شرح كتاب "الشريعة " للإمام للآجري (34) شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.

3,376 مشاهدة
247 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الرابع والثلاثون من شرح كتاب «الشريعة» للإمام أبي بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله، ويشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. وموضوع المجلس «باب الإيمان بالميزان، وأنه حق تُوزن به الحسنات والسيئات». والميزان من أركان الإيمان باليوم الآخر، وقد دلّ عليه الكتاب والسنة، وأجمع عليه أهل السنة والجماعة.

ويبيّن الشيخ أن الظلم يقع بين الناس في الدنيا، ويقع من العبد على نفسه بالذنوب والمعاصي وترك الاستقامة. أما يوم القيامة فلا ظلم فيه، فهناك ميزان حقيقي له كفّتان، توزن به الأعمال بالكيفية التي يريدها الله سبحانه. فمن رجحت حسناته فهو برحمة الله، ومن رجحت سيئاته فهو بعدل الله، ولا يظلم ربك أحدًا.

وأهداف هذا الدرس أن يرسخ عند المشاهد الإيمان بالميزان على طريقة السلف، وأن يعرف الأعمال التي تثقل بها الموازين وأولها حسن الخلق والتوحيد، وأن يعرف مواقف القيامة العظيمة التي لا يذكر فيها أحد أحدًا، وأن يحاسب نفسه قبل أن توزن أعماله.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: الميزان حق، له كفتان، وتوزن به الأعمال

افتتح الإمام الآجري الباب بقول الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء: 47]. وبيّن الشيخ أن الميزان حقيقي وله كفتان. وقد يستغرب بعض الناس كيف توزن الحسنات والسيئات وهي أعمال، فالجواب أن الله على كل شيء قدير، فنؤمن بالميزان كما أخبر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولا نخوض في كيفيته.

وأورد المصنف أثر سلمان الفارسي رضي الله عنه، وهو موقوف عليه وله حكم الرفع، لأن مثله لا يقال بالرأي: «يُوضَعُ الْمِيزَانُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَلَوْ وُزِنَ فِيهِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ لَوَسِعَتْ، فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: يَا رَبِّ، لِمَنْ يَزِنُ هَذَا؟ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: لِمَنْ شِئْتُ مِنْ خَلْقِي، فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: سُبْحَانَكَ مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ». وفي الأثر نفسه أن الصراط يوضع مثل حدّ الموسى.

وتوقف الشيخ عند أدب الملائكة مع ربهم. فهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ومع ذلك يقولون إذا رأوا الميزان: «ما عبدناك حق عبادتك»، خوفًا وإشفاقًا. فكيف بنا ونحن أهل التقصير؟

وأورد المصنف كذلك حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه: «الْمِيزَانُ بِيَدِ الرَّحْمَنِ، يَرْفَعُ أَقْوَامًا وَيَخْفِضُ آخَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».

المحور الثاني: حسن الخلق أثقل ما يوضع في الميزان

ساق المصنف حديث أبي الدرداء رضي الله عنه من طرق متعددة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَا مِنْ شَيْءٍ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ»، وفي لفظ: «أَثْقَلُ شَيْءٍ يُوضَعُ فِي الْمِيزَانِ الْخُلُقُ الْحَسَنُ».

وبيّن الشيخ أن حسن الخلق هو التخلّق بخلق النبي صلى الله عليه وسلم: ليس فيه فجور في الخصومة، ولا فحش، ولا نفاق. ويكون مع النفس، ومع أهل البيت، ومع الأولاد، ومع الجيران، ومع المسلمين كافة. وكان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقًا، يُؤذى فيصبر ويعفو.

ونبّه الشيخ إلى أن حسن الخلق لا ينفع إن لم يقترن بالاتباع والعبادة. فبعض الناس يقول: أنا حسن الخلق لا أؤذي أحدًا، وهو لا يصلي. وفي المقابل يوجد مصلّون يكذبون ويرابون ويرتشون. والمطلوب أن يجتمع للعبد صلاح الظاهر والباطن.

المحور الثالث: ثقل التوحيد، وخفة أهل الكبر والإجرام

أورد المصنف حديث البطاقة عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وفيه أن رجلًا يُؤتى به إلى الميزان، فتُنشر عليه تسعة وتسعون سجلًّا من الخطايا، كل سجل منها مدّ البصر، ثم يُخرج له بطاقة فيها: «أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله». قال صلى الله عليه وسلم: «فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كِفَّةٍ وَالْبِطَاقَةُ فِي كِفَّةٍ، فَطَاشَتِ السِّجِلَّاتُ وَثَقُلَتِ الْبِطَاقَةُ، فَلَا يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ اللَّهِ شَيْءٌ».

وبيّن الشيخ أن الشهادة تنفع صاحبها إذا قالها صادقًا واستقام على أمر الله. ولا يجوز أن يتّكل العبد على الرجاء ويترك العمل، فالله يفعل ما يشاء، لكن الواجب أن نُلزم أنفسنا العبودية والتقرّب إليه، وأن نجمع بين الخوف والرجاء.

وفي المقابل ذكر المصنف قول الله تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: 13]، وتفسير عبيد بن عمير للعتلّ بأنه القوي الشديد الأكول الشروب، يوضع في الميزان فلا يزن شعيرة. وذكر الشيخ معنى أن العظيم السمين يأتي يوم القيامة فلا يزن عند الله جناح بعوضة. فلا عبرة بضخامة الأجسام ولا بالجاه، والعبرة بالإيمان والعمل. ومن هنا حذّر الشيخ من الكبر والتغطرس.

المحور الرابع: ثلاثة مواطن لا يذكر فيها أحد أحدًا

أورد المصنف حديث عائشة رضي الله عنها، وفيه أنها ذكرت النار فبكت وسألت: هل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَمَّا فِي ثَلَاثَةِ مَوَاطِنَ فَلَا يَذْكُرُ أَحَدٌ أَحَدًا: عِنْدَ الْمِيزَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَيَخِفُّ مِيزَانُهُ أَوْ يَثْقُلُ، وَعِنْدَ الْكِتَابِ حِينَ يُقَالُ: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ حَتَّى يَعْلَمَ أَيْنَ يَقَعُ كِتَابُهُ، أَفِي يَمِينِهِ أَمْ فِي شِمَالِهِ أَمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ، وَعِنْدَ الصِّرَاطِ إِذَا وُضِعَ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ».

ووصف الشيخ فرحة من يأخذ كتابه بيمينه فيقول: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: 19-20]. ووصف حسرة من يأخذه بشماله فيقول: ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة: 25-31]. وأكّد الشيخ أن هذه ليست قصصًا تُروى، بل هي الحق المبين الذي سنراه يقينًا.

وأورد المصنف في وصف الصراط أنه طريق بين الجنة والنار، أحدّ من السيف، وعليه كلاليب وحسك مثل شوك السعدان، والملائكة على جانبيه يقولون: «رَبِّ سَلِّمْ سَلِّمْ». فمن شاء الله سلّمه، ومن شاء كبّه في النار.

المحور الخامس: لا ينفع يوم القيامة نسب ولا جاه إلا العمل

ساق المصنف حديث أبي أمامة رضي الله عنه: لما نزل قوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: 214] جمع النبي صلى الله عليه وسلم بني هاشم وأهل بيته، وقال: «يَا بَنِي هَاشِمٍ، اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ اللَّهِ، لَا تَغُرَّنَّكُمْ قَرَابَتُكُمْ مِنِّي، فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا». ثم خاطب بذلك عائشة وحفصة وأم سلمة وفاطمة وصفية عمّته.

فبكت عائشة رضي الله عنها، وسألت: هل يكون يوم لا تغني عنا فيه شيئًا؟ فذكر لها النبي صلى الله عليه وسلم المواطن الثلاثة، وتلا قول الله تعالى: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: 102-103]. وذكر كذلك النور الذي يتمّه الله لمن يشاء، والصراط.

وقرّر الشيخ أن النجاة لا تكون بنسب ولا مال ولا جاه ولا عيال. إنما نرجو رحمة الله، ونخاف عذابه، ونعمل الصالحات، ونجتنب السيئات. ثم ختم الباب بوجوب الإيمان بالميزان والصراط والعمل لهما، وانتقل المصنف بعده إلى «كتاب التصديق بأن الجنة والنار مخلوقتان».

النقاط الرئيسية

  • الميزان يوم القيامة حق، له كفتان، توزن به الحسنات والسيئات، ونؤمن به دون خوض في كيفيته.
  • من رجحت حسناته فبرحمة الله، ومن رجحت سيئاته فبعدل الله، والله لا يظلم أحدًا.
  • الملائكة مع كمال طاعتها تقول: «سبحانك ما عبدناك حق عبادتك»، وهذا من أدبها وخشيتها.
  • حسن الخلق أثقل ما يوضع في ميزان المؤمن، بشرط أن يقترن بالعبادة والاستقامة.
  • كلمة التوحيد أثقل من سجلّات الذنوب كما في حديث البطاقة، لمن قالها صادقًا مخلصًا.
  • عند الميزان وتطاير الصحف والصراط لا يذكر أحد أحدًا، فكلٌّ مشغول بنفسه.
  • القرابة والنسب والجاه لا تغني من الله شيئًا، ولا ينجي العبد إلا رحمة الله ثم عمله.

الفوائد والعبر

  • محاسبة النفس: اجلس مع نفسك كل يوم وانظر كم عندك من حسنات وكم من سيئات قبل أن يُنصب لك الميزان.
  • شكر النعمة دون غرور: إن وفّقك الله للطاعة فاعلم أنه فضل منه، فاشكره يزدك، قال تعالى: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7].
  • المبادرة بالتوبة النصوح: إن غلبت السيئات فبادر إلى التوبة، فإنها تمحو ما قبلها، وخاصة الكبائر التي لا بد لها من توبة.
  • العناية بحسن الخلق: أحسن خلقك مع أهلك وأولادك وجيرانك وعامة المسلمين، فإن ذلك من أثقل ما يوضع في الميزان.
  • ترك الاتّكال على الأنساب والمظاهر: اعمل لنجاة نفسك، واحذر الكبر والتعالي، فلا قيمة عند الله إلا للإيمان والتقوى.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات