شرح كتاب " التوحيد " من الجامع الصحيح للإمام البخاري (26) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس السادس والعشرون من شرح كتاب «التوحيد» من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله، يلقيه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. عُقد المجلس ليلة الجمعة الثامن عشر من شهر ربيع الأول سنة 1441هـ، الموافق للخامس عشر من شهر نوفمبر سنة 2019م، ويتناول فيه الشيخ «بابَ كلامِ الربِّ عز وجل يومَ القيامةِ مع الأنبياءِ وغيرِهم».
تتصل هذه المسألة بأصل عظيم من أصول الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة، وهو إثبات صفة الكلام لله تبارك وتعالى على ما يليق بجلاله. فالله يتكلم متى شاء وكيف شاء، في الدنيا وفي الآخرة. وفي هذا الباب ردٌّ على الجهمية ومن وافقهم ممن أنكروا هذه الصفة وعطّلوها.
ويهدف هذا الدرس إلى ثلاثة أمور: أن يرسّخ عند طالب العلم عقيدة إثبات الكلام الإلهي، وأن يذكّره بأهوال يوم القيامة ومواقف الحساب والشفاعة، وأن يربط ذلك كله بالسلوك. فالعبد يُبعث على ما مات عليه، ولذلك عليه أن يحسن عمله ويفرّ إلى ربه قبل فوات الأوان.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: إثبات صفة الكلام لله تعالى والرد على المعطلة
يبيّن الشيخ أن الإمام البخاري ساق هذا الباب ليرد على الجهمية الذين أنكروا أن الله كلّم موسى تكليمًا وأنكروا أن يكون اتخذ إبراهيم خليلًا. والقرآن صريح في إثبات ذلك، ولهذا عدّ السلف إنكاره تكذيبًا لنصوص الوحي.
ثم ذكر الشيخ القصة المشهورة: خطب خالد بن عبد الله القسري الناس يوم عيد الأضحى، ثم قال لهم: «ضحّوا تقبّل الله منكم، فإني مضحٍّ بالجعد بن درهم، فإنه زعم أن الله لم يكلم موسى تكليمًا ولم يتخذ إبراهيم خليلًا»، ثم نزل فذبحه. وكان مصير الجهم بن صفوان مثل ذلك لقوله بالمقالة نفسها. وتدل القصة على خطورة هذه البدعة وعلى غيرة السلف على العقيدة.
قال الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا﴾ [النساء: 164]، وقال سبحانه: ﴿وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَٰهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: 125].
المحور الثاني: كلام الله لعباده يوم القيامة ومواقف الحساب
يكلّم الله يوم القيامة الأنبياء ويكلّمونه، ويخاطبه نبينا صلى الله عليه وسلم شافعًا للخلائق. ويكلّم أهل الإيمان وأهل الذنوب، ويكلّم المنافقين. وفي ذلك اليوم يقول كل نبي: «نفسي نفسي»، ويقولون: «إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ».
وشرح الشيخ حديث النجوى: يُدني الله عبده المؤمن فيضع عليه كنفه ويستره، ويقرّره بذنوبه: «أتذكر ذنب كذا؟ أتذكر ذنب كذا؟» فيقول العبد: نعم يا رب. حتى إذا رأى في نفسه أنه هلك قال الله: «سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ». ثم ضرب الشيخ مثالًا يقرّب الأمر: لو حسب الإنسان ما يقع فيه كل يوم من زلات النظر واللسان والجوارح، ثم ضربه في أيام سنوات عمره، لبلغ آلافًا مؤلفة. ولا نجاة إلا بستر الله وعفوه.
أما المنافق الذي كان يكذب في الدنيا فإنه يحاول الكذب على رب العالمين أيضًا، فيُختم على فيه وتشهد عليه جوارحه. قال تعالى: ﴿ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰٓ أَفْوَٰهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ﴾ [يس: 65]. وذكّر الشيخ بأن الفوز الحقيقي هو النجاة يومئذ: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: 185]، وبأن الخسارة الحقيقية هي خسارة ذلك اليوم: ﴿قُلْ إِنَّ ٱلْخَٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۗ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ﴾ [الزمر: 15].
المحور الثالث: يُبعث كل عبد على ما مات عليه
ذكر الشيخ حديث المُحرم الذي وقصته دابته فمات وهو يلبّي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا». واستدل به على القاعدة العامة الثابتة في الحديث الصحيح: «يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ».
ثم حذّر الشيخ من سوء الخاتمة. فمن مات على الخمر أو المخدرات أو الفاحشة بُعث على حاله، ومن مات ساجدًا أو ذاكرًا أو في طاعة بُعث عليها. ولذلك دعا إلى الفرار إلى الله امتثالًا لقوله تعالى: ﴿فَفِرُّوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ﴾ [الذاريات: 50]. ونبّه إلى أن الفرار من الله لا يكون إلا إليه سبحانه، كما في الدعاء النبوي: «وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ».
ومن الأمثلة التي ذكرها لحسن الخاتمة استشهاد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو يصلي بالناس، بعد أن دعا: «اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ، وَاجْعَلْ مَوْتِي فِي بَلَدِ رَسُولِكَ صلى الله عليه وسلم». وذكر أيضًا رجلًا صالحًا من عامة المسلمين كان مخلصًا في صلاته وطاعته، فشهد له الناس في جنازته بالخير.
المحور الرابع: حديث الشفاعة وخطاب النبي صلى الله عليه وسلم لربه
شرح الشيخ حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، وقد رواه البخاري من طريق يوسف بن راشد عن أحمد بن عبد الله بن يونس، ثم من طريق سليمان بن حرب عن حماد بن زيد عن معبد بن هلال العنزي. وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ شُفِّعْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَبِّ، أَدْخِلِ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ خَرْدَلَةٌ، فَيَدْخُلُونَ، ثُمَّ أَقُولُ: أَدْخِلِ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى شَيْءٍ». قال أنس: «كأني أنظر إلى أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم».
وموضع الشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم يخاطب ربه يوم القيامة، وأن ربه يخاطبه ويأذن له في الشفاعة. فالشفاعة لا تكون إلا بإذن الله ورضاه. وفي الحديث أيضًا فضل التوحيد، فمن كان في قلبه أدنى مثقال من إيمان فمآله إلى الجنة.
وتوقف الشيخ عند تراجم الرواة، ونبّه إلى أن الله بارك في أعمار كثير من المحدثين وأحسن خواتيمهم. ومنهم أحمد بن يونس، الذي قال فيه الإمام أحمد: «اخرج إلى أحمد بن يونس فإنه شيخ الإسلام».
المحور الخامس: آداب طلب العلم ودروس من سيرة أنس رضي الله عنه
في الحديث أن جماعة من أهل البصرة أرادوا أن يسألوا أنسًا عن حديث الشفاعة، فاستعانوا بثابت البناني، وكان من أحب تلاميذه إليه. واستنبط الشيخ من ذلك أدبًا في التعامل مع العلماء: يستعين الطالب بمن هو قريب من العالم، ويراعي حاله ووقته، فقد يكون مشغولًا أو مهمومًا.
وذكر الشيخ بركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لأنس حين قالت أمه: «يا رسول الله، خادمك أنس، ادعُ الله له»، فقال: «اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ، وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتَهُ». فطال عمره، وكثر ولده من صُلبه، وكثر ماله، وسكن قصرًا. واستُفيد من ذلك أن الغنى لا يذم إذا أُنفق في سبيل الله ونشر العلم ونصرة الدين، فـ«نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلْمَرْءِ الصَّالِحِ».
ولما دخلوا على أنس وجدوه يصلي الضحى، فبيّن الشيخ أحكام هذه الصلاة وأفضل أوقاتها، وأنها صلاة الأوابين، لقوله صلى الله عليه وسلم: «صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الْفِصَالُ». ومعناه أن أفضل وقتها حين يشتد حر الشمس فتحترق أخفاف صغار الإبل من حرارة الرمل، وهو وقت يغفل فيه أكثر الناس لانشغالهم بطلب الرزق.
النقاط الرئيسية
- إثبات صفة الكلام لله تعالى على الحقيقة وبما يليق بجلاله، في الدنيا والآخرة، وهو معتقد أهل السنة والجماعة.
- إنكار الجعد بن درهم والجهم بن صفوان لتكليم الله موسى ولخُلّة إبراهيم بدعة عظيمة تصدى لها السلف بحزم.
- يكلّم الله يوم القيامة الأنبياء والمؤمنين والعصاة والمنافقين، فيستر على المؤمن ذنوبه ويغفرها، ويختم على أفواه المنافقين وتشهد عليهم جوارحهم.
- يُبعث كل عبد على ما مات عليه، ومن الأدلة على ذلك حديث المحرم الذي يُبعث يوم القيامة ملبيًا.
- الشفاعة تكون بإذن الله، ويخاطب فيها النبي صلى الله عليه وسلم ربه، ويخرج بها من النار من كان في قلبه أدنى مثقال من إيمان.
- من آداب طلب العلم مراعاة حال العالم والاستعانة بالمقربين منه.
- صلاة الضحى هي صلاة الأوابين، وأفضل وقتها حين يشتد الحر.
الفوائد والعبر
- محاسبة النفس كل يوم: ما يقع فيه العبد من زلات يتراكم مع الأيام والسنين، فليكثر من الاستغفار وليسأل الله الستر في الدنيا والآخرة.
- الحرص على حسن الخاتمة: الإنسان يُبعث على ما مات عليه، فليحذر من المعاصي التي قد يُختم له بها، وليجعل حياته في طاعة الله.
- الفرار إلى الله: لا ملجأ من الله إلا إليه، فليبادر العبد إلى التوبة قبل أن يأتيه الموت.
- تسخير النعم في طاعة الله: المال والولد وطول العمر نعم إذا استُعملت في نصرة الدين ونشر العلم، ولا بأس أن يدعو المسلم لأخيه بالبركة فيها.
- المحافظة على صلاة الضحى: هي صلاة الأوابين، وأداؤها في وقت غفلة الناس من علامات الصدق مع الله.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات