شرح كتاب "الشريعة " للإمام الآجري (43) شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس الثالث والأربعون من سلسلة شرح كتاب «الشريعة» للإمام أبي بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله، يقدّمه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. ويتناول المجلس بابين من أبواب العقيدة المتعلقة بالصحابة رضي الله عنهم. الأول باب الشهادة للعشرة المبشرين بالجنة، والثاني باب خلافة الخلفاء الراشدين الأربعة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم.
ولهذا الموضوع أهمية بالغة في معتقد أهل السنة والجماعة. فالموقف من الصحابة رضي الله عنهم من أبرز ما يميّز أهل السنة عن الفرق المنحرفة كالروافض والنواصب. ومحبة الصحابة والشهادة لمن شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة والإقرار بترتيب خلافتهم أصول ثابتة دلّ عليها الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين لهم بإحسان.
ويهدف هذا الدرس إلى تعريف المشاهد بالعشرة المبشرين بالجنة وأدلة الشهادة لهم، وبيان منهج أهل السنة الوسط بين الغلو والجفاء، وإثبات خلافة الخلفاء الراشدين بالأدلة الشرعية، ثم توضيح حقوق ولاة الأمور على الرعية وما يجب من السمع والطاعة لهم في غير معصية الله.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: منهج أهل السنة في الصحابة بين الروافض والنواصب
قرر الإمام الآجري رحمه الله أنه يجب على كل مسلم عقل عن الله عز وجل وصانه من مذاهب الرافضة والناصبة أن يشهد لمن شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة. وبيّن الشيخ أن الروافض هم الذين رفضوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكفّروهم وأبغضوهم بدعوى التعصب لعلي رضي الله عنه. وهم في الحقيقة خالفوا عليًّا نفسه، لأنه كان يتولى الصحابة ويرضى عنهم.
أما النواصب فهم الذين نصبوا العداوة لأبي الحسن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكانت نشأتهم في بلاد الشام. وأهل السنة وسط بين الطائفتين، فهم يحبون جميع الصحابة ويتولّونهم، ويحبون أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه أمهات المؤمنين رضي الله عنهم أجمعين.
وقد ضمن الله عز وجل للصحابة في كتابه ألا يخزيهم، وأن يتم لهم نورهم يوم القيامة، وأخبر أنه رضي عنهم ورضوا عنه، وأعدّ لهم جنات تجري تحتها الأنهار. ومن ذلك قوله تعالى:
﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: 29]
﴿رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 100]
المحور الثاني: العشرة المبشرون بالجنة وأدلة الشهادة لهم
العشرة المبشرون بالجنة هم: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وأبو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنهم. وهم خيرة الصحابة على الإطلاق، ومن أهل الجنة بشهادة الله تعالى وشهادة رسوله صلى الله عليه وسلم.
وساق الإمام الآجري أحاديث كثيرة في ذلك، منها حديث حراء. فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم على جبل حراء ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر العشرة، فتحرك الجبل، فقال عليه الصلاة والسلام:
«اسْكُنْ حِرَاءُ، فَمَا عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ»
فسكن الجبل. ونبّه الشيخ إلى أن هذا الجبل جماد أصمّ، ومع ذلك عقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره فسكن وثبت، وفي هذا دلالة من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام. وذكر الإمام أن للحديث طرقًا كثيرة يكتفي ببعضها، ونبّه الشيخ على أن إحدى الروايات فيها النضر الخزاز، وهو ضعيف جدًا.
ومن الأدلة أيضًا حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«أَبُو بَكْرٍ فِي الْجَنَّةِ، وَعُمَرُ فِي الْجَنَّةِ، وَعُثْمَانُ فِي الْجَنَّةِ، وَعَلِيٌّ فِي الْجَنَّةِ، وَطَلْحَةُ فِي الْجَنَّةِ، وَالزُّبَيْرُ فِي الْجَنَّةِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي الْجَنَّةِ، وَسَعْدٌ فِي الْجَنَّةِ، وَسَعِيدٌ فِي الْجَنَّةِ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ فِي الْجَنَّةِ»
ويتميز هذا الحديث بذكر أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه، أمين هذه الأمة، الذي لم يُذكر في روايات حديث حراء.
المحور الثالث: قصة سعيد بن زيد وفقه التحدث بنعمة الله
ذكر الإمام الآجري قصة سعيد بن زيد رضي الله عنه حين قدم الكوفة ودخل على المغيرة بن شعبة رضي الله عنه وهو أميرها، فأجلسه بجنبه. فشهد سعيد بن زيد للتسعة أنهم في الجنة، ثم قال إنه لو شاء لسمّى العاشر. فلما أُلحّ عليه قال: أنا، يعني نفسه رضي الله عنه.
واستنبط الشيخ من هذه القصة أن الإنسان إذا خُصّ بخصلة من الخير فأظهرها ونشرها بين الناس لمصلحة شرعية، فليس ذلك من الفخر والتعالي، بل هو من التحدث بنعمة الله. ومن ذلك من وهبه الله علمًا شرعيًا أو غيره فيظهره ويعلّمه الناس، ولو كان في ذلك تزكية لنفسه ما دام القصد صالحًا.
المحور الرابع: إثبات خلافة الخلفاء الراشدين الأربعة
عقد الإمام الآجري بابًا في ذكر خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم. وبيّن أن خلافتهم ثابتة في كتاب الله، وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي أقوال الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وأنه لا يجوز للمسلم العاقل أن يشك فيها. ومن أدلة القرآن قوله تعالى:
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: 55]
وأولى الناس بهذه الآية هم الخلفاء الأربعة، فهم من أوائل من أسلم وجاهد وضحّى. وقد أنجز الله لهم وعده، فمكّن لهم في البلاد، وفتح على أيديهم الفتوح، وأذلّ بهم الكفار، ودخل في الإسلام بسببهم خلق كثير. وقاتل أبو بكر رضي الله عنه أهل الردة، وقاتل علي رضي الله عنه الخوارج الذين كفّروا الصحابة واستحلوا دماءهم.
ومن أدلة السنة حديث سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«الْخِلَافَةُ فِي أُمَّتِي ثَلَاثُونَ سَنَةً، ثُمَّ مُلْكٌ بَعْدَ ذَلِكَ»
وقد حسبها الصحابي سفينة رضي الله عنه، فخلافة أبي بكر سنتان، وعمر عشر، وعثمان اثنتا عشرة، وعلي ست، فكان مجموعها ثلاثين سنة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم. ويؤيد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:
«عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ»
وذكر الإمام كذلك حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما في وصف أبي بكر بأنه لا يلبث بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا قليلًا، ووصف عمر بأنه يعيش حميدًا ويموت شهيدًا. وذكر وصية النبي صلى الله عليه وسلم لعثمان رضي الله عنه ألا يخلع القميص الذي كساه الله إياه إذا أراده الناس على خلعه، أي الخلافة.
المحور الخامس: حقوق ولاة الأمور بعد الخلفاء الراشدين
بيّن الإمام الآجري أن الخلافة وليها بعد الخلفاء الأربعة خلق كثير. فمنهم من عدل فأجره على الله، ومنهم من قصّر وجار، وقد وردوا جميعًا على الله أحكم الحاكمين.
وقد أُمرنا بالسمع والطاعة لولاة الأمور في غير معصية الله، فإن أمروا بمعصية فلا طاعة لهم فيها، دون أن يكون ذلك خروجًا عليهم. وأُمرنا بالصلاة خلفهم، والجهاد والحج معهم برّهم وفاجرهم، عادلهم وجائرهم. ولا نخرج عليهم، بل نصبر على ظلمهم حتى يفرّج الله عز وجل، إما بتوبتهم، أو بأن يبدّل الله الحال، أو بغير ذلك مما يقضيه سبحانه.
النقاط الرئيسية
- الشهادة للعشرة المبشرين بالجنة واجبة على كل مسلم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم شهد لهم بها.
- أهل السنة وسط بين الروافض الذين كفّروا الصحابة والنواصب الذين عادوا عليًّا رضي الله عنه.
- في حديث سكون جبل حراء بأمر النبي صلى الله عليه وسلم شهادة للصحابة بالصدّيقية والشهادة، ودليل من دلائل النبوة.
- إظهار الإنسان ما خصّه الله به من الخير لمصلحة شرعية من التحدث بنعمة الله، وليس من الفخر المذموم.
- خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، ولا يجوز الشك فيها.
- الخلافة على منهاج النبوة ثلاثون سنة، وهي مدة حكم الخلفاء الراشدين الأربعة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم.
- يجب السمع والطاعة لولاة الأمور في غير معصية الله، مع ترك الخروج عليهم والصبر على جورهم.
الفوائد والعبر
- محبة الصحابة سبيل إلى مرافقتهم: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ». وقد فرح الصحابة بهذا الحديث فرحًا عظيمًا. فمن أحب الله ورسوله وأصحابه صادقًا رُجي له أن يُحشر معهم، وإن لم يبلغ عمله عملهم.
- سلامة القلب واللسان تجاه الصحابة: على المسلم أن يحفظ قلبه ولسانه من الطعن في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته وأزواجه، وأن يتولّاهم جميعًا ويترضّى عنهم.
- نشر الخير ليس رياءً: من آتاه الله علمًا أو فضلًا فلا يكتمه خشية التزكية، بل ينشره بنية صالحة على سبيل التحدث بنعمة الله ونفع الناس.
- التمسك بسنة الخلفاء الراشدين: الاقتداء بهديهم والعضّ عليه بالنواجذ عصمة من البدع والفرق والأهواء.
- حفظ الجماعة ودرء الفتن: لزوم السمع والطاعة لولاة الأمور بالمعروف، والصبر على ما يُكره منهم، وترك الخروج عليهم، فيه صيانة لدماء المسلمين واستقرار لمجتمعاتهم.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات