شرح كتاب "الشريعة " للإمام للآجري (33) شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس الثالث والثلاثون من شرح كتاب «الشريعة» للإمام أبي بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله، يشرحه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. ويتناول المجلس «كتاب التصديق بالدجال وأنه خارج في هذه الأمة»، وتحديدًا باب استعاذة النبي ﷺ من فتنة المسيح الدجال وتعليمه أمته أن تستعيذ بالله منها. وفتنة الدجال أعظم فتنة منذ خلق الله السماوات والأرض إلى قيام الساعة.
يبيّن الشيخ صفة الدجال وعلاماته، وسبب تسميته بالمسيح، وطبيعة الفتنة التي يأتي بها. ويشرح الأحاديث التي ساقها الإمام الآجري بأسانيده في التعوذ من عذاب جهنم وعذاب القبر وفتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال. ويربط ذلك بواقع الناس اليوم وفتنهم في الدنيا والمال والنساء.
ويهدف المجلس إلى أمور منها: ترسيخ عقيدة أهل السنة في الإيمان بخروج الدجال، والمحافظة على الأدعية النبوية الواقية من الفتن، والاستعداد للقبر والآخرة، والتحذير من المظالم وحقوق العباد، والحث على الصبر والثبات وسؤال الله العصمة.
المحور الأول: حقيقة المسيح الدجال وصفته وعلاماته
يبيّن الشيخ أن لقب «المسيح» يُطلق على اثنين. الأول عيسى ابن مريم عليه السلام، وهو مسيح الهدى، سُمّي بذلك لأنه كان يمسح ذا العاهة فيبرأ بإذن الله. والثاني الدجال، وهو مسيح الضلالة، سُمّي بذلك لأن إحدى عينيه ممسوحة. فبين الاسمين اشتراك في اللفظ، وبين المسمَّيين ما بين الهدى والضلال.
ومن أظهر الأدلة على كذبه أنه يدّعي الألوهية وهو أعور، لا يستطيع أن يصلح عيبًا في أشرف ما في وجهه وهو عينه. فكيف يكون إلهًا من يعجز عن علاج نفسه؟ ومن علاماته الظاهرة أنه مكتوب بين عينيه «كافر»، يقرؤها كل مؤمن، كاتبًا كان أو غير كاتب.
ومن أعظم أسباب العصمة منه حفظ الآيات الأولى من سورة الكهف وقراءتها، كما أرشد النبي ﷺ:
«مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْكَهْفِ عُصِمَ مِنَ الدَّجَّالِ» (رواه مسلم).
المحور الثاني: طبيعة فتنة الدجال وأتباعه
فتنة الدجال فتنة شبهات وشهوات وأرزاق. يأتي القوم فيدعوهم فيستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت، وكل ذلك بإذن الله ابتلاءً وامتحانًا. ويأتي القوم فيردّون عليه قوله، فيصبحون مُمْحِلين ليس بأيديهم شيء، وتمتنع عنهم الألبان والزروع بعد أن كانت عندهم.
ويقارن الشيخ بين ذلك وحال الناس اليوم، إذ يختلفون ويتصارعون على دراهم معدودة. فكيف بهم إذا جاءهم الدجال بالمطر والنبات والطعام؟ فالمعصوم من عصمه الله، والموفَّق من وفّقه الله.
وأكثر أتباعه اليهود، وقد أخبر النبي ﷺ أنه يتبعه من يهود أصبهان سبعون ألفًا عليهم الطيالسة، كما في صحيح مسلم. ونبّه الشيخ إلى أن بعض المنتسبين إلى الإسلام قد يُفتَنون به ويرتدّون، وكذلك من النساء. أما المؤمن المعتصم بالله فلا يتبعه.
ومما يدل على أن خروجه قد اقترب أن الناس قلّ ذكرهم له حتى كادوا ينسونه. ومن السلف من قال إنه لا يخرج حتى يترك الأئمة ذكره على المنابر.
المحور الثالث: الأدعية النبوية في الاستعاذة من الفتن
ساق الإمام الآجري بأسانيده جملة من الأحاديث في تعوّذ النبي ﷺ من الدجال وأمره أمته بذلك. ومنها حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ كان يدعو:
«اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ النَّارِ وَعَذَابِ النَّارِ، وَفِتْنَةِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ، وَشَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى، وَشَرِّ فِتْنَةِ الْفَقْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ وَالْهَرَمِ، وَالْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ» (متفق عليه).
ومنها حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الأمر بالتعوذ من أربع بعد التشهد الأخير قبل السلام:
«إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ الْآخِرِ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ: مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ» (رواه مسلم).
وبيّن الشيخ أن فتنة الغنى الطغيان والبطر، وفتنة الفقر الجزع والتسخط. وأن خير الأحوال الكفاف مع القناعة، لقوله ﷺ:
«قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ» (رواه مسلم).
ونقل الشيخ قول الإمام الآجري رحمه الله: إذا كان النبي ﷺ، وهو سيد الخلق، يلجأ إلى الله ويعتصم به من فتنة الدجال، فنحن أحوج إلى ذلك. فينبغي لكل مسلم أن يحذر هذه الفتنة ويستعيذ بالله من زمانها، لأنه زمان صعب. ثم ذكر الآجري أثرًا فيه «قد أكل الطعام ومشى في الأسواق»، ونبّه الشيخ على ضعف إسناده لأن فيه علي بن زيد بن جدعان.
المحور الرابع: الاستعداد للقبر والآخرة والتحذير من المظالم
يذكّر الشيخ بأن القبر حفرة يدخلها العبد وحده، لا أب ولا أم ولا أخ ولا زوجة ولا عشيرة. ولا ينفعه فيها إلا عمله الصالح. ويأتيه ملكان أسودان أزرقان فيسألانه: من ربك؟ وما دينك؟ وما تقول في الرجل الذي بُعث فيكم؟ والأسئلة معروفة، لكن الإجابة لا تكون إلا بتوفيق الله. أما المخذول فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته.
وحذّر الشيخ من أن يلقى العبد ربه وعليه مظالم لأحد، أو ديون لم يؤدها. فأن يُظلَم المرء في الدنيا خير له من أن يلقى الله ظالمًا. قال تعالى:
﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: 18].
وبيّن الشيخ قِصَر الدنيا مهما طالت، قال تعالى:
﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ [المؤمنون: 112-113].
وذكّر بشدة عذاب النار، قال تعالى:
﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: 56].
وأكد أن الاستعاذة لا تكون باللسان وحده، بل باللسان والاعتقاد والعمل. فلا يصح أن يقول العبد «أعوذ بالله من عذاب القبر» ثم يقيم على المعاصي.
المحور الخامس: الثبات عند الفتن وحقيقة «في سبيل الله»
حذّر الشيخ من الاغترار بالنفس وادعاء الثبات، كقول بعضهم: «لو لقيت الدجال لفعلت به كذا». واستشهد بقصة حذيفة بن اليمان رضي الله عنه ليلة الأحزاب. قال قائل من التابعين: لو أدركنا رسول الله ﷺ ما تركناه يمشي على الأرض. فقال حذيفة: لقد رأيتنا ليلة الأحزاب، في ريح شديدة وبرد شديد، والنبي ﷺ يقول: «من يأتيني بخبر القوم وله الجنة»، فما قام أحد، حتى كررها ثلاثًا. فلم يجد بُدًّا لما سماه رسول الله ﷺ. فذهب، فكان يمشي كأنما يمشي في حمّام دافئ حتى رجع.
واستفاد الشيخ من القصة أن من خرج لنصرة الدين وطاعة الله كان في سبيل الله، ولو لم يحمل سلاحًا. فطالب العلم، والداعي إلى الخير، ومن خرج لكلمة طيبة يسمعها أو يبلغها، كلهم في سبيل الله، والله يثبّتهم ويربط على قلوبهم.
والمسلم لا يتعرّض للفتن ولا يتمناها. فإن ابتُلي بها صبر واحتسب، وأخذ بالأسباب، وسأل الله الثبات، فإن أجر الصابرين عظيم، قال تعالى:
﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10].
ومن الدعاء الذي ذكره الشيخ التعوذ من «الحَوْر بعد الكَوْر»، أي الرجوع والنقصان بعد الاستقامة والزيادة.
النقاط الرئيسية
- فتنة المسيح الدجال أعظم فتنة منذ خلق الله آدم إلى قيام الساعة، والإيمان بخروجه من عقيدة أهل السنة.
- سُمّي عيسى عليه السلام مسيحًا لأنه كان يمسح ذا العاهة فيبرأ، وسُمّي الدجال مسيحًا لأن عينه ممسوحة. وعَوَره دليل ظاهر على كذب دعواه الألوهية.
- مكتوب بين عيني الدجال «كافر» يقرؤه كل مؤمن، وحفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصمة منه.
- تكون فتنته بالأرزاق: يأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت لمن أطاعه، ويُمحِل من عصاه. وأكثر أتباعه من اليهود.
- من السنة التعوذ بعد التشهد الأخير من أربع: عذاب جهنم، وعذاب القبر، وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال.
- الاستعاذة الصادقة تكون باللسان والاعتقاد والعمل معًا، لا بالقول وحده.
- يجب الحذر من المظالم والديون قبل لقاء الله، والاستعداد للقبر وسؤال الملكين بالعمل الصالح.
الفوائد والعبر
- المحافظة في كل صلاة على دعاء التعوذ من الأربع بعد التشهد الأخير، وتعليمه للأهل والأولاد.
- حفظ العشر الآيات الأولى من سورة الكهف ومداومة قراءتها، فهي حصن من فتنة الدجال.
- الحذر من فتنة المال والدنيا والنساء، والرضا بالكفاف مع القناعة، فهو سبيل الفلاح.
- التحلل من المظالم وأداء الديون والحقوق قبل الموت، فالقبر لا ينفع فيه إلا العمل الصالح.
- ترك الاغترار بالنفس وادعاء الثبات، مع دوام سؤال الله العصمة والتوفيق، والصبر عند البلاء، واحتساب طلب العلم والدعوة إلى الخير في سبيل الله.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات