شرح كتاب "الشريعة " للإمام الآجري (49) شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.

2,168 مشاهدة
356 مشاركة
منذ 7 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس التاسع والأربعون من شرح كتاب «الشريعة» للإمام أبي بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله، يقدّمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري حفظه الله. وكتاب «الشريعة» من أمهات كتب الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة. وقد عقد فيه مؤلفه أبوابًا في فضائل الصحابة رضي الله عنهم، ومنهم الخلفاء الراشدون، ليقرّر عقيدة السلف في محبتهم ومعرفة منزلتهم والرد على من طعن فيهم.

ويتناول هذا المجلس آثارًا تتعلق بخبر مقتل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه. فيعرض قصة استشهاده كما رواها عمرو بن ميمون، ومحاسبته لعمّاله وحرصه على الرعية حتى آخر لحظات حياته. ويعرض أيضًا جعله الأمر شورى في الستة الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راضٍ، ووصيته الجامعة للخليفة من بعده.

ومن أهداف هذا الدرس: ترسيخ محبة الفاروق رضي الله عنه في قلوب المسلمين، ومعرفة ما كان عليه من الخوف من الله والعدل والزهد مع علوّ منزلته. ومنها كذلك فهم منهج الصحابة في الشورى واختيار الخليفة، واستخلاص الدروس في الإدارة والرحمة بالرعية والوفاء بالعهود.

تنبيه: النص المفرغ آليًا لهذا المجلس مشوَّه في أكثر مواضعه. لذلك اقتصر هذا الوصف على المعاني والموضوعات التي يمكن تمييزها بوضوح، ووُثّقت نصوصها من رواياتها الصحيحة المعروفة، ولا يحيط الوصف بكل ما ورد في الدرس من شرح وتعليق.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: حرص عمر رضي الله عنه على الرعية ومحاسبته لعمّاله

يتناول الدرس ما رواه عمرو بن ميمون أن عمر رضي الله عنه، قبل أن يُصاب بأيام، لقي حذيفة بن اليمان وعثمان بن حُنيف رضي الله عنهما. وكان قد بعثهما لمساحة أرض السواد بالعراق ووضع الخراج عليها، فسألهما عن عملهما، وخشي أن يكونا قد حمّلا الأرض وأهلها فوق طاقتهم.

وفي هذا الخبر صورة مشرقة لعدل الفاروق ومراقبته لولاته، وشفقته على الضعفاء والأرامل. فقد عزم أن يُغنيهم حتى لا يحتاجوا إلى أحد بعده، وهذا من أعظم صفات الإمام العادل.

قال عمر رضي الله عنه: «كَيْفَ فَعَلْتُمَا؟ أَتَخَافَانِ أَنْ تَكُونَا قَدْ حَمَّلْتُمَا الأَرْضَ مَا لَا تُطِيقُ؟» قَالَا: «حَمَّلْنَاهَا أَمْرًا هِيَ لَهُ مُطِيقَةٌ، مَا فِيهَا كَبِيرُ فَضْلٍ». فقال: «لَئِنْ سَلَّمَنِي اللَّهُ لَأَدَعَنَّ أَرَامِلَ أَهْلِ العِرَاقِ لَا يَحْتَجْنَ إِلَى رَجُلٍ بَعْدِي أَبَدًا». (رواه البخاري)

وقال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286].

المحور الثاني: قصة استشهاد الفاروق رضي الله عنه

يعرض الدرس قصة طعن عمر رضي الله عنه وهو يصلي بالناس صلاة الفجر. طعنه أبو لؤلؤة المجوسي غلام المغيرة بن شعبة، وطعن معه عددًا من المصلين. فلما علم عمر أن قاتله ليس من المسلمين حمد الله على ذلك. ثم سُقي فخرج ما شربه من جرحه، فعلم الناس أنه ميت.

وتُظهر القصة عظيم خوف عمر من الله تعالى مع ما شهد له به النبي ﷺ. فلما أثنى عليه ابن عباس رضي الله عنهما بصحبته لرسول الله ﷺ ولأبي بكر رضي الله عنه، ردّ ذلك كله إلى منّة الله عليه، وتمنى أن ينجو كفافًا لا له ولا عليه.

قال عمر رضي الله عنه: «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَجْعَلْ مِيتَتِي بِيَدِ رَجُلٍ يَدَّعِي الإِسْلَامَ». وقال: «وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ لِي طِلَاعَ الأَرْضِ ذَهَبًا لَافْتَدَيْتُ بِهِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَبْلَ أَنْ أَرَاهُ». (رواه البخاري)

وقد بشّره النبي ﷺ بالشهادة فقال: «اثْبُتْ أُحُدُ، فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ». (رواه البخاري)

المحور الثالث: الشورى في الستة وحرص عمر على وحدة الأمة

من أبرز ما يتناوله المجلس أن عمر رضي الله عنه جعل الخلافة شورى في ستة من كبار الصحابة، وهم: علي، وعثمان، والزبير، وطلحة، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم. وعلّل ذلك بأن رسول الله ﷺ توفي وهو عنهم راضٍ.

وفي هذا دليل على فقه عمر وحكمته في سدّ أبواب الفتنة والخلاف. وفيه أيضًا ردّ على من زعم أن الصحابة تنازعوا الأمر طمعًا في الدنيا، فقد كان أمرهم قائمًا على الشورى وتقديم مصلحة الأمة.

قال عمر رضي الله عنه: «مَا أَجِدُ أَحَدًا أَحَقَّ بِهَذَا الأَمْرِ مِنْ هَؤُلَاءِ النَّفَرِ، أَوِ الرَّهْطِ، الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ». (رواه البخاري)

وقال الله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: 38].

المحور الرابع: وصية عمر الجامعة للخليفة من بعده

أوصى عمر رضي الله عنه الخليفة من بعده بفئات الأمة كلها:

  • بالمهاجرين الأولين: أن يعرف لهم حقهم ويحفظ حرمتهم.
  • بالأنصار خيرًا: أن يقبل من محسنهم ويعفو عن مسيئهم.
  • بالأعراب خيرًا: لأنهم أصل العرب ومادة الإسلام.
  • بأهل الذمة: أن يُوفى لهم بعهدهم ولا يُكلَّفوا فوق طاقتهم.

وهذه الوصية دستور جامع في سياسة الأمة بالعدل وحفظ الحقوق ورعاية الضعفاء. وهي تدل على أن عمر رضي الله عنه بقي مشغولًا بأمر المسلمين وهو على فراش الموت.

قال رضي الله عنه: «أُوصِي الخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِي بِالمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ، أَنْ يَعْرِفَ لَهُمْ حَقَّهُمْ، وَيَحْفَظَ لَهُمْ حُرْمَتَهُمْ، وَأُوصِيهِ بِالأَنْصَارِ خَيْرًا، الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ، أَنْ يُقْبَلَ مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَأَنْ يُعْفَى عَنْ مُسِيئِهِمْ... وَأُوصِيهِ بِذِمَّةِ اللَّهِ وَذِمَّةِ رَسُولِهِ ﷺ أَنْ يُوفَى لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَأَنْ يُقَاتَلَ مِنْ وَرَائِهِمْ، وَلَا يُكَلَّفُوا إِلَّا طَاقَتَهُمْ». (رواه البخاري)

وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ [الحشر: 9].

المحور الخامس: استئذانه عائشة رضي الله عنها في الدفن مع صاحبيه

أرسل عمر رضي الله عنه ابنه عبد الله إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها يستأذنها أن يُدفن مع صاحبيه: رسول الله ﷺ وأبي بكر الصديق رضي الله عنه. وأمره ألا يقول «أمير المؤمنين»، تواضعًا منه وورعًا، فأذنت له وآثرته على نفسها.

وفي ذلك بيان لمنزلة الشيخين وقربهما من رسول الله ﷺ حيًّا وميتًا. وفيه كذلك أدب الصحابة الرفيع في الاستئذان وحفظ الحقوق.

النقاط الرئيسية

  • عقد الإمام الآجري في كتاب «الشريعة» أبوابًا في فضائل الخلفاء الراشدين، تقريرًا لعقيدة أهل السنة في الصحابة.
  • حاسب عمر رضي الله عنه عمّاله وأشفق على الرعية حتى قبيل استشهاده بأيام.
  • استُشهد عمر في محرابه وهو يصلي الفجر بيد أبي لؤلؤة المجوسي، فحمد الله أن قاتله لم يكن مسلمًا.
  • اجتمع في عمر الخوف الشديد من الله مع البشارة بالشهادة والجنة، وهذا حال الصالحين.
  • جعل الخلافة شورى في ستة توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راضٍ.
  • جمعت وصيته للخليفة من بعده حقوق المهاجرين والأنصار والأعراب وأهل الذمة.
  • أذنت عائشة رضي الله عنها له بالدفن مع صاحبيه، وفي ذلك بيان لمنزلة الشيخين.

الفوائد والعبر

  • الجمع بين العمل والخوف: المؤمن يجتهد في الطاعة ولا يغترّ بعمله، بل يرى الفضل كله لله كما فعل الفاروق.
  • أداء الأمانة في المسؤولية: كل من تولى أمرًا، صغيرًا كان أو كبيرًا، مسؤول عن رعيته، فعليه أن يتفقدهم ولا يحمّلهم فوق طاقتهم.
  • الشورى منهج راشد: المشاورة وتقديم المصلحة العامة على الأهواء من أعظم أسباب جمع الكلمة ودفع الفتن.
  • محبة الصحابة عقيدة: معرفة سيرهم وفضائلهم تزيد المحبة لهم، وتحصّن المسلم من شبهات الطاعنين فيهم.
  • حسن الخاتمة ثمرة صدق الحياة: من عاش مهمومًا بأمر دينه وأمته رُجي له أن يُختم له بخير، كما خُتم لعمر بالشهادة في محرابه.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات