن لله أسماء لا يعلمها الخلق.
وذكر الشيخ أن الرواية التي سردت الأسماء في سنن الترمذي من طريق الوليد بن مسلم، وهو مدلّس، فلا يثبت سردها مرفوعًا. ولذلك اجتهد العلماء في جمع الأسماء من الكتاب والسنة، ومن أحسن من كتب في ذلك الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في «القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى». والحكمة في عدم تعيينها أن يجتهد المسلمون في البحث عنها لينالوا هذا الأجر العظيم. وحذّر الشيخ من الاستخفاف بجهود العلماء الكبار.
المحور الخامس: معنى إحصاء الأسماء، والرد على الجهمية
ذكر الشيخ أن البخاري فسّر الإحصاء بالحفظ. وزاد أهل العلم أن الإحصاء لا يقتصر على الحفظ والسرد، بل يشمل اعتقاد معاني الأسماء والعمل بمقتضاها. فمن اعتقد أن الله هو «العزيز» لم يطلب العزة إلا منه، ومن اعتقد أنه «الغني» طلب الغنى منه وحده.
ويدخل في الإحصاء دعاء الله بها، وهو نوعان: دعاء عبادة، ودعاء مسألة. ومن دعاء المسألة أن يسأل العبد ربه بالاسم المناسب لحاجته، فيقول: يا رحمن ارحمني، يا غني أغنني، يا عزيز أعزّني، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 180]. وقسّم بعض أهل العلم الإحصاء إلى إحصاء قولي، وهو الجمع والحفظ والسؤال بها، وإحصاء عملي. والإحصاء العملي في الأسماء التي يختص بها الله، كالأحد والمتعال، يكون بالإقرار بها والخضوع لها. وفي الأسماء التي يحسن للعبد أن يتحلى بمعانيها بقدر طاقته، كالرحيم والكريم والعفو، يكون بالتخلق بها.
ثم نقل الشيخ رد الإمام أحمد رحمه الله في «الرد على الجهمية» على قولهم إن أسماء الله مخلوقة. واستدل الإمام أحمد بقوله تعالى: ﴿ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾، فقد أمر الله بعبادة المسمّى بهذا الاسم، فمن زعم أن اسم الله مخلوق لزمه أن الله أمر بعبادة مخلوق. ونقل كذلك عن إسحاق بن راهويه أن الجهمية قالوا إن لله تسعة وتسعين اسمًا، ثم ردّ عليهم بأن الله أمر عباده أن يدعوه بأسمائه الحسنى، وهي جميعًا له سبحانه.
النقاط الرئيسية
- القلوب بيد الله وحده يقلّبها كيف يشاء، وكان أكثر حلف النبي ﷺ: «لا ومقلّب القلوب».
- صلاح القلب أساس صلاح الجسد والعمل، وتعظيم شعائر الله من أعظم أسباب تقوى القلوب.
- العبرة بالخواتيم وبصدق القلب مع الله، لا بما يظهر للناس.
- المؤمن يشكر في السراء ويصبر في الضراء، فأمره كله خير.
- من أعظم صور الانتكاس بيع الدين بعرض من الدنيا، كالفتاوى التي تحلّ الحرام وتحرّم الحلال.
- أسماء الله غير محصورة في تسعة وتسعين، ولهذه التسعة والتسعين خصيصة دخول الجنة لمن أحصاها، ولا يثبت سردها مرفوعًا.
- إحصاء الأسماء يكون بحفظها وفهم معانيها واعتقادها والعمل بها ودعاء الله بها، وأسماء الله غير مخلوقة، خلافًا للجهمية.
الفوائد والعبر
- المداومة على دعاء «يا مقلّب القلوب ثبّت قلبي على دينك»، وعدم الاغترار بالعمل أو العلم أو طول الاستقامة.
- المحافظة على سيد الاستغفار صباحًا ومساءً، مع شهود نعم الله والاعتراف بالتقصير.
- استعمال النعم في طاعة الله، واستقبال البلاء بالصبر والرضا والتضرع.
- الحذر من الفتن ومن بيع الدين بالدنيا، والتمسك بأهل العلم الكبار الراسخين.
- تعلّم أسماء الله الحسنى ومعانيها، ودعاء الله في كل حاجة بالاسم المناسب لها، والتحلي بآثارها في السلوك كالرحمة والكرم والعفو.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات