شرح كتاب " الداء والدواء" للإمام ابن القيم (13) شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس الثالث عشر من شرح كتاب «الداء والدواء» للإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله، ويشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. ويواصل الشيخ فيه الحديث عن عقوبات الذنوب والمعاصي. ويقف في هذا المجلس عند عقوبة شديدة الخطر، وهي أن المعاصي تخذل صاحبها في أشد أوقات حاجته إلى نفسه وقلبه وجوارحه، في الدنيا وعند الموت.
والموضوع مهم لأنه يكشف عن أثر خفي للمعصية لا ينتبه له كثير من الناس. فهي لا تقف عند الإثم والعقوبة الظاهرة، بل تُضعف القلب شيئًا فشيئًا، حتى يعجز عن نفع صاحبه حين يحتاج إليه. وأخطر ذلك ساعة الاحتضار، حين يُحال بين العبد وبين النطق بكلمة التوحيد.
ويهدف هذا الدرس إلى أن يعرف المسلم حقيقة النفس الأمارة والنفس المطمئنة، وأن يدرك منزلة القلب من الجوارح. كما يهدف إلى بيان أن الطاعة في الرخاء عُدّة للشدة، وإلى تحذير المسلم من سوء الخاتمة بالتأمل في قصص من خُتم لهم بخير ومن خُتم لهم بشر.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: المعاصي تخذل العبد أحوج ما يكون إلى نفسه
يبيّن ابن القيم رحمه الله أن من عقوبات الذنوب أنها تخون العبد أحوج ما يكون إلى نفسه. فالإنسان يحتاج دائمًا إلى معرفة ما ينفعه في معاشه ومعاده وإلى العمل به، وإلى معرفة ما يضره والابتعاد عنه. وهذا قدر يشترك فيه مع الحيوان في أمور الدنيا، فالحيوان يعرف ما يضره ويفر منه، ويعرف ما ينفعه ويطلبه.
وأعلم الناس في الحقيقة هو من عرف ما ينفعه في الدنيا والآخرة وآثره، وعرف ما يضره فاجتنبه. وأسعد الناس من آثر أسباب السعادة الباقية على اللذة الفانية، وأشقاهم من آثر الشقاء على السعادة. فالمعاصي تحجب العبد عن هذا العلم والعمل، وتجعله يؤثر حظًا خسيسًا منقطعًا على الحظ الشريف الدائم.
المحور الثاني: النفس الأمارة والنفس المطمئنة والتحكم في النفس
ينبّه الشيخ إلى أن مشكلة الإنسان في الغالب ليست مع الناس، بل مع نفسه التي بين جنبيه. وأقوى الناس هو من يتحكم في نفسه وإرادته، فيستعمل نفسه فيما ينفعه ويكفّها عما يضره. فالنفس الأمارة تدعو إلى الشهوات وتقود إلى الهلاك إن تُركت لها القيادة.
والنفس المطمئنة يقوّيها الإيمان والطاعة، وتُضعفها الذنوب حتى تمرض، وربما ماتت. فإذا ماتت النفس المطمئنة لم يبقَ للعبد إلا النفس الأمارة بالسوء، فتقوده إلى المعاصي بلا رادع. أما من ربّى نفسه على الطاعة فإنه يُنادى عند الموت بالنداء الكريم:
المحور الثالث: القلب هو الملك والجوارح جنوده
يشبّه ابن القيم حال العاصي برجل معه سيف قد غشيه الصدأ ولزم قرابه، فلا يستطيع أن يجرّده. فإذا هجم عليه عدوه وضع يده على قائم السيف واجتهد في إخراجه فلم يخرج، فأدركه العدو وظفر به. وكذلك القلب يصدأ بالذنوب ويمرض، فإذا احتاج العبد إلى محاربة عدوه لم يجد عنده شيئًا.
فالقلب هو الملك الرئيس والأمير، والجوارح تبع له. فإذا ضعف القلب بالمعاصي ضعفت الجوارح عن نصرته وخانته. وأصل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم:
والمحسن الذي اعتاد الطاعة في الرخاء يجد عند الشدة والمصيبة قلبًا ثابتًا يسترجع ويصبر ويرضى بقضاء الله. أما المسيء فقد يدفعه البلاء إلى الجزع والتسخط والاعتراض على ربه، نسأل الله السلامة والعافية.
المحور الرابع: خذلان القلب واللسان عند الاحتضار
ويذكر ابن القيم ما هو أعظم من ذلك وأدهى، وهو أن يخون العبدَ قلبُه ولسانه عند الاحتضار والانتقال إلى الله تعالى. فربما تعذّر عليه النطق بالشهادة، كما شاهد الناس ذلك من كثير من المحتضرين. فقد قيل لبعضهم: قل لا إله إلا الله، فقال: «آه آه، لا أستطيع أن أقولها». وقيل لآخر ممن أدمن الشطرنج: قل لا إله إلا الله، فقال: «شاه رُخ»، فختم له بما كان يشغله في حياته.
وذكر الشيخ قصة الرجل الذي فُتن بامرأة سألته عن الطريق إلى حمّام منجاب، فدلّها على داره. ثم انتهى أمره إلى أن صار يردد عند موته ما كان يشغله من تلك الفتنة بدل كلمة التوحيد. وفي هذه القصص عبرة بالغة بأن الإنسان يُختم له بما عاش عليه.
المحور الخامس: حسن الخاتمة وقصة الإمام أبي زرعة الرازي
وفي مقابل ذلك ذكر الشيخ قصة الإمام أبي زرعة الرازي رحمه الله عند احتضاره. فقد حضره جماعة من المحدّثين، فهابوه واستحيوا أن يلقّنوه الشهادة. فتذاكروا حديث التلقين وأسانيده لعله ينتبه، فأخطأ بعضهم في الإسناد. فبدأ أبو زرعة وهو في سكرات الموت يسوق الإسناد حتى بلغ قول النبي صلى الله عليه وسلم:
ثم خرجت روحه رحمه الله، فكان آخر كلامه «لا إله إلا الله». فمن عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بُعث عليه. ومن أفنى عمره في خدمة السنة والتوحيد ختم الله له بها.
النقاط الرئيسية
- من عقوبات المعاصي أنها تخذل العبد في أحوج أوقاته إلى نفسه وقلبه وجوارحه.
- أعلم الناس من عرف ما ينفعه في الدنيا والآخرة فآثره، وما يضره فاجتنبه.
- أقوى الناس من ملك نفسه الأمارة بالسوء، وحملها على ما ينفعها وكفّها عما يضرها.
- الذنوب تُضعف النفس المطمئنة وتُمرضها، وقد تميتها فتبقى النفس الأمارة وحدها.
- القلب ملك الأعضاء، والجوارح جنوده، فإذا فسد القلب خانته الجوارح.
- العاصي كصاحب السيف الصدئ الذي لا يقدر على إخراجه حين يهجم عليه العدو.
- أخطر صور الخذلان عجز المحتضر عن النطق بالشهادة، والعبد يُختم له بما عاش عليه.
الفوائد والعبر
- تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، فالطاعة اليوم هي العُدّة للمصائب وساعة الموت.
- جاهد نفسك الأمارة بالسوء وراقبها، فمعركتك الحقيقية مع نفسك قبل غيرك.
- تعاهد قلبك بالذكر والتوبة والاستغفار حتى لا يصدأ بالذنوب فيخذلك عند الحاجة.
- احرص على ما تشغل به حياتك، فإنك تُختم لك بما اعتدت عليه، وسَلِ الله حسن الخاتمة.
- لقّن المحتضرين الشهادة برفق وحكمة، واجعل لسانك رطبًا بـ«لا إله إلا الله» لتكون آخر كلامك.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات