شرح كتاب " التوحيد " من الجامع الصحيح للإمام البخاري (17) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

902 مشاهدة
411 مشاركة
منذ 5 سنوات
```html

المقدمة: فهم عميق لمشيئة الله وإرادته

نقدم لكم هذه المحاضرة القيمة، وهي الحلقة السابعة عشرة من سلسلة شرح كتاب "التوحيد" من الجامع الصحيح للإمام البخاري، لفضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري حفظه الله. يتناول هذا المجلس المبارك باب "المشيئة والإرادة" في صحيح البخاري، وهو موضوع جوهري في العقيدة الإسلامية يمس حياة المسلم في كل جانب من جوانبها.

يهدف هذا الشرح إلى إجلاء الغموض حول مفهومي المشيئة والإرادة الإلهية، وبيان الفرق بين الإرادة الكونية القدرية والإرادة الشرعية الدينية، وكيف يتفاعل هذا الفهم مع مسؤولية الإنسان واختياره. كما يسعى إلى ترسيخ الإيمان بالقضاء والقدر، وتصحيح المفاهيم الخاطئة التي قد تؤدي إلى الجبرية أو القدرية.

من خلال هذه المحاضرة، سيكتسب المشاهد فهماً أعمق لصفات الله تعالى وأسمائه الحسنى، مما يعزز توكله عليه ورضاه بقضائه، ويحثه على العمل الصالح والاجتهاد في طاعة الله مع الأخذ بالأسباب، مدركًا أن كل ما يجري في الكون إنما هو بعلم الله ومشيئته وحكمته البالغة.

المحاور الرئيسية

1. مفهوم المشيئة والإرادة وأنواعهما

يبدأ الشيخ بتوضيح أن المشيئة والإرادة الإلهية هما صفتان عظيمتان لله تعالى، وأن كل ما يحدث في الكون لا يخرج عنهما. ويفرق الشيخ بين نوعين أساسيين من الإرادة: الإرادة الكونية القدرية والإرادة الشرعية الدينية.

الإرادة الكونية القدرية: هي المتعلقة بخلق الله وتدبيره لكل ما في الكون، من خير وشر، طاعة ومعصية. وهي شاملة لكل ما كان وما سيكون، ولا يمكن أن يقع شيء إلا بمشيئته سبحانه وتعالى. ويستشهد الشيخ بقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (الإنسان: 30)، وقوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (القمر: 49).

الإرادة الشرعية الدينية: هي المتعلقة بأمر الله ونهيه، وما يحبه ويرضاه من العباد. وهي خاصة بالطاعات والإيمان، فالله يأمر بالإيمان ويرضاه، ولكنه لا يرضى الكفر والمعاصي وإن كانت تقع بإرادته الكونية. يوضح الشيخ أن هذه الإرادة هي التي يحاسب عليها العبد، حيث جعل الله له اختيارًا وإرادة.

2. العلاقة بين المشيئة الإلهية والاختيار البشري

يناقش الشيخ مسألة الاختيار البشري، مؤكداً أن العبد له اختيار وإرادة يفعل بها أفعاله، ولكن هذا الاختيار يقع ضمن علم الله وإرادته الكونية. فالإنسان يسعى ويقصد ويخطط، وجميع أفعاله هذه معلومة لله أزلاً ومكتوبة عنده.

يضرب الشيخ أمثلة عملية لتوضيح ذلك، مثل الزاني الذي يخطط ويسعى لفعله المحرم، فهو يفعله باختياره، والله قد علم ذلك وكتبه عليه. وكذلك من يبتلى بامرأة تدعوه للفاحشة، فله اختيار بين العصيان والصبر، ويذكر قصة يوسف عليه السلام الذي قال: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ (يوسف: 33).

3. التعامل مع النعم، الذنوب، والابتلاءات في ضوء القدر

يقدم الشيخ منهجاً تربوياً للمسلم في التعامل مع أقدار الله المختلفة. في حالة النعم، يجب على العبد أن يشكر الله عليها، وأن يوجهها في طاعته، مستشهداً بقوله تعالى: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ (إبراهيم: 7).

أما في حالة الذنوب والمعاصي، فالواجب على العبد التوبة والرجوع إلى الله والاستغفار، فالله تعالى لم يعطِ أحداً عهداً بالعصمة من الذنب بعد الأنبياء. وفي الابتلاءات والمحن التي لا دخل للعبد فيها، فالصبر والرضا بقضاء الله هو المطلوب، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (البقرة: 155-156).

4. مناظرة الإسفراييني وعبد الجبار وتعميق الفهم

يسرد الشيخ المناظرة الشهيرة بين الإمام أبي إسحاق الإسفراييني والقاضي عبد الجبار المعتزلي، والتي تلخص جوهر الخلاف حول المشيئة والقدر. حيث قال عبد الجبار: "سبحان من تنزه عن الفحشاء"، فرد الإسفراييني: "سبحان من لا يكون في ملكه إلا ما يشاء".

تستمر المناظرة في توضيح دقة مذهب أهل السنة والجماعة في الجمع بين شمولية إرادة الله الكونية ومشيئته، وبين عدله وحكمته، وأن العباد ليس لهم حق على الله إلا ما تفضل به عليهم سبحانه. فالله يختص برحمته من يشاء، وعطاءه محض إحسان.

ويختتم الشيخ هذا المحور ببيان أن اختيار الله للعبد هو دائمًا الخير، حتى لو بدا في ظاهره شرًا، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ﴾ (العلق: 6)، في إشارة إلى طغيان المال والمنصب، وأن الفقر قد يكون خيرًا لصاحبه.

النقاط الرئيسية

  • الفرق الجوهري بين الإرادة الكونية القدرية (التي تشمل كل ما يقع) والإرادة الشرعية الدينية (المتعلقة بالأمر والنهي وما يرضاه الله).
  • كل ما يحدث في الكون، من خير وشر، طاعة ومعصية، هو بعلم الله الأزلي ومشيئته وقدره.
  • العبد يمتلك اختياراً وإرادة في أفعاله، ويُحاسب عليها، ولكن هذا الاختيار يقع ضمن إطار علم الله وقدره.
  • أهمية قول "إن شاء الله" عند التخطيط للمستقبل، اعترافًا بأن الأمر كله بيد الله سبحانه وتعالى.
  • المسلم مطالب بالشكر على النعم، والتوبة والاستغفار من الذنوب، والصبر والرضا عند الابتلاءات والمحن.
  • مناظرة الإسفراييني وعبد الجبار توضح عمق العقيدة السلفية في الجمع بين المشيئة الإلهية الشاملة واختيار العبد.
  • اختيار الله للعبد هو دائمًا الخير المطلق، حتى لو بدا في الظاهر غير ذلك، لحكمة يعلمها الله.

الفوائد والعبر المستفادة

  • تعزيز الإيمان والتوكل: فهم المشيئة والإرادة يزيد من إيمان العبد بقدرة الله وحكمته، ويعمق توكله عليه في جميع شؤونه.
  • الرضا بقضاء الله وقدره: يساعد هذا الفهم على تقبل أقدار الله، خيرها وشرها، والرضا بها، مما يجلب السكينة والطمأنينة للقلب.
  • الجمع بين الأخذ بالأسباب والتوكل: يتعلم المسلم أن الإيمان بالقدر لا يعني ترك العمل، بل هو حافز للأخذ بالأسباب مع الاعتماد الكلي على الله.
  • تصحيح المفاهيم الخاطئة: يزيل اللبس حول مسألة الجبر والاختيار، مؤكدًا على مسؤولية العبد عن أفعاله مع علمه بأن كل شيء بمشيئة الله.
  • التعامل السليم مع النعم والمحن: يرشد المسلم إلى المنهج النبوي في شكر النعم، والتوبة من الذنوب، والصبر على الابتلاءات، مما يجعله دائمًا في خير حال.
```
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات