شرح كتاب "الشريعة " للإمام للآجري (5) شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.

3,516 مشاهدة
125 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

هذا هو الدرس الخامس من شرح كتاب «الشريعة» للإمام أبي بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله، يشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. ألقى الشيخ الدرس ليلة السبت، الحادي والعشرين من شهر ذي القعدة سنة 1436هـ، الموافق للخامس من سبتمبر 2015م. ويتناول الدرس بابًا مهمًا من أبواب الكتاب، وهو الحث على اعتزال الفتن ولزوم البيوت والإقبال على العبادة. ويشرح كيف يتصرف المسلم إذا كثر القتال بين المسلمين، وزالت الدول، واختلط الحق بالباطل.

وموضوع الدرس شديد الأهمية في كل زمان، وفي زماننا خاصة؛ فالفتن تتابع، وكثير من الناس يندفعون إليها بلا علم ولا بصيرة. يسرد الإمام الآجري بأسانيده أحاديث النبي ﷺ في التحذير من الفتن وفضل القعود عنها، ويذكر قصة الصحابي عبد الله بن خباب رضي الله عنهما مع الخوارج. ويربط الشيخ هذه النصوص بواقع الأمة، ويبيّن منهج السلف في التعامل مع الفتن.

ومن أهداف هذا الدرس أن يعرف المشاهد النصوص الشرعية في اعتزال الفتن، وأن يدرك عِظم حرمة دم المسلم. ويتعلم كذلك كيف يحفظ قلبه ولسانه ويده في أوقات الاضطراب، ويلزم منهج أهل السنة في السمع والطاعة لولاة الأمر بالمعروف، ويترك الخروج عليهم.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: اعتزال الفتن وخطر الاستشراف لها

يبيّن الشيخ أن العاقل يبتعد عن الفتنة، ولا يتطلع إليها ولا يقترب منها. ولا ينبغي لأحد أن يظن أن علمه أو منزلته تحميه منها، فالنبي ﷺ أخبر أن من استشرف للفتنة جرّته إليها. ويذكّر الشيخ بأسماء كانت معروفة في ميدان الدعوة يشار إليها بالبنان، ثم خاضت في الفتن فسقطت وضلت ودخلت في عداد أهل البدع.

والمسلم يخاف على قلبه، لأن القلب سريع التقلب، فلا يأمن أحد على نفسه الثبات. وأقل ما يخشاه المسلم في الفتنة أن يميل إلى قول أو حال يُغضب الله عز وجل.

قال رسول الله ﷺ: «سَتَكُونُ فِتَنٌ، الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي، مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ، فَمَنْ وَجَدَ مِنْهَا مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ» (متفق عليه).

وقال ﷺ: «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، كَقَلْبٍ وَاحِدٍ، يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ» (رواه مسلم).

المحور الثاني: ثبات العلماء الراسخين عند الفتن

يضرب الشيخ المثل بأئمة العصر، كالإمام الألباني والإمام ابن باز رحمهما الله، ويصفهم بأنهم كانوا جبالًا راسية لا تحركها رياح الفتن. ويقف عند وصف الله تعالى لأهل العلم بأنهم «الراسخون»، فالرسوخ ثبات كثبات الجبال، لا تهزه العواصف.

ويقرر الشيخ أن هذا هو منهج سلف الأمة: يتقون الفتن ويخشون على قلوبهم منها. ولزوم البيوت عندهم ليس تركًا للعلم ولا للدعوة ولا للعبادة، وإنما هو ترك الخوض في الفتنة والانحياز إلى أطرافها، مع نصح الجميع بالحق.

قال الله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: 7].

المحور الثالث: عِظم حرمة دم المسلم

يؤكد الشيخ أن من أعظم ما يجب الحذر منه في الفتن سفك دماء المسلمين، بالفعل وبالقول جميعًا، فالكلمة قد تكون سببًا في إراقة الدم وهي مسجلة عند الله. ويقول إن أهل السنة «أجبن الناس» عن دماء المسلمين، يعني أشدهم ورعًا وخوفًا من الله فيها. فما الذي ينفع المرء إذا خُلّد في جهنم من أجل ملك زائل أو مال أو منصب؟

ويحذر الشيخ من تسويغ القتل بحجة الحاجة أو الضرورة أو الاضطرار، فالله مطلع على كل شيء. ويقول إن المسلم يُعِدّ لكل قول وفعل جوابًا يوم يقف بين يدي الله، ولا سيما في الفتن.

قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 93].

وقال ﷺ: «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ». قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا الْقَاتِلُ، فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: «إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ» (متفق عليه من حديث أبي بكرة رضي الله عنه).

المحور الرابع: قصة عبد الله بن خباب مع الخوارج

يسوق الإمام الآجري بسنده قصة عبد الله بن خباب بن الأرت رضي الله عنهما. لقيه الخوارج فروّعوه، وسألوه عن حديث سمعه من أبيه عن رسول الله ﷺ، فحدّثهم بحديث الفتن الذي يأمر بالكف عن القتال. ومع ذلك قتلوه على شاطئ النهر، وبقروا بطن امرأته وهي حامل.

ويبيّن الشيخ أن هذه القصة تكشف حقيقة الخوارج كما وصفهم النبي ﷺ: يقتلون أهل الإسلام ويَدَعون أهل الأوثان. ويحذر الشيخ من الجمع بين الإرجاء في باب الإيمان والخروج على المسلمين، ويصفه بأنه مصيبة مركّبة.

ومما حدّث به عبد الله بن خباب عن أبيه في وصية النبي ﷺ عند الفتن: «فَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْمَقْتُولَ، وَلَا تَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْقَاتِلَ».

المحور الخامس: لزوم البيوت والسمع والطاعة ولزوم المحجة الواضحة

يورد الإمام الآجري حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه في الأمر بلزوم البيوت. ويشرح الشيخ معنى «الأحلاس»: الحِلس كساء يوضع على ظهر البعير ويلازمه، والمراد أن يلازم المسلم بيته ولا يخالط الفتنة. ويقرر الشيخ أصلًا من أصول أهل السنة، وهو السمع والطاعة لولاة الأمر في المعروف، وأنه لا طاعة لهم في معصية، وأن الخروج عليهم من أعظم المفاسد.

ثم يختم الإمام الآجري الباب بوصية جامعة: من أراد الله به خيرًا فتح له باب الدعاء والالتجاء إلى مولاه الكريم، فخاف على دينه، وحفظ لسانه، وعرف زمانه، ولزم المحجة الواضحة والسواد الأعظم، ولم يتلوّن في دينه. وينبّه الشيخ إلى خطر التلون في الدين، فيضرب مثلًا بمن كانوا يحرّمون الحزبية والديمقراطية ثم صاروا من أهلها وزعموا أن ذلك من الإيمان والتوحيد.

قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي». قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: «كُونُوا أَحْلَاسَ بُيُوتِكُمْ» (رواه أبو داود).

وقال ﷺ: «الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ» (رواه مسلم).

النقاط الرئيسية

  • العاقل يبتعد عن الفتن ولا يتطلع إليها، فمن استشرف لها جرّته إليها مهما كان علمه ومنزلته.
  • القعود عن الفتنة خير من القيام فيها، والقيام خير من المشي، والمشي خير من السعي إليها.
  • دم المسلم عظيم الحرمة، والكلمة التي تُعين على سفكه يحاسَب عليها صاحبها كما يحاسَب على الفعل.
  • العلماء الراسخون كالجبال لا تزعزعهم الفتن، ومنهج السلف اتقاء الفتن والخوف على القلوب منها.
  • قصة عبد الله بن خباب تكشف حقيقة الخوارج الذين يستحلون دماء أهل الإسلام.
  • السمع والطاعة لولاة الأمر في المعروف أصل عند أهل السنة، ولا طاعة في معصية، والخروج عليهم من أعظم المفاسد.
  • من أراد الله به خيرًا فتح له باب الدعاء، فحفظ لسانه، وعرف زمانه، ولزم السواد الأعظم، ولم يتلوّن في دينه.

الفوائد والعبر

  • أن يكثر المسلم في أوقات الفتن من العبادة والدعاء والتوبة وتلاوة القرآن، فالعبادة في الهرج كهجرة إلى النبي ﷺ.
  • أن يحفظ لسانه، فلا يُعين بكلمة على سفك دم مسلم أو على تأجيج الفتنة، وأن يُعِدّ لكل قول وفعل جوابًا بين يدي الله.
  • ألا يغترّ بعلمه أو مكانته فيظن أنه في مأمن من الفتنة، وأن يسأل الله الثبات دائمًا لأن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن.
  • أن يلزم منهج الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، ولا يتلوّن في دينه بتقلّب الأحوال والمصالح.
  • أن يستمر في طلب العلم والتعليم والدعوة بالحكمة، ويعتزل الخوض في الفتن والانحياز إلى أطرافها.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات