شرح كتاب " التوحيد " من الجامع الصحيح للإمام البخاري(2)لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس الثاني من شرح «كتاب التوحيد» من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله، ويشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يدور المجلس حول باب قول الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَٰنَ ۖ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ﴾. والعلم بأسماء الله وصفاته أشرف العلوم وأعلاها، لأن شرف العلم يكون بشرف المعلوم، ولا أحد أجلّ من الله سبحانه وتعالى.
يبيّن الشيخ في هذا الدرس معنى أن أسماء الله حسنى، ومعنى إحصاء الأسماء التسعة والتسعين. ويشرح نوعَي الدعاء بالأسماء الحسنى، وهما دعاء العبادة ودعاء المسألة. ويقرر أن أسماء الله غير محصورة في عدد معيّن، ثم يذكر تقسيم الأسماء إلى متعدية ولازمة. ويختم بتقرير منهج أهل السنة في إثبات الصفات من غير تكييف ولا تمثيل، وذلك من خلال حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه في صفة الرحمة.
وأهداف هذا المجلس أن يعرف طالب العلم كيف يتعبّد لله بمقتضى أسمائه وصفاته، وأن يتعلم كيف يدعو الله بالاسم المناسب لحاجته. ومن أهدافه أيضًا أن يضبط قواعد الكلام في الصفات، وأن يدرك مكانة الصحيحين وإجماع الأمة على تلقيهما بالقبول.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: أسماء الله الحسنى وفضل إحصائها
أسماء الله كلها حسنى، أي أنها بالغة الغاية في الحسن والجمال والجلال والكمال. وقد خُصّت تسعة وتسعون اسمًا منها بفضل عظيم، وهو أن من أحصاها دخل الجنة. وذلك ثابت في الصحيحين من طريق أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم.
والإحصاء يشمل حفظ هذه الأسماء، واعتقاد معانيها، والعمل بمقتضاها. فمن جمع ذلك كله فقد بلغ الكمال. ومن اعتقدها وعمل بها ولم يستطع سردها من حفظه فهو على خير عظيم. وقد حاول جمع من أهل العلم جمع هذه الأسماء من الكتاب والسنة الصحيحة، ومن آخرهم الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله في كتابه «القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى». وهو كتاب صغير الحجم عظيم الفائدة، وقواعده مستفادة من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله. أما حديث الترمذي الذي سرد الأسماء فإسناده ضعيف.
ولا تنحصر أسماء الله في هذا العدد، فمن أسمائه ما استأثر الله به في علم الغيب عنده، كما في دعاء الهم والحزن.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» (متفق عليه).
ومن دعائه صلى الله عليه وسلم: «أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجِلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي» (رواه أحمد).
المحور الثاني: الدعاء بالأسماء الحسنى بنوعيه
قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 180]. والدعاء بالأسماء الحسنى نوعان.
النوع الأول دعاء العبادة، وهو أن نتعبد لله بمقتضى أسمائه:
- من آمن بأن الله هو العزيز لم يطلب العزة إلا منه، ولم يطلبها في معصيته.
- من آمن بأن الله هو الغني لم يتوكل إلا عليه، ولم يسأل غيره.
- من آمن بأن الله هو الرزاق علم أن رزقه بيده سبحانه. والرزق لا يقتصر على المال، بل يشمل كل ما يُرزق به الإنسان. فلا يتعلق قلبه في توكله وإنابته وخوفه ورجائه إلا بالله.
والنوع الثاني دعاء المسألة، وهو أن يسأل العبد ربه بالاسم المناسب لحاجته، فيقول: يا رحمن ارحمنا، يا قوي قوِّنا، يا رزاق ارزقنا، يا كريم أكرمنا، يا عزيز أعزّنا. ولا يليق أن يقول: يا رحمن انتقم من الظالمين، بل يقول: يا جبار، يا منتقم، يا قوي انتقم من الظالمين. والتوسل إلى الله بأسمائه وصفاته من أعظم ما يُتوسل به إليه.
وسبب نزول آية الإسراء أن المشركين أنكروا اسم «الرحمن». فبيّن الله أن العبد إن قال: يا الله، أو يا رحمن، أو يا رحيم، أو يا قهار، فكلها أسماء حسنى.
قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَٰنَ ۖ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ﴾ [الإسراء: 110].
ويرى الشيخ أن الاسم الأعظم هو «الله»، وهو الاسم العَلَم الذي تأتي بعده بقية الأسماء صفاتٍ له، ومعناه المألوه المعبود بحق.
المحور الثالث: مكانة صحيح البخاري ورجال إسناد الحديث
ضبط الشيخ اسم شيخ البخاري محمد بن سلام البيكندي، المتوفى سنة خمس وعشرين ومائتين، والصواب فيه تخفيف اللام. وذكر أن الحافظ المنذري ألّف جزءًا في ضبط هذا الاسم مع انشغال زمانه بالحروب الصليبية، وفي ذلك دليل على عناية الأئمة بهذا الكتاب الجليل.
وقرر الشيخ أن صحيح البخاري أصح كتاب بعد كتاب الله، وأن الأمة أجمعت على تلقي ما في الصحيحين بالقبول، إلا أحرفًا يسيرة انتقدها بعض الحفاظ من جهة الصنعة الحديثية. والبخاري ليس معصومًا، لكن الإجماع على صحة كتابه حجة. وحذّر الشيخ من الطعن في هذه الثوابت.
قال تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 115].
ثم ترجم الشيخ لرجال الإسناد:
- أبو معاوية محمد بن خازم الضرير، وهو من أحفظ الناس لحديث الأعمش.
- الأعمش سليمان بن مهران.
- زيد بن وهب، وهو مخضرم.
- أبو ظبيان حصين بن جندب.
- جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه، وكان لا يثبت على الخيل، فضرب النبي صلى الله عليه وسلم في صدره ودعا له، فصار يثبت عليها.
المحور الرابع: إثبات صفة الرحمة وأقسام الأسماء
ساق البخاري حديث جرير رضي الله عنه في إثبات صفة الرحمة لله عز وجل:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا يَرْحَمُ اللَّهُ مَنْ لَا يَرْحَمُ النَّاسَ» (متفق عليه).
وتنقسم أسماء الله الحسنى إلى قسمين:
- الاسم المتعدي: يُستفاد منه ثلاثة أمور، هي الاسم والصفة والأثر المترتب عليها. فمن اسم «الرحيم» نثبت الاسم، ونثبت صفة الرحمة، ونثبت أنه يرحم عباده. ومثله اسم «الرزاق».
- الاسم اللازم: يُستفاد منه أمران فقط، هما الاسم والصفة. فمن اسم «الحي» نثبت الاسم، ونثبت صفة الحياة لله سبحانه.
ووصف الله نبيه بالرحمة فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]. ورحمة النبي صلى الله عليه وسلم هي أكمل رحمة بشرية، لكنها صفة مخلوق، فلا تُقاس عليها رحمة الخالق سبحانه.
المحور الخامس: قواعد أهل السنة في باب الصفات
ردّ الشيخ على من نفى صفة الرحمة بحجة أن رحمة المخلوق رقّة ولين، وبيّن أن صفات الله تليق بجلاله وعظمته، كما أن صفات المخلوق تليق بضعفه ونقصه. وذكر قاعدتين قررهما أهل العلم كابن تيمية وابن القيم وابن عثيمين رحمهم الله:
- القول في الصفات كالقول في الذات. فكما نثبت لله ذاتًا لا نعلم كيفيتها، نثبت له صفات لا نعلم كيفيتها.
- القول في بعض الصفات كالقول في بعضها الآخر. فلا يصح أن يثبت المرء بعض الصفات وينفي بعضها.
ومذهب أهل السنة أن تُثبت الصفة مع نفي الكيفية والتمثيل والتشبيه. ومثّل الشيخ لذلك بأن لكل مخلوق يدًا، ثم تختلف الأيدي في حقيقتها وشكلها اختلافًا كبيرًا بين إنسان وحيوان ونملة. فإذا كان هذا التفاوت واقعًا بين المخلوقات، فالتفاوت بين الخالق والمخلوق أعظم بكثير.
قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11].
النقاط الرئيسية
- أسماء الله كلها حسنى بالغة الغاية في الكمال، ولله تسعة وتسعون اسمًا من أحصاها دخل الجنة.
- إحصاء الأسماء يكون بحفظها، واعتقاد معانيها، والعمل بمقتضاها.
- أسماء الله غير محصورة في عدد، ومنها ما استأثر الله بعلمه.
- الدعاء بالأسماء نوعان: دعاء عبادة يكون بالتعبد بمقتضاها، ودعاء مسألة يكون بسؤال الله بالاسم المناسب للحاجة.
- أجمعت الأمة على تلقي الصحيحين بالقبول، وصحيح البخاري أصح كتاب بعد القرآن الكريم.
- الاسم المتعدي يدل على الاسم والصفة والأثر، والاسم اللازم يدل على الاسم والصفة.
- تُثبت صفات الله كما يليق بجلاله من غير تكييف ولا تمثيل، والقول في الصفات كالقول في الذات.
الفوائد والعبر
- احرص على تعلم أسماء الله الحسنى وفهم معانيها، فذلك من أعظم أسباب دخول الجنة وزيادة الإيمان.
- ادعُ الله بالاسم المناسب لحاجتك، فقل: يا رزاق ارزقني، ويا رحيم ارحمني، ويا شافي اشفني.
- علّق قلبك بالله وحده، فالعزة والغنى والرزق بيده، فلا تطلبها من غيره ولا في معصيته.
- ارحم الناس لتنال رحمة الله، فإن الجزاء من جنس العمل: «لَا يَرْحَمُ اللَّهُ مَنْ لَا يَرْحَمُ النَّاسَ».
- احذر الطعن في ثوابت الدين ومصادره الموثوقة، والزم سبيل المؤمنين وما أجمعت عليه الأمة.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات