شرح كتاب " التوحيد " من الجامع الصحيح للإمام البخاري (32) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

1,990 مشاهدة
47 مشاركة
منذ 5 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الثاني والثلاثون من مجالس شرح «كتاب التوحيد» من الجامع الصحيح للإمام البخاري رحمه الله، يلقيه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. ويتناول فيه باب قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾. وهو باب عظيم في تقرير عقيدة أهل السنة والجماعة في كلام الله عز وجل، والتفريق بين الرسالة المنزَّلة من عند الله وبين فعل التبليغ الصادر من العبد.

وقد قصد الإمام البخاري بهذا الباب الرد على من قال بخلق القرآن، فبيَّن أن تبليغ النبي ﷺ وتلاوة العباد وأصواتهم وحركاتهم أفعالٌ مخلوقة، أما المبلَّغ المتلوُّ فهو كلام الله تعالى، صفة من صفاته غير مخلوق. وأورد تحت الباب آياتٍ وآثارًا عن الصحابة والتابعين، كقول الإمام الزهري المشهور: «من الله الرسالة، وعلى رسول الله ﷺ البلاغ، وعلينا التسليم».

ومن أهداف هذا المجلس: ترسيخ الإيمان بأن النبي ﷺ بلَّغ الرسالة كاملةً وأدَّى الأمانة، وبيان واجب الأمة في التسليم والانقياد لما جاء به، ومعرفة أسباب كفر من كفر من الأمم مع يقينهم بصدقه ﷺ، والوقوف على معاني الآثار التي ساقها البخاري في الباب.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: التفريق بين التبليغ المخلوق والكلام المبلَّغ غير المخلوق

بيَّن الشيخ أن الآية الكريمة تشتمل على أمرين: الأول هو «ما أُنزل إليك من ربك»، وهو الوحي، أي كلام الله عز وجل، والثاني هو فعل التبليغ الذي يقوم به النبي ﷺ. فالإمام البخاري أراد أن يفرّق بين المبلِّغ وفعله وبين الشيء المبلَّغ.

وضرب الشيخ لذلك مثلًا عمليًا: حين يقوم الواعظ فيقول للناس: اتقوا الله، ويقرأ عليهم شيئًا من القرآن، فانتقاله من مكان إلى آخر، وقيامه، وصوته، وكلامه في التذكير، كلها من أفعاله وهي مخلوقة. أما ما يتلوه من كلام الله فهو صفة من صفات الله تعالى، ليس بمخلوق.

وهذا الأصل يحسم شبهة من احتج بأن التلاوة مخلوقة فجعل القرآن مخلوقًا، فالمعتقد الصحيح أن أفعال العباد مخلوقة، وكلام الله تعالى منزَّل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود.

قال تعالى: ﴿لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الجن: 28]، وقال تعالى: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ﴾ [الأعراف: 62].

المحور الثاني: كمال تبليغ النبي ﷺ ومقامه المحمود

قرر الشيخ أن النبي ﷺ قد بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين. ونحن نشهد بذلك، والله يشهد، والملائكة تشهد، وكل ما في الكون يشهد له ﷺ بالبلاغ. وقد بلغت دعوته ما بلغ الليل والنهار، فقامت بها الحجة على الإنس والجن.

ثم ذكر الشيخ المقام المحمود الذي يحمده عليه الأولون والآخرون، وهو الشفاعة العظمى، حين تدنو الشمس من الرؤوس ويشتد الكرب، فيأتي الناس آدم ثم نوحًا ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى عليهم السلام، وكلٌّ يقول: نفسي نفسي، إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، حتى يقول عيسى: اذهبوا إلى محمد ﷺ، عبدٌ غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. فيأتي ﷺ فيسجد تحت العرش، ويفتح الله عليه من محامده ما لم يفتحه على أحد قبله، فيقال: يا محمد، ارفع رأسك، وسل تُعطَ، واشفع تُشفَّع، فيقول: يا رب أمتي، يا رب أمتي.

قال تعالى: ﴿عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: 79]، وقال تعالى: ﴿لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾ [الأنعام: 19]، وقال تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: 6].

المحور الثالث: أثر الزهري «من الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم»

شرح الشيخ هذا الأثر العظيم الذي علَّقه البخاري، وذكر أنه رواه ابن أبي عاصم وابن أبي الدنيا من طريق الأوزاعي، وسببه أن رجلًا سأل الإمام الزهري عن معنى قوله ﷺ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ»، فأجابه بهذه القاعدة الجامعة: من الله العلم والرسالة، وعلى رسوله ﷺ البلاغ، وعلينا التسليم.

فالله تعالى أوحى إلى نبيه ﷺ، والنبي قام بالبلاغ على أكمل وجه، وبقي على الأمة الخضوع والانقياد دون اعتراض أو تكلّف. وهذا هو معنى شهادة أن محمدًا رسول الله التي تتكرر في الأذان والإقامة والتشهد، والتي لا يدخل أحد الإسلام إلا بها.

قال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور: 51]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: 285]، وقال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 4].

المحور الرابع: سبب كفر المشركين هو الجحود والكبر لا الجهل بصدقه ﷺ

بيَّن الشيخ أن سبب كفر كثير من الناس، كأبي جهل وأبي لهب وكفار قريش، هو تكذيبهم الرسول ﷺ وعدم الانقياد له، مع أنهم كانوا في قرارة أنفسهم يوقنون بصدقه، ولم يجرّبوا عليه كذبًا قط. وقد كانوا يُقرّون بأن الله هو الخالق، ويطوفون بالبيت ويلبّون، لكنهم يقولون في تلبيتهم: «إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك».

وذكر الشيخ اعتراضهم على اختيار الله لنبيه، إذ تمنوا أن ينزل القرآن على أحد عظمائهم كالوليد بن المغيرة أو عروة بن مسعود الثقفي، فردَّ الله عليهم بأنه أعلم حيث يجعل رسالته. وأورد قصة صعود النبي ﷺ على الصفا حين قال لقريش: «أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدِّقيّ؟» قالوا: ما جربنا عليك كذبًا، قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد»، فقال أبو لهب: تبًّا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟

ثم ذكر قصة وفاة أبي طالب كما في صحيح البخاري، حين قال له النبي ﷺ: «يا عمّ، قل لا إله إلا الله، كلمة أحاجّ لك بها عند الله»، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فكان آخر ما قال: على ملة عبد المطلب. وبيَّن الشيخ أن أبا طالب كان مصدِّقًا بابن أخيه، كما قال في شعره: «ولقد علمتُ بأن دين محمدٍ من خير أديان البرية دينا»، لكن منعه خوف المسبّة والعار، فلم ينفعه التصديق دون الانقياد والاتباع. وذكر الشيخ أن المشركين كانت لهم مكارم كسقاية الحاج وحلف الفضول، لكن إعراضهم عن الرسالة وتكبّرهم على المنهج العظيم كان سبب هلاكهم.

قال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: 33]، وقال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: 14]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ۝ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: 31-32]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: 35].

المحور الخامس: شرح آثار الباب (كعب بن مالك، عائشة، معمر، أنس)

أثر كعب بن مالك رضي الله عنه: وهو أحد الثلاثة الذين خُلِّفوا عن غزوة تبوك مع مرارة بن الربيع وهلال بن أمية. وبيَّن الشيخ أن معنى «خُلِّفوا» أي أُرجئ أمرهم، لا أنهم تخلّفوا كالمنافقين الذين اعتذروا بالكذب. وذكر صدق كعب حين قال للنبي ﷺ إنه لو جلس عند غيره من أهل الدنيا لخرج من سخطه بعذر، فقد أُعطي جدلًا، لكنه آثر الصدق حتى أنزل الله توبتهم في سورة التوبة. واستشهد كعب بقوله تعالى: ﴿وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: 94].

أثر عائشة رضي الله عنها: «إذا أعجبك حسن عمل امرئ فقل: ﴿اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 105]، ولا يستخفنّك أحد». وذكر الشيخ أن البخاري أسنده في كتاب «خلق أفعال العباد» من رواية عقيل عن ابن شهاب عن عروة، وأنها قالته في شأن الذين طعنوا في عثمان رضي الله عنه. والمعنى: لا تغترّ بالكلام الحسن، وإنما العبرة بالعمل، فمن كان عمله موافقًا لقوله فهو محسن إن شاء الله، ومن خالف عمله قوله دلّ ذلك على سوء حاله.

قول معمر: وهو أبو عبيدة معمر بن المثنى اللغوي صاحب كتاب «مجاز القرآن»، فسّر قوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ﴾ أي: هذا القرآن، و﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ أي: بيان ودلالة، كقوله تعالى: ﴿ذَٰلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ﴾ أي: هذا حكم الله، و﴿لَا رَيْبَ﴾ أي: لا شك، و﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾ أي: هذه أعلام القرآن، ومثله في الالتفات: ﴿حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ [يونس: 22] يعني: بكم. ومراد البخاري أن القرآن المتلوّ المشار إليه هو كلام الله.

أثر أنس رضي الله عنه: بعث النبي ﷺ خاله حرام بن ملحان إلى قومه، فقال: «أتؤمنونني أبلّغ رسالة رسول الله ﷺ؟» فجعل يحدّثهم. فقد فرّق بين الرسالة وبين تبليغه لها، وهو موضع الشاهد في الباب.

النقاط الرئيسية

  • أفعال العباد من تلاوة وتبليغ وتذكير مخلوقة، أما كلام الله المتلوّ المبلَّغ فهو صفة من صفاته غير مخلوق.
  • النبي ﷺ بلَّغ الرسالة كاملة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وتشهد له بذلك الخلائق.
  • القاعدة الجامعة في الباب: من الله الرسالة، وعلى الرسول ﷺ البلاغ، وعلينا التسليم.
  • المقام المحمود هو الشفاعة العظمى التي يختص بها النبي ﷺ يوم القيامة.
  • كفر المشركين كان جحودًا وكبرًا مع يقينهم بصدقه ﷺ، والتصديق وحده بلا انقياد لا ينفع، كما في حال أبي طالب.
  • العبرة بالأعمال لا بمجرد الأقوال، ولا ينبغي الاغترار بزخرف الكلام.
  • الصدق منجاة، كما في قصة كعب بن مالك رضي الله عنه وتوبة الله على الثلاثة الذين خُلِّفوا.

الفوائد والعبر

  • الاستسلام لنصوص الوحي وتلقيها بالقبول والتسليم، وترك الاعتراض والتكلف في ما لا يُدرك معناه.
  • الحذر من أن يمنع الإنسانَ خوفُ الناس أو العار أو العادات الموروثة من اتباع الحق، فقد هلك أبو طالب بسبب ذلك.
  • تحرّي الصدق في كل الأحوال وإن ظنّ المرء أن فيه هلاكه، فعاقبة الصدق نجاة ورفعة.
  • وزن الناس بأعمالهم لا بأقوالهم، والاشتغال بإصلاح العمل لأن الله ورسوله والمؤمنين يرونه.
  • تعظيم النبي ﷺ ومحبته، والإكثار من الصلاة عليه، والاقتداء به في الدعوة والحرص على هداية الخلق.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات