شرح كتاب "الشريعة " للإمام الآجري (7) شرح فضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

3,214 مشاهدة
172 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس السابع من مجالس شرح كتاب «الشريعة» للإمام أبي بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله، يشرحه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. ويتناول المجلس بابًا عظيمًا من أبواب الاعتقاد عنوانه: «باب التحذير من طوائف تعارض سنن النبي ﷺ بكتاب الله تعالى، وشدة الإنكار على هذه الطبقة». وهذا الباب يتصدى لفتنة قديمة متجددة، وهي دعوى الاكتفاء بالقرآن وردّ السنة النبوية.

ويقرر الشيخ في هذا المجلس أن السنة وحي من الله كما أن القرآن وحي، وأن الوحي لا يُضرب بعضه ببعض، بل يصدّق بعضه بعضًا. ويبين أن من يعارض السنة إنما يعارضها بفهمه القاصر للآيات، لا بالقرآن نفسه. ويستدل على ذلك بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية والآثار السلفية التي ساقها الإمام الآجري بأسانيده.

ومن أهداف هذا الدرس:

  • ترسيخ عقيدة حجية السنة النبوية ومكانتها في التشريع.
  • بيان أن السنة مفسِّرة للقرآن ومفصِّلة لمجمله.
  • كشف شبهات من يدّعون الاكتفاء بالقرآن.
  • تحصين المسلم من هذه الفتنة.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: السنة وحي من الله، والوحي لا يتعارض

يقرر الشيخ أن سنة رسول الله ﷺ وحي من الله تعالى كما أن القرآن وحي. ويختص القرآن بأنه معجز ويُتعبَّد بتلاوته في الصلاة، لكن كليهما من عند الله. والوحي يُعمل به جميعًا ولا يتجزأ، فالقرآن لا يتعارض، والسنة لا تتعارض، والكتاب والسنة لا يتعارضان. وهذا مما يجب اعتقاده.

أما من يضرب حديث النبي ﷺ بفهمه القاصر لبعض الآيات، فهو من الذين يتبعون المتشابه وينحرفون عن الصراط المستقيم. ولذلك يجب التحذير منه والإنكار عليه. وأعلم الخلق بتفسير كلام الخالق هو سيد الخلق محمد ﷺ.

ويرى الشيخ أن «الذكر» في آية سورة النحل الآتية هو السنة، وينسب هذا القول إلى البخاري وابن العربي وابن حزم. فالمعنى أن الله أنزل على نبيه السنة ليبيّن بها القرآن الذي نُزِّل إلى الناس.

قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: 44]

المحور الثاني: القرآن جاء بالأصول المجملة والسنة جاءت بالتفصيل

نقل الشيخ قول الإمام الآجري: يقال لمن يقول «لا أقبل إلا ما كان في كتاب الله»: يا جاهل، إن الله أنزل فرائضه جملة، وأمر نبيه ﷺ أن يبيّن للناس ما نُزِّل إليهم. فالقرآن أمر بالصلاة والزكاة والحج، لكنه لم يذكر تفاصيلها.

ثم يسأل الشيخ: من أين علمنا هذه التفاصيل؟

  • في الصلاة: أن الفجر ركعتان، والظهر أربع، والعصر أربع، والمغرب ثلاث، والعشاء أربع. وأن القراءة يُجهر بها في ركعتي الفجر وأوليي المغرب والعشاء. وما يُقال في القيام والركوع والسجود وبين السجدتين.
  • في الزكاة: أن في مئتي درهم خمسة دراهم، وفي عشرين دينارًا نصف دينار، وفي أربعين شاة شاة، وفي خمس من الإبل شاة.
  • في الحج: البدء يوم التروية، ثم الوقوف بعرفة في اليوم التاسع، ثم الرمي والذبح والحلق، ثم طواف الإفاضة، ثم طواف الوداع.
  • في المعاملات والأحوال: أحكام النكاح والطلاق والخلع والبيوع والجهاد التفصيلية.

والجواب أن كل ذلك لا يُعلم إلا من السنة.

ويقرر الشيخ أن من ادعى الاكتفاء بالقرآن فقد خالف القرآن نفسه، لأن القرآن هو الذي أمر باتباع الرسول ﷺ. ويرى أن من ردّ السنة جملةً مخالف لإجماع الأمة، خارج عن ملة الإسلام، لأنه يريد هدم الدين باسم الدين.

قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: 43]
وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97]
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]

المحور الثالث: وجوب طاعة الرسول ﷺ والتحذير من مخالفته

أقام الله تعالى نبيه ﷺ مقام البيان عنه، وأمر الخلق بطاعته، ونهاهم عن معصيته. وقد فرض الله طاعته ﷺ في نيّف وثلاثين موضعًا من كتابه. وحذّر من خالف أمره من الفتنة في الدنيا أو العذاب الأليم في الآخرة. وفسّر الشيخ الفتنة هنا بأنها قد تصل بصاحبها إلى الشرك والكفر، والعياذ بالله.

وأقسم الله بنفسه الكريمة على نفي الإيمان عمّن لم يحكّم النبي ﷺ ويسلّم لحكمه تسليمًا تامًّا. ونبّه الشيخ إلى أن جسد النبي ﷺ ليس بيننا، لكن سنته وكلماته بيننا، وهي الحاكمة.

وذكر أن الإمام مالكًا رحمه الله نهى قومًا رفعوا أصواتهم عند قبر النبي ﷺ، واستدل بآية سورة الحجرات. فالنبي ﷺ موقَّر حيًّا وميتًا، ولا يجوز رفع الصوت عند قراءة حديثه.

قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: 7]
وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63]
وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65]
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: 2]

المحور الرابع: حفظ الله للسنة وخصيصة الإسناد في هذه الأمة

يقرر الشيخ أن السنة من الذكر الذي تكفّل الله بحفظه، وأنه لم يضِع على الأمة حديث واحد من كلام النبي ﷺ. والفرق أن القرآن محفوظ بين دفتي المصحف، أما السنة فحفظها الله بالعلماء الربانيين. وفي ذلك حكمة، وهي أن يجتهد الناس ويتعبوا في طلبها، دراسةً وتدريسًا وتصحيحًا وتضعيفًا.

أما وجود الأحاديث الموضوعة فلا يقدح في ذلك. فقد وُجد وضّاعون وكذّابون، لكن الله هيّأ للأمة جهابذة من علماء الحديث ميّزوا الصحيح من السقيم، وغربلوا الغثّ من السمين.

والإسناد خصيصة لهذه الأمة. فاليهود والنصارى بينهم وبين أنبيائهم انقطاع يبلغ مئات السنين. أما المسلمون فما زال علماؤهم وكبار طلبة العلم يروون القرآن بقراءاته، والحديث بمتونه وأسانيده، بالإسناد المتصل إلى رسول الله ﷺ، عن جبريل عليه السلام، عن رب العزة سبحانه.

قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]

المحور الخامس: الأحاديث والآثار في ذم من ردّ السنة

ساق الإمام الآجري بأسانيده جملة من الأحاديث التي أخبر فيها النبي ﷺ بظهور هذه الطائفة وأنكر عليها:

  • حديث أبي رافع رضي الله عنه: فيه النهي عن ردّ أمر النبي ﷺ بحجة عدم وجوده في كتاب الله.
  • حديث أبي هريرة رضي الله عنه: فيه النهي عن أن يُقال لمن حدّث بحديث النبي ﷺ: «اتلُ به قرآنًا».
  • حديث المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه: فيه أن النبي ﷺ أوتي الكتاب ومثله معه، وأن ما حرّمه رسول الله ﷺ كما حرّم الله.

ومن الآثار التي ساقها:

  • أثر عمران بن حصين رضي الله عنهما: قال لرجل: «إنك امرؤ أحمق، أتجد في كتاب الله الظهر أربعًا لا يُجهر فيها بالقراءة؟». ثم بيّن أن كتاب الله أحكم ذلك وأن السنة تفسّره. ونبّه الشيخ إلى أن في إسناده ضعفًا، لكن معناه صحيح.
  • أثر سعيد بن جبير رحمه الله: أنكر على من عارض حديثًا بآية، وقال: «رسول الله ﷺ أعلم بكتاب الله تعالى».
  • أثر عبد الرحمن بن يزيد: رأى محرمًا عليه ثيابه فنهاه، فطلب المحرم آية تأمره بنزعها. فقرأ عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾، ومما أتى به الرسول ﷺ ترك لبس المخيط في الإحرام.
  • أثر عمر بن الخطاب رضي الله عنه: بدأ الشيخ بقراءته في ختام هذا المجلس، وفيه تحذيره من أناس يجادلون بشبه القرآن.

قال رسول الله ﷺ: «لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ، يَأْتِيهِ الْأَمْرُ مِنْ أَمْرِي، مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ، فَيَقُولُ: لَا نَدْرِي، مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ»
وقال ﷺ: «أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانُ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ، فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ، وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ»

النقاط الرئيسية

  • السنة النبوية وحي من الله كالقرآن، والكتاب والسنة لا يتعارضان أبدًا.
  • من عارض السنة إنما يعارضها بفهمه القاصر للقرآن، لا بالقرآن نفسه.
  • القرآن جاء بالأصول المجملة، والسنة جاءت بالتفسير والتفصيل والبيان.
  • أحكام الصلاة والزكاة والحج والمعاملات التفصيلية لا تُعرف إلا من السنة.
  • دعوى الاكتفاء بالقرآن مخالفة للقرآن نفسه الذي أمر باتباع الرسول ﷺ في أكثر من ثلاثين موضعًا.
  • السنة محفوظة بحفظ الله، والإسناد المتصل خصيصة لهذه الأمة دون غيرها.
  • أخبر النبي ﷺ بظهور من يردّ السنة متكئًا على أريكته، وأنكر عليه ذلك.

الفوائد والعبر

  • التسليم لحكم النبي ﷺ: على المسلم أن يتلقى ما صحّ عن النبي ﷺ بالقبول والتسليم التام، دون أن يجد في نفسه حرجًا منه.
  • الرجوع إلى أهل العلم: يُرجع إلى العلماء في فهم النصوص وتصحيح الأحاديث، عملًا بقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
  • الحذر من القرآنيين: ينبغي الحذر من دعاة الاكتفاء بالقرآن، والإنكار عليهم، وتحذير الناس من شبهاتهم.
  • توقير حديث النبي ﷺ: من الأدب ألا يُرفع الصوت عند قراءة حديثه ﷺ، فهو موقَّر حيًّا وميتًا.
  • الاعتزاز بالإسناد والاجتهاد في طلب العلم: على المسلم أن يعتز بنعمة الإسناد الذي حفظ الله به دينه، وأن يجتهد في طلب علم الحديث، فبذلك حفظ الله السنة.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات