شرح كتاب " الداء والدواء" للإمام ابن القيم (27) شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس السابع والعشرون من شرح كتاب «الداء والدواء» للإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله، ويشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يتناول المجلس مرض العشق، وهو من أخبث أمراض القلوب. فإذا تمكّن هذا الداء من قلب صاحبه أسكره كما تُسكر الخمر شاربها، وصعب عليه بعد ذلك أن يتخلص منه. لذلك قال العلماء إن الوقاية منه أيسر من علاجه بعد وقوعه.
ويركّز الدرس على أهم طريق يمنع هذا الداء قبل أن يحصل، وهو غضّ البصر. ويعدّ الشيخ فوائد غض البصر كما ذكرها ابن القيم واحدة بعد أخرى، ومنها: امتثال أمر الله، وحفظ القلب من سهام إبليس، والأنس بالله، ونور القلب، والفراسة الصادقة، وقوة القلب وعزّته، وسدّ باب الشيطان، وتفريغ القلب للتفكر فيما ينفعه.
والهدف من هذا المجلس أن يعرف المسلم خطورة إطلاق النظر وأثره على قلبه، وأن يجعل غض البصر عبادة يتقرب بها إلى الله، فيحمي بها قلبه ويجد بها حلاوة الطاعة وعزّتها.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: العشق داء خبيث، والوقاية منه أيسر من علاجه
يبيّن الشيخ أن العشق المحرّم داء يجتمع فيه كثير من الشرور. فإذا وصل إلى القلب ملكه وأسكره، حتى يصير صاحبه مثل السكران الذي لا يفيق. ولهذا قال الشاعر: «سكرانِ: سكرُ هوًى وسكرُ مُدامةٍ، فمتى إفاقةُ مَن به سُكرانِ؟». والعاشق أسوأ حالًا من المجنون، فالمجنون قد يُفيق، أما العاشق فقلّما يُفيق.
ومع ذلك فالمسلم لا ييأس من الشفاء، فما من داء إلا وله دواء. وعلاج هذا الداء من طريقين. الطريق الأول يمنع حصوله أصلًا، وذلك بالعفة وتقوى الله والبعد عن أسباب الفتنة. والطريق الثاني يزيله بعد أن ينزل. وكلاهما يسير على من يسّره الله عليه، وصعب على من لم يُعِنه الله.
قال النبي ﷺ: «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً» (رواه البخاري).
المحور الثاني: غض البصر امتثال لأمر الله، وحماية للقلب، وطريق إلى الأنس به
أول فوائد غض البصر أنه امتثال لأمر الله تعالى. والسعادة في الدنيا والآخرة لا تكون إلا بامتثال أمر الله، والشقاء فيهما لا يكون إلا بتضييع أمره. وثانيها أنه يمنع وصول أثر السهم المسموم إلى القلب، فالنظرة سهم من سهام إبليس، ومن غضّ بصره سلم قلبه.
وثالثها أنه يورث القلب أنسًا بالله واجتماعًا عليه. أما إطلاق البصر فيفرّق القلب ويشتّته ويبعده عن الله، ويوقع وحشة بين العبد وربه. فكلما أطلق العبد بصره في الحرام زادت هذه الوحشة، حتى يصلي فلا يجد لصلاته لذة، ويطيع فلا يجد لطاعته حلاوة. ورابعها أنه يقوّي القلب ويفرحه، أما إطلاق البصر فيضعفه ويحزنه.
قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ﴾ [النور: 30].
المحور الثالث: نور القلب والفراسة الصادقة
والفائدة الخامسة أن غض البصر يُكسب القلب نورًا، أما إطلاقه فيُلبسه ظلمة. ولهذا ذكر الله آية النور بعد أن أمر بغض البصر. وإذا استنار القلب أقبلت عليه الخيرات من كل ناحية، وإذا أظلم أقبلت عليه البدع والضلالات والشرور من كل مكان.
والفائدة السادسة أن غض البصر يورث الفراسة الصادقة، فيفرّق بها العبد بين الحق والباطل، وبين الصادق والكاذب. قال شاه بن شجاع الكرماني رحمه الله: «من عمَر ظاهره باتباع السنة، وباطنه بدوام المراقبة، وغضّ بصره عن المحارم، وكفّ نفسه عن الشهوات، واعتاد أكل الحلال، لم تُخطئ له فراسة». والجزاء من جنس العمل، فمن ترك شيئًا لله عوّضه الله خيرًا منه. فإذا حبس بصره عن الحرام أطلق الله نور بصيرته.
قال تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور: 35]. وقال في ضدّ ذلك: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: 72]. فالسَّكرة تفسد العقل، والعَمَه يفسد البصيرة.
المحور الرابع: قوة القلب وعزّة الطاعة وذلّ المعصية
والفائدة السابعة أن غض البصر يورث القلب ثباتًا وشجاعة وقوة. فيجمع الله لصاحبه بين سلطان البصيرة وسلطان القوة والحجة، حتى إن الشيطان ليفرّ منه، كما كان يفرّ من عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وبالمقابل تجد في متّبع الهوى ذلّ النفس ومهانتها وحقارتها، وهذا ما جعله الله لمن عصاه.
قال الحسن البصري رحمه الله في أهل المعاصي: «إنهم وإن طقطقت بهم البغال وهملجت بهم البراذين، إنّ ذلّ المعصية لفي قلوبهم، أبى الله إلا أن يُذلّ من عصاه». فالعزة تكون على قدر الطاعة، والذلة تكون على قدر المعصية. ولهذا جاء في دعاء القنوت: «إِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ».
قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ۚ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: 10]. وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139]. وقال النبي ﷺ لعمر: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ سَالِكًا فَجًّا قَطُّ إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ» (متفق عليه).
المحور الخامس: سدّ مداخل الشيطان، وتفريغ القلب للتفكر، والصلة بين العين والقلب
والفائدة الثامنة أن غض البصر يسدّ على الشيطان مدخله إلى القلب. فالشيطان يدخل مع النظرة، وينفذ إلى القلب أسرع من نفوذ الهواء في المكان الخالي. ثم يزيّن صورة المنظور إليه، ويجعلها صنمًا يعكف عليه القلب، ويوقد عليه نار الشهوة. وعاقبة ذلك العذاب في الدنيا والآخرة، كما رأى النبي ﷺ الزناة في رؤياه في مثل التنّور يأتيهم لهب من أسفل منهم.
والفائدة التاسعة أن غض البصر يفرّغ القلب للتفكر في مصالحه والاشتغال بها. أما إطلاق البصر فيشتّت القلب في المقارنات والتطلع الذي لا ينتهي، حتى يقع العبد في الغفلة واتباع الهوى. والفائدة العاشرة أن بين العين والقلب منفذًا وطريقًا، فإذا فسدت العين فسد القلب. وقد ذكر ابن القيم في هذا مناظرة لطيفة يتعاتب فيها القلب والعين، ويحكم بينهما الكبد.
قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28].
النقاط الرئيسية
- العشق المحرّم من أخبث أمراض القلوب، وهو يُسكر صاحبه كما تُسكر الخمر شاربها.
- لهذا الداء علاجان: علاج يمنعه قبل أن يقع، وعلاج يزيله بعد وقوعه. والوقاية أيسر من العلاج.
- غض البصر هو الطريق الأعظم لمنع هذا الداء، وهو امتثال لأمر الله تتحقق به السعادة.
- إطلاق البصر يوقع وحشة بين العبد وربه، فيفقد لذة الصلاة والطاعة.
- غض البصر يورث نور القلب والفراسة الصادقة، والجزاء من جنس العمل.
- العزة تكون على قدر الطاعة، والذلة تكون على قدر المعصية، وأبى الله إلا أن يذل من عصاه.
- الشيطان يدخل إلى القلب مع النظرة، وغض البصر يسدّ عليه هذا الباب ويفرّغ القلب لمصالحه.
الفوائد والعبر
- احرص على الوقاية قبل أن تحتاج إلى العلاج. ابتعد عن مواطن الفتنة ولا تعرّض نفسك لها، ولا تثق بقدرتك على مقاومتها.
- اجعل غض البصر عبادة تحتسب أجرها عند الله، وستجد بعدها حلاوة الإيمان ولذة الصلاة.
- إذا أردت العزة والقوة في قلبك فاطلبها في طاعة الله، فذلّ المعصية يلازم صاحبها مهما بدا في ظاهره من الجاه.
- من ترك شيئًا لله عوّضه الله خيرًا منه. فإذا غضضت بصرك عن الحرام رزقك الله نور البصيرة وصدق الفراسة.
- احذر المقارنات التي يولّدها إطلاق النظر، فهي تشتّت القلب وتفسد الرضا بما أحلّ الله، وتشغلك عن مصالح دينك ودنياك.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات