شرح كتاب " التوحيد " من الجامع الصحيح للإمام البخاري (30) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس الثلاثون من مجالس شرح «كتاب التوحيد» من الجامع الصحيح للإمام البخاري رحمه الله، يلقيه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. وقد عُقد بعد صلاة العشاء من ليلة الجمعة، في شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين وأربعمائة وألف من الهجرة. يتناول المجلس بابًا دقيقًا من أبواب العقيدة، هو باب قول الله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾، وقوله: ﴿مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ﴾، وقوله: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا﴾. وقد ترجم البخاري لهذا الباب بقوله: «وأنَّ حَدَثَه لا يُشبه حَدَثَ المخلوقين».
تظهر أهمية هذا الباب في أنه يقرر عقيدة أهل السنة والجماعة في أفعال الله تعالى وصفة كلامه. فالله سبحانه يفعل ما يشاء متى شاء، ويتكلم بما شاء متى شاء. وكلامه صفة من صفاته لا تشبه كلام المخلوقين. وفي ذلك رد على المعتزلة ومن وافقهم ممن قالوا بخلق القرآن، أو نفوا عن الله الأفعال الاختيارية.
ويهدف هذا المجلس إلى أن يتعلم المشاهد ما يلي:
- معنى تصرف الله في ملكه كل يوم.
- الفرق بين وصف القرآن بأنه «مُحْدَث» أي جديد النزول، وبين القول الباطل بأنه «مخلوق».
- كيف أحدث الله الشرائع شيئًا بعد شيء على سبيل التدرج والنسخ.
- وجوب الاكتفاء بكتاب الله المحفوظ، وترك سؤال أهل الكتاب عن كتبهم المحرفة.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ وتصرف الله في ملكه
بيّن الشيخ أن الله سبحانه في كل يوم يرفع أقوامًا ويخفض آخرين، ويحيي ويميت، ويرزق ويمنع، ويعطي ويأخذ. فقد يُرزق فلان اليوم ويُضيَّق على غيره، ويُعافى هذا ويُبتلى ذاك. والله سبحانه لا يُسأل عما يفعل؛ لأنه المالك الحق، والمتصرف في ملكه لا يُنسب إليه الظلم.
وضرب الشيخ مثلًا بتصرف الإنسان في بيته وماله وأولاده. فهو يحكم فيهم ويتصرف كما يرى، مع أن ملكه عارية مؤقتة يتركها حين يموت. فإذا كان هذا شأن المِلك العاريّ الزائل، فالمَلِك الحق الدائم أولى بأن يتصرف في ملكه كيف يشاء.
ثم حذر الشيخ من اغترار من آتاه الله شيئًا من الملك أو الرئاسة حتى يظن أنه السيد وأن الناس عبيد له. واستشهد بقصة النمرود الذي حاجّ إبراهيم عليه السلام في ربه، فادّعى الإحياء والإماتة بحماقة ظاهرة، فأفحمه إبراهيم بحجة الشمس.
قال تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: 29]
وقال تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: 23]
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: 258]
المحور الثاني: مناظرة أبي إسحاق الإسفراييني والقاضي عبد الجبار في المشيئة
روى الشيخ مناظرة مشهورة جرت في مجلس الوزير الصاحب بن عباد. كان طرفاها الأستاذ أبا إسحاق الإسفراييني من أهل السنة، والقاضي عبد الجبار إمام المعتزلة وقاضيهم. وجرت المناظرة على النحو الآتي:
- بدأ عبد الجبار فقال: «سبحان من تنزه عن الفحشاء». وهو يريد بذلك مذهب المعتزلة في نفي تعلق مشيئة الله بأفعال العباد.
- فأجابه أبو إسحاق: «سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء».
- فقال عبد الجبار: «أفيشاء ربنا أن يُعصى؟»
- فرد أبو إسحاق: «أفيُعصى ربنا قهرًا؟»
- فقال عبد الجبار: «أرأيت إن منعني الهدى وقضى عليّ بالردى، أحسن إليّ أم أساء؟»
- فأجاب أبو إسحاق: «إن منعك ما هو لك فقد أساء، وإن منعك ما هو له فإنه يختص برحمته من يشاء». فبُهت عبد الجبار وسكت.
وبيّن الشيخ أن هذه المناظرة تقرر أصلًا عظيمًا: الله شاء وقوع المعصية من العاصي مشيئة كونية، لكنه لا يحبها ولا يرضاها. ولا يقع في ملكه شيء رغمًا عنه سبحانه.
ثم نبّه الشيخ على احتجاج يكثر سماعه بين الشباب، وهو قول بعضهم: «لو كتب الله لي الهداية لاهتديت». يسمع أحدهم الأذان وهو قريب من المسجد فلا يصلي، ثم يحتج بالقدر. وأوضح الشيخ أن هذا احتجاج باطل؛ فالعبد مختار مكلَّف، والهداية فضل من الله يختص به من يشاء، والله لا يظلم أحدًا.
قال تعالى: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [آل عمران: 74]
المحور الثالث: معنى «المُحْدَث» والفرق بينه وبين «المخلوق»
ناقش الشيخ قوله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ﴾، ونقل كلام ابن بطال وغيره من الشراح. فالمعتزلة فرّقوا بين وصف القرآن بأنه مُحدَث ووصفه بأنه مخلوق، ثم جعلوا معنى المُحدَث هو المخلوق. وهذا خطأ؛ لأن المراد بالإحداث في الآية حدوث نزول القرآن، لا حدوث الكلام نفسه.
فالقرآن نزل على النبي ﷺ شيئًا بعد شيء، وكان كل ما ينزل منه جديدًا عند المخاطَبين. ومثال ذلك العالم إذا علّم غيره علمًا لم يكن يعرفه، فالعلم حادث عند المتعلم لا عند المعلّم. وذكر الشراح أيضًا أن «الذكر» في الآية قد يُراد به وعظ النبي ﷺ وتذكيره، واستشهدوا بقوله تعالى: ﴿قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا * رَّسُولًا﴾.
ومن الأمور التي يحدثها الله تعالى إفتاؤه عباده فيما يستفتون فيه. ومن ذلك أيضًا ما ذكره المفسرون في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا﴾، وهو أن يقلب الله القلوب في الطلاق فتحصل المراجعة. ثم قرر الشيخ أن إحداث الله لا يشبه إحداث المخلوقين؛ لأن كلامه سبحانه صفة من صفاته. فنحن نثبت الصفات كما جاءت، من غير تكييف ولا تشبيه.
قال تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء: 2]
وقال تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: 1]
وقال تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: 176]
وقال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]
المحور الرابع: إحداث الأحكام الشرعية والتدرج في التشريع
شرح الشيخ أثر ابن مسعود رضي الله عنه الذي علّقه البخاري بصيغة الجزم، ووصله أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان. وقصته أن الصحابة كانوا في أول الإسلام يسلّمون في الصلاة ويكلّم بعضهم بعضًا في حاجاتهم. فلما رجع ابن مسعود من الحبشة سلّم على النبي ﷺ وهو يصلي فلم يردّ عليه، فأخذه من ذلك ما قرب وما بعد، وخشي أن يكون قد نزل فيه شيء. فلما انصرف النبي ﷺ من صلاته أخبره بأن الله أحدث تحريم الكلام في الصلاة.
وبيّن الشيخ أن معنى الإحداث هنا إنزال شرع جديد بعد شرع سابق، وذكر لذلك أمثلة:
- تحريم الخمر: كانت مباحة عند العرب، ثم نُهوا عن قربان الصلاة وهم سكارى، ثم جاء التحريم القاطع.
- تحويل القبلة: استقبل النبي ﷺ بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا، ثم أُمر بالتوجه إلى الكعبة.
- الكلام في الصلاة: كان مباحًا في أول الأمر ثم حُرِّم.
فالأمر الجديد حادث بالنسبة إلى نزوله وتشريعه، أما صفة الكلام نفسها فصفة ذاتية لله تعالى.
قال النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَإِنَّ مِمَّا أَحْدَثَ أَنْ لَا تَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ»
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: 43]
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: 90]
وقال تعالى: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 144]
المحور الخامس: حديث ابن عباس وفضل القرآن على الكتب المحرفة
ترجم الشيخ لرجال إسناد هذا الحديث، وهم:
- علي بن المديني: قال فيه البخاري: «ما استصغرت نفسي إلا بين يدي علي بن المديني».
- حاتم بن وردان.
- أيوب السختياني: إمام أهل البصرة في زمانه.
- عكرمة: مولى ابن عباس.
- عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: حبر الأمة وترجمان القرآن.
وفي الحديث ينكر ابن عباس على من يسأل أهل الكتاب عن كتبهم، والمسلمون بين أيديهم كتاب الله أقرب الكتب عهدًا بالله، يقرؤونه محضًا لم يُخلط بشيء. وبيّن الشيخ أن الله تكلم بالتوراة والزبور والإنجيل والقرآن، وأن القرآن آخرها نزولًا وأحدثها عهدًا به سبحانه.
ثم بيّن الشيخ أن الكتب السابقة لحقها التحريف. فالمصحف واحد في كل بلاد الأرض، أما الأناجيل فأربعة يخالف بعضها بعضًا. ففي بعضها يُنسب عيسى عليه السلام إلى يوسف النجار، وفي غيرها يُدّعى أنه ابن الله. كما تنسب كتبهم المحرفة إلى الله والأنبياء ما لا يليق بهم. أما القرآن فيصف عيسى بأنه عبد الله ورسوله، وينزّه الله وأنبياءه عن كل نقص. وهذا الاختلاف دليل على التحريف.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: «كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الكِتَابِ عَنْ كُتُبِهِمْ وَعِنْدَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ أَقْرَبُ الكُتُبِ عَهْدًا بِاللَّهِ، تَقْرَءُونَهُ مَحْضًا لَمْ يُشَبْ»
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]
النقاط الرئيسية
- الله سبحانه كل يوم هو في شأن: يرفع ويخفض، ويحيي ويميت، ويعطي ويمنع، ولا يُسأل عما يفعل.
- لا يقع في ملك الله إلا ما يشاء، والمعصية واقعة بمشيئته الكونية مع أنه لا يحبها ولا يرضاها.
- المراد بـ«المُحْدَث» في الآية حدوث نزول القرآن وتجدده على المخاطَبين، لا أنه مخلوق كما زعمت المعتزلة.
- كلام الله صفة من صفاته لا يشبه كلام المخلوقين، لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾.
- من إحداث الله لأمره إنزال الشرائع شيئًا بعد شيء، كتحريم الكلام في الصلاة، والتدرج في تحريم الخمر، وتحويل القبلة.
- الاحتجاج بالقدر على ترك الطاعات وفعل المعاصي احتجاج باطل.
- القرآن أحدث الكتب عهدًا بالله، محفوظ لم يُخلط بشيء، فلا حاجة إلى سؤال أهل الكتاب عن كتبهم المحرفة.
الفوائد والعبر
- الرضا والتسليم: اليقين بأن الله يدبّر الأمر كل يوم يورث العبد طمأنينة عند البلاء، وشكرًا عند النعمة.
- التواضع وترك الاغترار: ما يملكه الإنسان من مال أو جاه أو رئاسة عارية يسيرة، فلا يتكبر بها على الخلق كما فعل النمرود.
- المبادرة إلى الطاعة: لا يصح أن يترك المسلم الصلاة ثم يحتج بالقدر، بل عليه أن يأخذ بأسباب الهداية ويسأل الله التوفيق.
- الاكتفاء بالوحي: يُستغنى بالقرآن والسنة الصحيحة عن غيرهما في أمور الدين، ويُحذر من الكتب المحرفة والمصادر المشوبة.
- فهم حكمة التشريع: معرفة التدرج والنسخ في الأحكام تبيّن رحمة الله بعباده، وحكمته في سياسة الخلق وتربيتهم.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات