شرح كتاب " التوحيد " من الجامع الصحيح للإمام البخاري (35) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس الخامس والثلاثون من شرح «كتاب التوحيد» من الجامع الصحيح للإمام البخاري رحمه الله، ألقاه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري ليلة السبت، بعد صلاة العشاء من يوم الجمعة العشرين من جمادى الآخرة سنة 1441هـ، الموافق للرابع عشر من فبراير سنة 2020م. وفي هذا المجلس شرح الشيخ أبوابًا مهمة، أولها باب قول النبي ﷺ: «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، وزيّنوا القرآن بأصواتكم»، ثم باب قول الله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾، ثم باب قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾.
وتدور هذه الأبواب على مسألة كبيرة من مسائل العقيدة، وهي التفريق بين كلام الله تعالى وأفعال العباد. فالقرآن كلام الله وصفة من صفاته غير مخلوق، أما صوت القارئ وتلاوته وحسن أدائه فمن أفعال العبد المخلوقة. وأراد الإمام البخاري بهذه التراجم أن يردّ على من خلط بين الأمرين، فنسب الخلق إلى كلام الله، أو جعل أصوات العباد قديمة.
ويتعلم المشاهد من هذا الدرس: كيف يفرّق بين الكلام وصوت التالي، وفضل المهارة في القرآن وتحسين الصوت به، وفضل رفع الصوت بالأذان، ومعنى نزول القرآن على سبعة أحرف، وكيف يسّر الله كتابه للذكر، وأن كل إنسان ميسَّر لما خُلق له. ويتعرّف كذلك على رجال الأسانيد الذين ترجم لهم الشيخ أثناء الشرح.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: الماهر بالقرآن، والتفريق بين كلام الله وصوت القارئ
بيّن الشيخ أن في الترجمة أمرين: كلام الله، وصوت الإنسان. فكلام الله صفة من صفاته غير مخلوق، والأصوات من خلق الله. لذلك قال النبي ﷺ: «الماهر بالقرآن»، فنسب المهارة إلى العبد، وقال: «زيّنوا القرآن بأصواتكم»، فنسب الصوت إلى العباد. والماهر هو المتقِن الحافظ المجوِّد، و«السَّفَرة» هم الملائكة الكَتَبة، و«البَرَرة» هم المطيعون المطهَّرون من الذنوب.
وتزيين القرآن بالصوت معناه أن يتخشّع القارئ في قراءته، ويتقنها، ويرتّلها كما أمر الله نبيه ﷺ. وأشار الشيخ إلى أن هذا المعنى تقدّم بلفظ: «مثل الذي يقرأ القرآن وهو حافظ له مع السفرة الكرام البررة»، وأن مسلمًا أخرجه بلفظه من طريق زرارة بن أوفى عن سعد بن هشام عن عائشة رضي الله عنها.
واستدل البخاري بحديث الإفك، وفيه قول عائشة رضي الله عنها إنها ما كانت تظن أن الله ينزل في شأنها وحيًا يُتلى. وفي هذا إثبات صفة الكلام لله عز وجل، فقد تكلم الله في شأنها بقرآن يتلوه المسلمون. والتلاوة فعل التالي، فمن الناس من يتلوه ماهرًا به، ومنهم من يتتعتع فيه.
ونبّه الشيخ على لطائف الأسانيد، كإسناد حديث أبي هريرة الذي رجاله كلهم مدنيون، وذكر تراجم الرواة ووفياتهم، مثل الليث بن سعد إمام أهل مصر، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، ومِسعر بن كِدام، رحمهم الله جميعًا.
قال الله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: 4]
وقال ﷺ: «الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانِ» [رواه مسلم]
وقال ﷺ: «زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ»
قالت عائشة رضي الله عنها: «وَلَشَأْنِي فِي نَفْسِي كَانَ أَحْقَرَ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ فِيَّ بِأَمْرٍ يُتْلَى»
﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ﴾ [النور: 11]
المحور الثاني: حسن الصوت بالقرآن ورفعه بالأذان
أورد البخاري حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت بالقرآن يجهر به». وبيّن الشيخ أن حسن الصوت من خلق الله، ولكل إنسان صوت يتميز به، وأما القرآن المتلوّ فكلام الله غير مخلوق. وفي حديث البراء بن عازب رضي الله عنه أنه سمع النبي ﷺ يقرأ في العشاء بالتين والزيتون، فما سمع أحدًا أحسن صوتًا أو قراءة منه. فرسول الله ﷺ أمهر الخلق بتلاوة القرآن.
وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ كان متواريًا بمكة يرفع صوته بالقرآن، فإذا سمعه المشركون سبّوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به. فأنزل الله: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾، أي: لا تجهر حتى تُسمع المشركين فيسبّوا القرآن، ولا تُسِرّ حتى لا يسمعك أصحابك، بل اقتصد بين ذلك.
وذكر حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في فضل رفع الصوت بالأذان في البادية والغنم، وأن كل من يسمع صوت المؤذن من جن وإنس وحجر وشجر يشهد له يوم القيامة بأنه وحّد الله. فألفاظ الأذان ذكرٌ لله، والصوت صوت المخلوق. وذكّر الشيخ بقول النبي ﷺ لعبد الله بن زيد: «ألقِه على بلال فإنه أندى صوتًا منك»، وفيه أن المؤذن ينبغي أن يكون حسن الصوت رفيعه. وبيّن أن من أذّن وحده في الفلاة قد يصلي وراءه من خلق الله ما لا يراه.
وختم هذا الباب بحديث عائشة رضي الله عنها: كان النبي ﷺ يقرأ القرآن ورأسه في حجرها وهي حائض. فالتلاوة تلاوته ﷺ وصوته مخلوق، والمتلوّ كلام الله عز وجل.
قال ﷺ: «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ» [رواه البخاري]
قال البراء رضي الله عنه: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْعِشَاءِ: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ، فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا أَحْسَنَ صَوْتًا أَوْ قِرَاءَةً مِنْهُ»
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 110]
«إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ، فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ أَوْ بَادِيَتِكَ فَأَذَّنْتَ لِلصَّلَاةِ فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [رواه البخاري]
﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: 27]
قالت عائشة رضي الله عنها: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَرَأْسُهُ فِي حَجْرِي وَأَنَا حَائِضٌ»
المحور الثالث: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ ونزول القرآن على سبعة أحرف
بيّن الشيخ أنه لا يُشترط في الصلاة أن يقرأ المصلي القرآن كله، ولا مئة آية، ولا ربعًا من القرآن. المطلوب أن يتلو ما يسّره الله له من كلامه، ويتقنه، ويرجو أجره من رب العالمين.
ثم شرح قصة عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع هشام بن حكيم بن حزام رضي الله عنه. سمع عمر هشامًا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم يُقرئه إياها رسول الله ﷺ، فكاد أن يساوره في الصلاة، ثم تصبّر حتى سلّم، فلبّبه بردائه وقاده إلى النبي ﷺ. فقال ﷺ: «أرسله»، واستقرأ هشامًا فقرأ، فقال: «كذلك أُنزلت»، ثم استقرأ عمر فقرأ، فقال: «كذلك أُنزلت». وأثنى الشيخ على غيرة عمر على القرآن واحتياطه له، وعلى طاعته للنبي ﷺ.
ونقل الشيخ كلام أهل العلم في الفرق بين معنى التيسير في الآية ومعناه في الحديث. فالمراد بالتيسير في الآية ما يتعلق بالقلة والكثرة، أي الكمية. والمراد به في الحديث ما يتعلق بوجوه الأداء التي يستحضرها القارئ، أي الكيفية. ومناسبة الحديث لكتاب التوحيد أن القراءة نُسبت إلى القارئ: قراءة هشام إلى هشام، وقراءة عمر إلى عمر، فالصوت صوت القارئ والكلام كلام الباري سبحانه. وذكر الشيخ أن الأحرف السبعة من التخفيف والتيسير على الأمة، كقراءة: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ و«فتثبّتوا».
قال الله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: 20]
قال ﷺ: «كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ، إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ» [متفق عليه]
المحور الرابع: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ وكلٌّ ميسَّر لما خُلق له
وصف الشيخ القرآن بأنه نور للقلب، وراحة للنفس، وحياة للبدن، ونعمة للبشرية. وكلما أكثر العبد من تلاوته زاد إيمانه وتقواه، وفتح الله عليه من معانيه وبركاته شيئًا كثيرًا. وقد يسّره الله للحفظ والتلاوة والتدبر. وأصل «مُدَّكِر»: «مُذْتَكِر»، والمعنى: هل من متذكّر يُقبل على ذكر الله ويُكثر من تلاوة كتابه؟
وربط الشيخ ذلك بقول النبي ﷺ: «كلٌّ ميسَّر لما خُلق له». فأهل الخير والفضل ميسَّرون للقرآن والذكر والطاعة، يقطعون المسافات البعيدة إلى المساجد ومجالس العلم، ويسهل عليهم القيام والصيام وصلاة الفجر. وأهل الشر والفساد ميسَّرون لما اختاروه من الآثام، فيقطعون المسافات أيضًا في طلب المحرمات.
وذكر الشيخ قصة رجل خرج ليرتكب فاحشة، فستره الله وصرفه عنها، ثم صار من العُبّاد. وفي القصة أن التوفيق بيد الله، وأن العبد يجب أن يسأل ربه أن يجعله من أهل التيسير لليُسرى.
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ [القمر: 17]
قال ﷺ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» [متفق عليه]
النقاط الرئيسية
- القرآن كلام الله وصفة من صفاته غير مخلوق، وأصوات العباد وتلاوتهم وأفعالهم مخلوقة.
- الماهر بالقرآن هو المتقن الحافظ، وهو مع السفرة الكرام البررة، والذي يتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران.
- تحسين الصوت بالقرآن مشروع ومحبوب، وكان النبي ﷺ أحسن الناس صوتًا وقراءة.
- في حديث الإفك إثبات صفة الكلام لله تعالى، وأنه تكلم بقرآن يُتلى إلى يوم القيامة.
- رفع الصوت بالأذان فضيلة، ويشهد للمؤذن يوم القيامة كل من سمع صوته من جن وإنس وشيء.
- نزل القرآن على سبعة أحرف تيسيرًا على الأمة، والقراءة تُنسب إلى القارئ والكلام إلى الله.
- يسّر الله القرآن للذكر، وكل إنسان ميسَّر لما خُلق له من خير أو شر.
الفوائد والعبر
- اجتهد في إتقان تلاوتك وتحسين صوتك بالقرآن مع الخشوع والترتيل، ولا يحزنك التتعتع، فأنت مأجور على المشقة أجرين.
- ارفع صوتك بالأذان إذا كنت في بادية أو مكان خالٍ، لتنال شهادة كل من يسمعك يوم القيامة.
- تعامل مع القراءات الثابتة بأدب وعلم، وتثبّت قبل الإنكار، واقتدِ بعمر رضي الله عنه في الغيرة على القرآن والتسليم لحكم النبي ﷺ.
- اقرأ ما تيسّر لك من القرآن كل يوم، فقليل دائم خير من كثير منقطع، والقرآن نور للقلب وراحة للنفس.
- ادعُ الله أن يجعلك ممن يُيسَّرون لليسرى، وإذا وجدت الطاعة سهلة عليك فاحمد الله، فهي علامة توفيق.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات