شرح كتاب "الشريعة " للإمام الآجري (20) شرح فضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

4,562 مشاهدة
364 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس العشرون من شرح كتاب «الشريعة» للإمام أبي بكر الآجري رحمه الله، يقدّمه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. يتناول المجلس «باب ما ذُكر في المكذِّبين بالقدر». والإيمان بالقدر من أعظم مسائل الاعتقاد، فهو أحد أركان الإيمان الستة التي لا يصحّ إيمان العبد إلا بها، والقدر سرّ الله في خلقه.

يبيّن الشيخ أن المؤمن مطالَب بالإيمان بالقدر كله، ما يوافق هواه ويفرح به، وما يخالف هواه ويحزنه. ويقف مع الأحاديث التي ساقها الآجري في ذمّ القدرية ووصفهم بأنهم «مجوس هذه الأمة»، فيشرح وجه هذا الوصف، ويذكر درجة كل إسناد من حيث الصحة والضعف.

ويهدف المجلس إلى ترسيخ عقيدة أهل السنة والجماعة في القدر، والتحذير من بدعة القدرية وآثارها. وفيه أيضًا استطراد في بيان شرف معلمي القرآن، ثم شرح لباب «كل مولود يولد على الفطرة» ومسألة أولاد الكفار ومصيرهم.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان

يبدأ الشيخ بتذكير الحاضرين بأركان الإيمان الستة: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره. ويبيّن أن الإيمان الصحيح هو الإيمان بمراد الله تعالى، لا بما نريده نحن، وأن مراد الله مقدَّم على مراد العبد.

ويوضّح أن المسلم يأخذ بالأسباب ليدفع ما يراه شرًّا، والأخذ بالأسباب نفسه من قدر الله. فإذا نزل القضاء بعد ذلك رضي به وسلّم، فإن جاء على ما يتمنى فهو فضل من الله، وإن جاء على خلاف ما يهوى فهو عدل من الله، وهو سبحانه لا يُسأل عما يفعل.

قال تعالى: ﴿وَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا۟ شَيْـًۭٔا وَهُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّوا۟ شَيْـًۭٔا وَهُوَ شَرٌّۭ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 216]

وقال تعالى: ﴿لَا يُسْـَٔلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـَٔلُونَ﴾ [الأنبياء: 23]

وقال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَـٰهُ بِقَدَرٍۢ﴾ [القمر: 49]

المحور الثاني: لماذا سُمّي القدرية «مجوس هذه الأمة»؟

ساق الإمام الآجري أحاديث كثيرة من طرق متعددة في وصف القدرية بأنهم مجوس هذه الأمة. وحسّن الشيخ إسناد حديث ابن عمر رضي الله عنهما في ذلك، ومعناه أن القدرية لا تُعاد مرضاهم ولا تُشهد جنائزهم، زجرًا لهم وإنكارًا لبدعتهم.

ووجه الشبه بين القدرية والمجوس أن المجوس يقولون بإلهين: إله للخير وإله للشر. والقدرية ينفون أن يكون الله خالقًا لأفعال العباد، ويقولون إن الشر من خلق الإنسان أو الشيطان، فيجعلون مع الله خالقًا آخر.

ويبيّن الشيخ أن فعل الله تعالى ليس فيه شر محض. فما يقع علينا من شر كالموت والمرض والمصائب إنما هو شر بالنسبة إلينا، ولله فيه حكمة قد لا نعلمها. ولذلك سمّى الله الموت مصيبة فقال: ﴿فَأَصَـٰبَتْكُم مُّصِيبَةُ ٱلْمَوْتِ﴾ [المائدة: 106].

قال رسول الله ﷺ: «الْقَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هَذِهِ الْأُمَّةِ، إِنْ مَرِضُوا فَلَا تَعُودُوهُمْ، وَإِنْ مَاتُوا فَلَا تَشْهَدُوهُمْ»، وحسّن الشيخ إسناده.

وفي الدعاء الذي رواه مسلم قال ﷺ: «وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ».

المحور الثالث: التكذيب بالقدر بداية الشرك وأصل الزندقة

أورد الآجري آثارًا وأحاديث تبيّن أن التكذيب بالقدر كان أول الشرك في الأمم. ومنها حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: «مَا هَلَكَتْ أُمَّةٌ قَطُّ إِلَّا بِالشِّرْكِ بِاللَّهِ، وَمَا أَشْرَكَتْ أُمَّةٌ قَطُّ إِلَّا كَانَ بَدْءُ إِشْرَاكِهَا التَّكْذِيبَ بِالْقَدَرِ». ونبّه الشيخ إلى أن معناه صحيح وإسناده ضعيف.

وذكر قصة سعيد بن المسيب رحمه الله لما بلغه أن قومًا يقولون: «قدّر الله كل شيء إلا الأعمال»، فغضب غضبًا شديدًا لم يُرَ مثله، وروى في ذلك حديثًا. وبيّن الشيخ أن الحديث صحيح المعنى في جملته، لكن إسناده ضعيف جدًّا.

ثم ذكر أحاديث في ذم المرجئة والقدرية، وأنهم يشوّشون على الأمة أمر دينها، ونبّه إلى ضعف أسانيدها مع صحة معانيها في الجملة. وكذلك حديث: «مَا كَانَتْ زَنْدَقَةٌ إِلَّا أَصْلُهَا التَّكْذِيبُ بِالْقَدَرِ»، وإسناده ضعيف جدًّا ومعناه صحيح، لأن المكذّب بالقدر يثبت مع الله من يخلق الشر.

وأوضح الشيخ أن الحكم على الأحاديث صنعة تحتاج إلى عمر طويل وخبرة بالرجال، كسائر المهن. فأهل الحديث يعرفون الرواة المتكلَّم فيهم، مثل سويد بن سعيد الحدثاني وعبد الله بن لهيعة، فيحكمون على الإسناد بسرعة بناءً على هذه الخبرة.

المحور الرابع: شرف معلّم القرآن ومكانته

لما مرّ في الإسناد ذكر أبي عبد الرحمن المقرئ عبد الله بن يزيد، استطرد الشيخ في ذكر فضله. فقد أقرأ القرآن سبعين سنة، وكان محدّثًا ومقرئًا، وبارك الله له في عمره. ثم تحدث عن شرف معلّمي القرآن، وأنكر نظرة الازدراء التي يُنظر بها إلى محفّظ القرآن في هذا الزمان، وقال إن الحقارة في من ينظر إليه هذه النظرة، لا فيه.

وبيّن أن معلّمي القرآن من صمّامات الأمان لهذه الأمة، لأنهم يربّون الأطفال على حب كتاب الله وهم صغار. ومن نشأ على القرآن قلّ أن ينحرف، وإن انحرف ردّه القرآن في الغالب إلى المسجد والطاعة، وذكر الشيخ أنه شاهد ذلك بنفسه في زملاء له حفظوا القرآن في الأزهر.

ونصح الشيخ محفّظي القرآن أن يعلّموا الأطفال مع القرآن شيئًا من سنة النبي ﷺ ومن الأخلاق والآداب والمعاملات.

المحور الخامس: كل مولود يولد على الفطرة وحكم أولاد الكفار

شرح الشيخ باب «كل مولود يولد على الفطرة». فالأصل أن كل طفل يولد على فطرة الإسلام، ولو تُرك لأسلم وجهه لله، لكن التربية والمؤثرات الخارجية تحرفه، فيصير يهوديًّا أو نصرانيًّا أو مجوسيًّا أو شيوعيًّا أو علمانيًّا.

وأشار إلى أن إسناد الحديث في غاية الصحة: أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه، وهو من أصح الأسانيد.

قال رسول الله ﷺ: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَرَأَيْتَ مَنْ يَمُوتُ وَهُوَ صَغِيرٌ؟ قَالَ: «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ».

وذكر أن أصح الأقوال في أولاد الكفار، ومن مات في زمن الفترة، والمجنون، ونحوهم ممن لم تبلغه الرسالة، أنهم يُمتحنون في عرصات يوم القيامة. فيؤمرون بدخول نار، فمن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا، ومن أبى هلك. ورد الشيخ على من استشكل ذلك بأن الآخرة دار حساب لا دار عمل، فبيّن أن الله لا يُسأل عما يفعل.

النقاط الرئيسية

  • الإيمان بالقدر خيره وشره ركن من أركان الإيمان الستة، ويجب الإيمان بما يوافق هوى العبد وما يخالفه.
  • سُمّي القدرية مجوس هذه الأمة لأنهم جعلوا الشر من خلق غير الله، فأشبهوا المجوس القائلين بإلهين للخير والشر.
  • ليس في فعل الله شر محض، وما نراه شرًّا علينا كالموت والمرض فلله فيه حكمة.
  • التكذيب بالقدر بداية الشرك وأصل الزندقة، وقد اشتد إنكار السلف على القدرية كما في غضب سعيد بن المسيب.
  • كثير من الأحاديث التي ساقها الآجري ضعيفة الإسناد وإن صحّ معناها، ونقد الأسانيد صنعة يتقنها أهلها بطول الممارسة.
  • معلّم القرآن من أشرف الناس، ومن صمّامات الأمان لهذه الأمة.
  • كل مولود يولد على الفطرة، وأصح الأقوال في أولاد الكفار أنهم يُمتحنون يوم القيامة.

الفوائد والعبر

  • خذ بالأسباب لدفع ما تكره، ثم ارضَ بقضاء الله وسلّم له، فقد يكون الخير فيما تكرهه.
  • احذر من البدع العقدية وأهلها، وتمسّك بعقيدة السلف في القدر، فالانحراف فيه قد يجرّ إلى الشرك.
  • احرص على تحفيظ أبنائك القرآن من الصغر، فهو حصن يحفظهم ويردّهم إلى الطاعة إن زلّوا.
  • أكرم معلّمي القرآن ووقّرهم، ولا تنظر إليهم بازدراء، فهم أهل الله وخاصته.
  • انتبه لأثر التربية والبيئة في فطرة الطفل، فالوالدان مسؤولان عن حفظ هذه الفطرة من الانحراف.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات