شرح كتاب "التأصيل لأصول التخريج"للشيخ بكرأبوزيد(3) شرح الشيخ أبوحفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس الثالث من مجالس شرح كتاب «التأصيل لأصول التخريج وقواعد الجرح والتعديل» للعلّامة الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله، يشرحه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. ويتناول المجلس المبحث الأول من مقدمات الكتاب، وهو «المبادئ العشرة» لعلم أصول التخريج. فهذا العلم فنٌّ مستقل، ولا بد لكل من أراد دراسة فنٍّ أن يعرف مبادئه قبل الشروع فيه.
وتأتي أهمية هذا الدرس من أنه يضع الأساس المنهجي لطالب علم الحديث، فيعرّفه بحقيقة علم أصول التخريج وموضوعه وثمرته وحكمه وشرفه. ويقرر الشيخ القاعدة الأصولية: «الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره»، فلا يصح الحكم على علمٍ قبل تصوّر حقيقته.
ويهدف الدرس إلى تكوين طالب علم متمكّن يستطيع النظر في الأسانيد والمتون بنفسه، فلا يقتصر على قول «أخرجه فلان وفلان»، ولا يقلّد غيره في التصحيح والتضعيف تقليدًا أعمى، بل يجمع الطرق وينظر في أقوال الأئمة ويحكم على بصيرة.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: خطبة الحاجة والافتتاح بالوصية بالتقوى
افتتح الشيخ المجلس بخطبة الحاجة التي كان النبي ﷺ يفتتح بها خطبه، وهي سنة كان أهل العلم يحرصون عليها في دروسهم. وقد تضمنت آيات الأمر بالتقوى، وهي الأساس الذي يقوم عليه طلب العلم والعمل به:
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71]
وقوله ﷺ: «فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ».
المحور الثاني: المبادئ العشرة وقاعدة «الحكم على الشيء فرع عن تصوره»
بيّن الشيخ أن أهل كل فن يذكرون مبادئه في فواتح مؤلفاتهم غالبًا، وأن العلماء أفردوها بالتأليف، ومن ذلك: «الأزهار الطيبة النشر على المبادئ العشر» لمحمد الطالب بن حمدون قاضي مراكش، وقد طُبع بفاس، وكتاب في «مبادئ العلوم الأحد عشر» للشيخ علي بن رجب الصالحي. كما تعتني كتب الفهارس بذكرها، مثل «كشف الظنون» و«أبجد العلوم».
وعلّل الشيخ وجوب معرفة هذه المبادئ بالقاعدة الأصولية: «الحكم على الشيء فرع عن تصوره»، وضرب لذلك أمثلة. منها أبيات من الشعر العربي في هجاء قوم بالبخل، ووقف فيها عند لفظة «الدُّخن»، وبيّن أنه حبٌّ أصغر من حب القمح يُطحن ويُخبز منه خبز رديء. فمن لم يتصور معنى الكلمة لم يفهم البيت. ومثّل كذلك بمصطلحات وافدة كـ«البرجوازية» و«الأرستقراطية» لا يفهمها من لم يتصور حقيقتها.
وحذّر الشيخ في سياق ذلك من بعض ما يُدرَّس في علم النفس من تحليلات باطلة، كتفسير فرويد كل سلوك إنساني بالجنس، وبيّن أن كثرة الخوض في ذلك قد تورث سوء الظن بالخلق. ثم ذكر نظم الصبّان في المبادئ العشرة:
إِنَّ مَبَادِي كُلِّ فَنٍّ عَشَرَهْ ... الْحَدُّ وَالْمَوْضُوعُ ثُمَّ الثَّمَرَهْ
وَنِسْبَةٌ وَفَضْلُهُ وَالْوَاضِعْ ... وَالِاسْمُ الِاسْتِمْدَادُ حُكْمُ الشَّارِعْ
مَسَائِلٌ وَالْبَعْضُ بِالْبَعْضِ اكْتَفَى ... وَمَنْ دَرَى الْجَمِيعَ حَازَ الشَّرَفَا
وأشار إلى أن بعضهم زاد مبدأً حادي عشر، وهو «شرف العلم».
المحور الثالث: حدّ علم أصول التخريج وموضوعه وثمرته
الحدّ: علم أصول التخريج هو «علمٌ بأصولٍ يُعرف بها عينُ الراوي والمروي، ومخرجُه، ومن أخرجه، وحالُ كلٍّ، ومرتبتُه بمفرده ومجموعه». وفصّل الشيخ مفردات التعريف:
- «أصول»: هي القواعد والضوابط التي يُبنى عليها غيرها، سواء كان البناء حسيًّا كبناء البيت على أساسه، أو معنويًّا كبناء الفقه على أصوله.
- «عين الراوي»: معرفة الطرق والأسانيد وتراجم الرواة.
- «المروي»: المتون بألفاظها المختلفة وزياداتها، وهل الزيادة صحيحة أو لا.
- «مخرجه»: مدار الحديث الذي تتفرع منه الطرق. ومثّل له بحديث «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»، فهو فرد في أوله عن عمر رضي الله عنه، ومداره على يحيى بن سعيد الأنصاري، ثم تفرّع عنه كما تتفرع الشجرة من جذع واحد.
- «من أخرجه»: من أخرج الحديث من الأئمة، كالبخاري ومسلم وأبي داود والنسائي.
- «حال كلٍّ ومرتبته بمفرده ومجموعه»: الحكم على كل طريق منفردًا، هل هو صحيح لذاته أو حسن لذاته أو ضعيف، ثم الحكم على الحديث بمجموع طرقه، هل يرتقي أو لا.
الموضوع: الراوي والمروي من حيث البحث فيهما. فيُبحث في الراوي عن طبقته ودرجته وسماعه ممن روى عنه، ويُبحث في المروي عن صحته، ووجود الشذوذ أو النكارة، واختلاف الألفاظ، وهل هو من مختلف الحديث.
الثمرة: صيانة السنة النبوية وحفظها مما ليس منها. ولأجل هذه الغاية بذل الجهابذة جهودهم في البحث عن أحوال الرواة والمرويات، حتى لا يدخل في سنة رسول الله ﷺ ما ليس منها.
المحور الرابع: بقية المبادئ (النسبة، الفضل، الواضع، الاسم، الاستمداد، الحكم، المسائل، الشرف)
- النسبة: هو من العلوم الشرعية، ومنزلته من الحديث كمنزلة أصول الفقه من الفقه وأصول النحو من النحو، فهو الأصل الذي يُوصل إلى فقه حديث رسول الله ﷺ إسنادًا ومتنًا.
- الفضل: كل ما ورد في فضل السنة والحث على حفظها والذب عنها، فهو داخل في فضل هذا العلم، لأنه أصل لها، و«فضل الفرع فضل لأصله».
- الواضع: علماء الحديث.
- الاسم: أصول التخريج.
- الاستمداد: من علوم الحديث، ومن أبحاث العلماء التطبيقية في شروح الحديث. ومثّل الشيخ لذلك بشروط البخاري، فإنه لم ينص عليها، لكن العلماء استقرؤوا صنيعه فوجدوا له شروطًا زائدة على شروط الحديث الصحيح العامة.
- الحكم: فرض كفاية كسائر العلوم الشرعية، إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين، وإذا أهملته الأمة كلها أثمت جميعًا.
- المسائل: قضاياه المتعلقة بحال المتن والسند والمخرج ومن أخرجه، كالنظر في المحكم ومختلف الحديث والناسخ والمنسوخ، والمتواتر والمشهور، والصحيح لذاته ولغيره، والحسن، والضعيف، والمكذوب.
- الشرف: شرفه عظيم لشرف موضوعه، وهو ما يُنسب إلى النبي ﷺ، وشرف العلم بشرف المعلوم.
المحور الخامس: التخريج ليس مجرد العزو، والتحذير من التقليد
نبّه الشيخ إلى أن أصول التخريج أعمّ من قول «أخرجه فلان وفلان»، فليس من عرف استخراج الحديث من الكتب عبر الفهارس صار مخرّجًا. بل لا بد من جمع الطرق، والنظر في أحوال الرواة والمرويات، ومعرفة المخرج والدرجة، والبحث عن المعارض، مع الجدّ والتعب حتى تتكوّن الملكة. ونقل قول الذهبي في مواضع كثيرة: «الإسناد نظيف والمتن منكر»، دليلًا على أن صحة السند لا تستلزم دائمًا صحة المتن.
وانتقد حال بعض الطلبة الذين إذا وجدوا حكم الشيخ الألباني نقلوه، وإذا لم يجدوه توقفوا عاجزين. وبيّن أن الشيخ الألباني رحمه الله إمام في هذا الشأن، لكنه غير معصوم، فقد يضعّف حديثًا ثم يحسّنه بعد سنوات بمجموع طرقه، أو العكس. وأخطاؤه نقطة في بحر صوابه، واستشهد بالمثل المأخوذ من الحديث: «إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ». وذكر أن مما اختص الله به الشيخ الألباني اطلاعه على مخطوطات لم يطلع عليها أحد من أهل عصره.
وأورد ما حكاه ابن حزم رحمه الله عن شيخ كان لا يفتي إلا تبعًا لغيره ويقول: «القول ما قاله الشيخ»، فلما سُئل عن فتوى اختلف فيها شيخان قال: «القول ما قاله الشيخان»، فقيل له: إنهما تناقضا، فقال: «أتناقض كما تناقضا». والعبرة أن المقلد ليس من أهل العلم. وقرر الشيخ أنه لا حرج على طالب العلم المؤهل أن يخالف بعد البحث والنظر، بشرط ألا يكون ذلك عن شهوة خفية في حب الخلاف والظهور.
وفي لطيفة لغوية فرّق الشيخ بين «الأَكْفَاء» جمع كُفْء وهو القادر المؤهل، و«الأَكِفَّاء» جمع كفيف وهو الأعمى، وذكر قصة خطيب أراد مدح الحاضرين فقال: «أكِفّاء» يريد «أكْفاء». وبيّن أن الغاية من هذه المجالس تخريج طلبة علم أكفاء قادرين على الحكم على الحديث بأنفسهم.
النقاط الرئيسية
- لكل فن مبادئ عشرة ينبغي معرفتها قبل الشروع فيه، وقد نظمها الصبّان في أبياته المشهورة، وزاد بعضهم مبدأ «الشرف».
- القاعدة الأصولية «الحكم على الشيء فرع عن تصوره» أساس منهجي في طلب العلم.
- علم أصول التخريج هو علم بأصول يُعرف بها عين الراوي والمروي، ومخرجه، ومن أخرجه، وحال كلٍّ، ومرتبته بمفرده ومجموعه.
- موضوعه الراوي والمروي، وثمرته صيانة السنة النبوية وحفظها مما ليس منها.
- هو للحديث بمنزلة أصول الفقه للفقه، ويُستمد من علوم الحديث وأبحاث العلماء التطبيقية في شروح الحديث.
- حكم تعلّمه فرض كفاية، وشرفه عظيم لتعلقه بسنة النبي ﷺ.
- التخريج الحقيقي دراسة ونقد للأسانيد والمتون، لا مجرد عزو إلى المصادر، ولا تقليد في التصحيح والتضعيف.
الفوائد والعبر
- البدء بالتصور قبل الحكم: على طالب العلم أن يعرف حقيقة العلم الذي يدرسه وموضوعه وثمرته قبل الخوض فيه، حتى يسير على بصيرة ويعرف غايته.
- الحذر من العلوم الوافدة: ينبغي التثبت عند دراسة النظريات الفلسفية والنفسية المخالفة للشرع، لأنها قد تورث سوء الظن بالخلق وتفسد التصور.
- الجد في تحصيل الملكة: لا يغني الاعتماد على الفهارس والبرامج عن جمع الطرق ودراسة أحوال الرواة بصبر وتعب، فبذلك تتكوّن الملكة الحديثية.
- الإنصاف مع العلماء: نعرف للأئمة قدرهم كالشيخ الألباني رحمه الله، ولا نعتقد عصمتهم، ونخالف عند ظهور الدليل بأدب، بعيدًا عن حب الخلاف والظهور.
- الإخلاص في خدمة السنة: تذكُّر أن غاية هذا العلم صيانة سنة رسول الله ﷺ يجعل طالب العلم يحتسب جهده عبادة وقربة، ويستحضر فضل الذب عن السنة.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات