شرح كتاب " الداء والدواء" للإمام ابن القيم (21) شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.

4,017 مشاهدة
296 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الحادي والعشرون من شرح كتاب «الداء والدواء» للإمام العلامة ابن قيم الجوزية رحمه الله، ويشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري حفظه الله. عُقد المجلس بعد صلاة العشاء من يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من شهر صفر سنة تسع وثلاثين وأربعمائة وألف للهجرة، الموافق للرابع عشر من شهر نوفمبر سنة سبع عشرة وألفين للميلاد. ويتناول المجلس موضوعًا من أخطر موضوعات العقيدة وأعظمها، وهو حقيقة الشرك وأنواعه، وأن الشرك في الحقيقة تشبيه للمخلوق بالخالق، أو تشبُّه من المخلوق بالخالق سبحانه.

يبدأ الشيخ بكلام ابن القيم عن الشرك في الإرادات والنيات، ويصفه بأنه «البحر الذي لا ساحل له». ثم يبيّن خصائص الإلهية التي لا يجوز صرفها لغير الله، كالتفرد بملك الضر والنفع، والكمال المطلق، والعبودية القائمة على كمال الحب مع كمال الذل. وينتقل بعد ذلك إلى أصل عظيم يكشف سرّ المسألة، وهو أن أعظم الذنوب عند الله إساءة الظن به سبحانه.

ويهدف هذا الدرس إلى ثلاثة أمور: ترسيخ معنى الإخلاص وتوحيد الإرادة والقصد لله، وكشف شبهة اتخاذ الوسائط بين العبد وربه بقياس الخالق على ملوك الدنيا، وتصحيح الفهم الخاطئ الذي يجعل إثبات صفات الكمال لله تشبيهًا. وفيه كذلك تحذير من تعلّق القلوب بالأموات والأضرحة رجاءً وخوفًا وتوكلًا.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: الشرك في الإرادات والنيات وحقيقة الإخلاص

ينقل الشيخ قول ابن القيم إن الشرك في الإرادات والنيات بحر لا ساحل له، وقلّ من ينجو منه. ومعناه أن يعمل الإنسان العمل لغير الله، أو يريد به غير وجه الله تعالى، أو يطلب به شيئًا غير التقرب إليه وطلب الجزاء منه. فمن فعل ذلك فقد أشرك في نيته وإرادته، وهذا النوع يخفى على كثير من الناس.

والإخلاص هو أن يُخلص العبد لله في أقواله وأفعاله وإراداته ونياته. وهذه هي الحنيفية ملة إبراهيم عليه السلام، التي أمر الله بها عباده كلهم، ولا يقبل من أحد دينًا غيرها، وهي حقيقة الإسلام. ومعناها إفراد الله بالعبادة، وإخلاص القلب والجوارح له سبحانه في كل شيء.

قال تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85].

وقال تعالى: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: 130].

المحور الثاني: حقيقة الشرك تشبيه، وإثبات الصفات ليس تشبيهًا

يقرر ابن القيم أن حقيقة الشرك هي التشبه بالخالق أو تشبيه المخلوق به، وذلك على صورتين:

  • أن يتشبه المخلوق بالله في خصائصه وربوبيته، ويدعو الناس إلى عبادته، كما فعل فرعون حين قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: 38].
  • أن يُشبَّه المخلوق بالخالق، فيُصرف له شيء من خصائص الإلهية.

وينبّه الشيخ إلى أن إثبات صفات الكمال التي وصف الله بها نفسه، ووصفه بها رسوله صلى الله عليه وسلم، ليس من التشبيه في شيء. وفي هذا ردّ على فرق المعطلة الذين نفوا الصفات بحجة التنزيه. فهؤلاء لم يعطّلوا إلا بعد أن شبّهوا أولًا، إذ ظنوا أن إثبات اليد أو العين لله يستلزم مماثلة المخلوق. والحق أن لله صفاتٍ تليق بجلاله، ليست كصفات المخلوقين، فيُجمع في ذلك بين الإثبات والتنزيه.

ومن انتكس قلبه عكس الأمر، فجعل التوحيد وإثبات الصفات تشبيهًا، وجعل التشبيه الحقيقي، وهو صرف العبادة لغير الله، تعظيمًا وطاعة.

المحور الثالث: خصائص الإلهية التي لا تُصرف لغير الله

الخصيصة الأولى: التفرد بملك الضر والنفع والعطاء والمنع. وهذا يوجب أن يتعلق الدعاء والخوف والرجاء والتوكل بالله وحده. فمن علّق ذلك بمخلوق فقد شبّهه بالخالق، كمن يخاف من ميت أن يؤذيه، أو يرجو منه نفعًا أو دفع ضر. وضرب الشيخ مثلًا بما يقع عند بعض الأضرحة، كضريح البدوي، من سجود وتمسح وذبح ونذور تُلقى في صناديقها، مع أن المقبور لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا.

قال تعالى: ﴿مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ﴾ [فاطر: 2].

الخصيصة الثانية: الكمال المطلق من جميع الوجوه، الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه. ولهذا لما ادّعى النمرود الإحياء والإماتة، أفحمه إبراهيم عليه السلام بحجة ظاهرة. قال تعالى: ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: 258].

الخصيصة الثالثة: العبودية التي تقوم على ساقين لا قوام لها بدونهما، وهما غاية الحب مع غاية الذل. وقد يحب الإنسان مخلوقًا حبًا شديدًا دون أن يذل له قلبه، وقد يذل له جسده خوفًا من بطشه دون أن يحبه. أما اجتماع كمال الحب مع تمام الذل فلا يكون إلا لرب العالمين. ومن العبادات التي هي من خصائصه سبحانه: السجود، والتوكل، والتوبة، والحلف باسمه تعظيمًا. فمن صرف شيئًا منها لغيره فقد شبّه ذلك الغير به.

قال صلى الله عليه وسلم: «لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا» [رواه الترمذي].

ولشدة قبح الشرك أخبر الله تعالى أنه لا يغفره، وأنه لا يقبل من أحد دينًا إلا الإسلام. قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: 19]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: 48].

المحور الرابع: التشبه بالله في الكبرياء والأسماء والصنعة

من تعاظم وتكبّر، ودعا الناس إلى إطرائه في المدح والتعظيم والخضوع، وإلى تعليق القلوب به خوفًا ورجاءً واستعانةً، فقد تشبّه بالله ونازعه في ربوبيته وإلهيته. وهو حقيق بأن يهينه الله غاية الهوان، ويذلّه غاية الذل.

قال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: «الْعَظَمَةُ إِزَارِي، وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا عَذَّبْتُهُ» [أخرجه مسلم وأبو داود بألفاظ متقاربة].

وإذا كان المصوّر من أشد الناس عذابًا لأنه تشبّه بالله في مجرد الصنعة، فكيف بمن تشبّه به في الربوبية والإلهية؟ قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ، يُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ» [متفق عليه].

وقال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً» [متفق عليه].

ويدخل في هذا الباب التسمي بالأسماء التي لا تنبغي إلا لله، مثل «ملك الأملاك» و«حاكم الحكام» و«شاهان شاه». قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَخْنَعَ اسْمٍ عِنْدَ اللَّهِ رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الْأَمْلَاكِ» [متفق عليه]. وفي رواية لمسلم: «أَغْيَظُ رَجُلٍ عَلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَخْبَثُهُ رَجُلٌ كَانَ يُسَمَّى مَلِكَ الْأَمْلَاكِ، لَا مَلِكَ إِلَّا اللَّهُ».

وأشار الشيخ إلى ما شهده العصر من أحوال بعض الطغاة الذين تسمّوا بمثل هذه الألقاب، ثم كانت نهايتهم عبرة وآية للمعتبرين.

المحور الخامس: سوء الظن بالله أصل الشرك وبطلان شبهة الوسائط

يستطرد ابن القيم في أصل عظيم يكشف سرّ المسألة، وهو أن أعظم الذنوب عند الله إساءة الظن به. فالمسيء الظن بالله قد ظن به خلاف كماله المقدس، وظن به ما يناقض أسماءه وصفاته. ولهذا توعّد الله الظانين به ظن السوء بما لم يتوعد به غيرهم.

قال تعالى: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ ۚ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ ۖ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [الفتح: 6].

وقال تعالى: ﴿وَذَٰلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت: 23].

وقال تعالى حكاية عن خليله إبراهيم عليه السلام: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ ۝ فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: 86-87]. ومعناها: ما الذي ظننتم به من نقص في أسمائه وصفاته وربوبيته حتى احتجتم إلى عبادة غيره معه؟

ثم يكشف الشيخ شبهة من يتخذ الأولياء والأضرحة وسائط بينه وبين الله، قياسًا على الملوك والرؤساء. فهؤلاء الملوك يحتاجون إلى الوسائط لعجزهم وقصور علمهم، وحاجتهم إلى من يعرّفهم بأحوال الرعية، ومن يعينهم على قضاء الحوائج، ومن يستعطفهم بالشفاعة. أما الله سبحانه فهو بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، غني بذاته عن كل ما سواه، وسعت رحمته كل شيء، وبابه مفتوح ليلًا ونهارًا. فإدخال الوسائط بينه وبين خلقه تنقّص لحق ربوبيته وإلهيته، وظنُّ سوءٍ به.

قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186].

وضرب الله لعباده مثلًا من أنفسهم: فإذا كان أحدهم يأنف أن يشاركه عبده في ملكه ورزقه، فكيف يجعلون لله شركاء من عبيده فيما هو منفرد به؟ قال تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُم مَّثَلًا مِّنْ أَنفُسِكُمْ ۖ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ [الروم: 28].

فما قدر اللهَ حقَّ قدره من عبد معه غيره. قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: 67].

النقاط الرئيسية

  • الشرك في الإرادات والنيات بحر لا ساحل له، ومعناه إرادة غير وجه الله بالعمل، وقلّ من ينجو منه.
  • الإخلاص هو الحنيفية ملة إبراهيم عليه السلام، وهو حقيقة الإسلام الذي لا يقبل الله دينًا سواه.
  • حقيقة الشرك تشبيه المخلوق بالخالق أو التشبه به، أما إثبات صفات الكمال لله مع تنزيهه عن مماثلة خلقه فهو عين التوحيد لا التشبيه.
  • من خصائص الإلهية: التفرد بالنفع والضر، والكمال المطلق، والعبودية القائمة على كمال الحب مع تمام الذل.
  • السجود والتوكل والتوبة والحلف تعظيمًا عبادات لا تُصرف إلا لله، ومن صرفها لغيره فقد شبّهه بالخالق.
  • التكبر والتسمي بـ«ملك الأملاك» ونحوه تشبه بالله ومنازعة له في خصائصه، وعاقبته الذل والهوان.
  • أعظم الذنوب سوء الظن بالله، واتخاذ الوسائط قياسًا على ملوك الدنيا ينبع من هذا الظن، وهو تنقص لكمال الله سبحانه.

الفوائد والعبر

  • تفقّد نيتك قبل كل عمل وفي أثنائه وبعده، واجعل غايتك وجه الله وحده، فإن خفاء شرك الإرادة يستلزم دوام المحاسبة.
  • ادعُ الله مباشرة دون وسائط، فبابه مفتوح ليلًا ونهارًا، وهو القريب المجيب، ولا تتعلق بالأموات والأضرحة خوفًا أو رجاءً.
  • أحسن الظن بربك، واعتقد كمال علمه وقدرته ورحمته وغناه، فإن حسن الظن به من أعظم أبواب التوحيد.
  • احذر الكبر وحب الإطراء والمدح، وتواضع لله، فمن نازع الله في العظمة والكبرياء أذلّه وأهانه.
  • اعتبر بمصارع الطغاة الذين تعاظموا وتسمّوا بأسماء لا تليق إلا بالله، واعلم أن العزة لله ولمن أطاعه.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات