شرح كتاب "الشريعة " للإمام الآجري (44) شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.

4,643 مشاهدة
54 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الرابع والأربعون من شرح كتاب «الشريعة» للإمام أبي بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله، يشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. ويتناول المجلس بابين متصلين من أبواب الاعتقاد: أولهما في تمام الكلام على خلافة الصدّيق أبي بكر رضي الله عنه وإجماع الصحابة عليها، ومنهم أهل بيت النبوة. والثاني في ذكر خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأنه أحق الناس بها بعد أبي بكر، مع بيان جملة من فضائله.

والموضوع مهم لأن الكلام في الخلافة الراشدة وترتيب الخلفاء في الفضل من أصول عقيدة أهل السنة والجماعة، وبه يتميزون عن أهل الأهواء كالرافضة الذين طعنوا في بيعة الصديق ونسبوا إلى عليّ رضي الله عنه ما برّأه الله منه. ويعرض الإمام الآجري الآثار الصحيحة، ثم يرد الشبهات ردًّا علميًّا واضحًا.

ويهدف هذا الدرس إلى أن يعرف طالب العلم منزلة الشيخين رضي الله عنهما، وأن يفهم حقيقة ما جرى في سقيفة بني ساعدة، وأن يستطيع رد شبهات المخالفين في هذا الباب، وأن يزداد محبة لأصحاب رسول الله ﷺ وموالاة لهم جميعًا.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: وفاة الصديق رضي الله عنه وثناء عليّ رضي الله عنه عليه

ساق الإمام الآجري خبر وفاة أبي بكر رضي الله عنه، وفيه أن المدينة ارتجت بالبكاء كما ارتجت يوم قُبض النبي ﷺ. وجاء علي بن أبي طالب رضي الله عنه باكيًا مسترجعًا يقول: «اليوم انقطعت خلافة النبوة»، حتى وقف على باب البيت الذي سُجّي فيه الصديق، فأثنى عليه ثناءً عظيمًا.

ومما جاء في هذا الثناء: أنه كان أول القوم إسلامًا، وأخلصهم إيمانًا، وأشدهم يقينًا، وأخوفهم لله، وأحوطهم على رسول الله ﷺ، وأشبههم به هديًا وسمتًا. وأنه كان من النبي ﷺ بمنزلة السمع والبصر، صدّقه حين كذّبه الناس، وواساه حين بخلوا، وصحبه في الغار، وخلفه في أمته فأحسن الخلافة حين ارتد الناس، فقام بالأمر حين فشلوا وقوي حين ضعفوا.

وبيّن الشيخ أن هذا الأثر يهدم ما تدّعيه الرافضة من عداء بين عليّ وأبي بكر، أو بين أهل البيت وأمهات المؤمنين. فأهل السنة يعتقدون أنهم جميعًا أولياء الله ومن أهل الجنة.

وفي هذا الأثر استشهاد بقوله تعالى:

﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر: 33]

المحور الثاني: رضا عليّ رضي الله عنه بخلافة أبي بكر والرد على الرافضة

قرر الإمام الآجري أن من زعم أن عليًّا رضي الله عنه لم يرضَ بخلافة أبي بكر فقد افترى عليه، ونسب إليه ما برّأه الله منه. وأورد الشبهة القائلة إن عليًّا لم يبايع إلا بعد أشهر، ثم أجاب عنها بأن عليًّا رضي الله عنه أعقل وأجلّ قدرًا من أن يُنسب إليه ما تنسبه الرافضة، وأن المعروف عنه الرضا والتسليم لخلافة الصديق.

وبيّن أن أهل بيت رسول الله ﷺ كانوا يشهدون لأبي بكر بالخلافة والفضل. واستدل بأثر عبد الله بن جعفر الطيار رضي الله عنهما، وقد حسّن الشيخ إسناده:

«وَلِيَنَا أَبُو بَكْرٍ، فَخَيْرُ خَلِيفَةِ اللَّهِ، أَرْحَمُهُ بِنَا، وَأَحْنَاهُ عَلَيْنَا».

ثم ختم الإمام الآجري الباب بقوله: الحمد لله على رغم أنف كل رافضي مقرون ذليل، فقد برّأ الله عز وجل عليًّا رضي الله عنه مما نسبوه إليه من السوء.

المحور الثالث: بيعة السقيفة ومعنى قول عمر: «كانت بيعة أبي بكر فلتة»

أورد الإمام الآجري شبهة من احتج بقول عمر رضي الله عنه: «كانت بيعة أبي بكر فلتة»، وبيّن أن هذا القول مدح لتلك البيعة وليس ذمًّا لها. فقد اجتمع الأنصار بعد وفاة النبي ﷺ في سقيفة بني ساعدة، وقال قائل منهم: «منا أمير ومنكم أمير». ولو تم ذلك لكان فيه بلاء عظيم واختلاف للكلمة، إذ لا يجوز أن يقوم خليفتان في وقت واحد.

فوفّق الله عمر رضي الله عنه إلى جمع الكلمة، فقال كلمته المشهورة ثم بايع أبا بكر، فعلم الأنصار والمهاجرون أن الحق فيما فعل، فبايعوا جميعًا طائعين غير مكرهين. ومعنى «فلتة» أنها وقعت فجأة من غير تدبير سابق، ووقى الله المسلمين شرها، فلم يُسفك فيها دم ولم يختلف فيها الناس.

ومن الآثار في هذا المحور قول عمر رضي الله عنه:

«لَأَنْ أُقَدَّمَ فَتُضْرَبَ عُنُقِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَأَمَّرَ عَلَى قَوْمٍ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ».

وأثر ابن مسعود رضي الله عنه، وقد صحّح الشيخ إسناده، أن عمر قال يوم السقيفة:

«أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ؟ فَأَيُّكُمْ تَطِيبُ نَفْسُهُ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَبَا بَكْرٍ؟» فَقَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ نَتَقَدَّمَ أَبَا بَكْرٍ.

وأورد الإمام الآجري كذلك حديث عائشة رضي الله عنها في إرادة النبي ﷺ أن يكتب لأبي بكر كتابًا، ونبّه الشيخ على ضعف أحد رواته. ويغني عنه ما في صحيح مسلم من قوله ﷺ:

«ادْعِي لِي أَبَا بَكْرٍ أَبَاكِ وَأَخَاكِ حَتَّى أَكْتُبَ كِتَابًا، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ وَيَقُولُ قَائِلٌ: أَنَا أَوْلَى، وَيَأْبَى اللَّهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ».

المحور الرابع: استخلاف عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأنه أحق الناس بها بعد الصديق

قرر الإمام الآجري أن أحق الناس بالخلافة بعد أبي بكر هو عمر رضي الله عنه، لما جعل الله فيه من الخصال الشريفة. فقد عرف أبو بكر موضع عمر من الإسلام، وأن الله أعز به الدين، فاستخلفه نصحًا للأمة، وهو يعلم أن الله سائله عن ذلك. وهذا من النصيحة التي جاء بها الحديث:

«الدِّينُ النَّصِيحَةُ» قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: «لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» [رواه مسلم].

ولما خوّفه بعض الناس من غلظة عمر قال الصديق رضي الله عنه: «أَبِاللَّهِ تُخَوِّفُونِي؟ أَقُولُ: اللَّهُمَّ اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْهِمْ خَيْرَ أَهْلِكَ». قال الآجري: وصدق أبو بكر الصديق رضي الله عنه.

ومما استدل به من الأحاديث قوله ﷺ:

«اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي: أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ» [رواه الترمذي].

المحور الخامس: من فضائل الفاروق عمر رضي الله عنه

ذكر الإمام الآجري جملة من فضائل عمر رضي الله عنه. فمنها ثناء عليّ رضي الله عنه عليه، وقوله: «ما كنا نُبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر»، وتزويجه ابنته أم كلثوم منه. وبيّن الشيخ أن هذا التزويج يهدم دعوى الرافضة العداوة بينهما. وتأويلهم الخبيث له طعن في عليّ رضي الله عنه نفسه وفي شجاعته وغيرته.

ومنها قول ابن مسعود رضي الله عنه: «كَانَ إِسْلَامُ عُمَرَ عِزًّا، وَكَانَتْ هِجْرَتُهُ نَصْرًا، وَكَانَتْ إِمَارَتُهُ رَحْمَةً»، وقوله إنهم ما استطاعوا أن يصلّوا ظاهرين حتى أسلم عمر. ومنها قول ابن عباس رضي الله عنهما إن جبريل نزل فقال: لقد استبشر أهل السماء بإسلام عمر.

ومن الأحاديث التي ساقها في فضله:

  • «اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ بِأَحَبِّ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ إِلَيْكَ: بِأَبِي جَهْلٍ أَوْ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ» [رواه الترمذي].
  • «لَوْ كَانَ بَعْدِي نَبِيٌّ لَكَانَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ» [رواه الترمذي].
  • «إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ» [رواه الترمذي].
  • «قَدْ كَانَ يَكُونُ فِي الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ مُحَدَّثُونَ، فَإِنْ يَكُنْ فِي أُمَّتِي مِنْهُمْ أَحَدٌ فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ مِنْهُمْ» [رواه مسلم].

وختم الإمام الآجري بخطبة عليّ رضي الله عنه على منبر الكوفة في خلافته، وقد قالها والناس يسمعون فلم ينكر عليه أحد:

«خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ».

النقاط الرئيسية

  • أثنى عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه على أبي بكر رضي الله عنه يوم وفاته ثناءً عظيمًا، وهذا ينقض دعوى العداوة بينهما.
  • أجمع الصحابة على خلافة الصديق، ومنهم أهل البيت كعليّ والزبير وبني هاشم، وبايعوه طائعين غير مكرهين.
  • قول عمر «كانت بيعة أبي بكر فلتة» مدح لها، ومعناه أنها وقعت فجأة ووقى الله المسلمين شرها، فلم يُسفك فيها دم.
  • تقديم النبي ﷺ أبا بكر في الصلاة كان من أقوى ما احتج به الصحابة على تقديمه في الخلافة.
  • عمر بن الخطاب أحق الناس بالخلافة بعد أبي بكر، وكان استخلافه من نصح الصديق للأمة.
  • لعمر رضي الله عنه فضائل كثيرة: أعز الله به الإسلام، وجعل الحق على لسانه وقلبه، وكان محدَّثًا مُلهَمًا.
  • ترتيب الخلفاء في الفضل عند أهل السنة: أبو بكر ثم عمر، كما صرّح بذلك عليّ رضي الله عنه على منبر الكوفة.

الفوائد والعبر

  • أن يحب المسلم أصحاب رسول الله ﷺ جميعًا ويتولاهم، وأن يعرف لأهل البيت وللصحابة حقهم، دون غلو ولا جفاء.
  • أن يرجع عند ورود الشبهات إلى الآثار الصحيحة وأقوال الأئمة، فالفهم السليم للنصوص يكشف أن كثيرًا مما يحتج به أهل الأهواء هو في الحقيقة حجة عليهم.
  • أن جمع الكلمة ونبذ الفرقة من مقاصد الشريعة العظيمة، كما فعل عمر رضي الله عنه يوم السقيفة حين قطع أسباب الخلاف.
  • أن النصيحة للمسلمين وأئمتهم من الدين، وأن من وُلّي أمرًا عليه أن يختار له الأصلح، كما اختار الصديق عمرَ رضي الله عنهما.
  • أن يقتدي المسلم بالشيخين في الصدق والإخلاص والقوة في الحق، امتثالًا لقوله ﷺ: «اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي».
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات