شرح كتاب " الداء والدواء" للإمام ابن القيم (14) شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو الدرس الرابع عشر من شرح كتاب «الداء والدواء» للإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله، ويشرحه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. ويتناول الدرس عقوبة عظيمة من عقوبات الذنوب والمعاصي، وهي أن المعصية مدد يمدّ به الإنسانُ عدوَّه على نفسه، وجيش يقوّيه به على حربه. فالعاصي يعين الشيطان على نفسه، ويفتح له الأبواب التي كان ينبغي أن يحرسها.
ويقف الشيخ مع تصوير ابن القيم البديع للمعركة بين العبد والشيطان. ففيه القلب ملك في حصنه، والجوارح ثغور مفتوحة على العدو، والنفس أقرب الحاشية إلى الملك. ثم يذكر وصايا إبليس لجنوده في كيفية اقتحام كل ثغر، وما يقابل ذلك من أسلحة المؤمن: العلم والإيمان واليقين والذكر.
أهداف الدرس: معرفة خطورة المعاصي في تقوية العدو، وفهم مداخل الشيطان إلى القلب عبر النفس والجوارح، وتعلّم كيفية المرابطة على ثغور العين والأذن واللسان، والتنبّه لطرق الشيطان في إفساد العقيدة والعبادة والسلوك.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: المعصية مددٌ للعدو على النفس
يقرر ابن القيم أن من عقوبات المعاصي أنها مدد من الإنسان يمدّ به عدوه عليه. فالعاصي يتولّى عدوه على نفسه، ويقوّيه بالذنوب. والشيطان عدو لا يغفل ولا ينام، يرانا من حيث لا نراه. وهو حريص على أن يحول بيننا وبين الجنة، ولا يدع أمرًا يقدر على إيذائنا به إلا فعله، ويستعين عليه بجنوده من شياطين الجن والإنس.
وقد ابتلى الله العبد بهذا العدو ليظهر صدق عبوديته ومجاهدته. وأمده في المقابل بجنود من الملائكة، وسلاح العلم والإيمان، ووعده النصر إن صبر واتقى.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ۚ إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: 6]
وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: 27]
المحور الثاني: أسلحة المؤمن في معركته مع الشيطان
يبيّن ابن القيم أن الله أمدّ عبده بعُدّة الحرب وأسلحتها:
- العلم والمعرفة: يكشفان له حقيقة الأمر وأسباب النصر، حتى كأنه يعاين ما وعد الله به أولياءه وما توعّد به أعداءه.
- الإيمان: يثبّت القلب ويقوّيه.
- اليقين: يدفع العبد إلى الإقدام في جهاد عدوه.
ثم جعل للعبد طليعة وعيونًا وجنودًا من جوارحه، وأقام ملائكة الرحمن حوله يستغفرون للمؤمنين ويسألون ربهم أن يقيهم السيئات ويدخلهم الجنات. فإذا أخلى العبد مكان الحراسة، أو غفل عن الثغر، دخل منه العدو.
ولا ينفع هذه الثغور إلا المرابطة الدائمة بتقوى الله، ولا تقوم التقوى إلا على ساق الصبر.
المحور الثالث: خطة إبليس في اقتحام حصن القلب
يصوّر ابن القيم الشيطانَ قائدًا أقبل بجنوده وعساكره، فوجد القلب في حصنه جالسًا على عرشه، نافذ الأمر في أعوانه، محاطًا بالحرس. فلم يستطع الهجوم عليه مباشرة.
فسأل عن أخص الناس بالقلب وأقربهم منه منزلة، فقيل له: النفس. فقال لأعوانه: ادخلوا عليها من مرادها ومحابّها، وزيّنوا لها صورة المحبوب في يقظتها ومنامها. فإذا اطمأنّت إليه فاطرحوا عليها كلاليب الشهوة وخطاطيفها، ثم جرّوها بها إليكم. فإذا صارت معكم على القلب، ملكتم ثغور العين والأذن واللسان والفم واليد والرِّجل.
ثم أوصاهم بالمرابطة على هذه الثغور ومنع ما يقوّي القلب من الوصول إليه. فإن عجزوا عن منعه فليُضعفوه حتى يصل إليه ضعيف الأثر.
المحور الرابع: ثغور العين والأذن واللسان
ثغر العين: يوصي الشيطان جنوده أن يجعلوا نظر العبد نظر تلذّذ واستحسان، لا نظر عبرة واعتبار. فإن استرق نظرة عبرة أفسدوها عليه بالغفلة والشهوة. وقد يزيّن لبعض الجهّال النظر إلى الصور المحرمة بحجة التأمل في صنع الخالق. وأشار الشيخ إلى أن هذا الباب أوصل بعضهم إلى القول بالحلول والاتحاد، كما وقع عند غلاة الصوفية.
ثغر الأذن: يحرص الشيطان ألا يدخل منها ما يفسد عليه أمره، كسماع كلام الله وكلام رسوله ﷺ. ويقابل ذلك بتحسين سماع الباطل واللهو، لأنه خفيف على النفس. فإن غلبه العبد وسمع الحق، حال بينه وبين فهمه وتدبره، إما بالتهويل وأن هذا أمر عظيم لا تطيقه النفوس، وإما بتزيين الدنيا وجاه الناس.
ثغر اللسان: هو من أعظم الثغور. يريد الشيطان منه أمرين لا يبالي بأيهما ظفر: التكلم بالباطل، أو السكوت عن الحق.
«المتكلم بالباطل شيطانٌ ناطق، والساكت عن الحق شيطانٌ أخرس».
المحور الخامس: تلبيس الشيطان في الدين وقعوده لابن آدم بكل طريق
من مكايد الشيطان أنه يُخرج الحق في صورة الباطل، والباطل في صورة الحق.
- في الأمر بالمعروف: يصوّره لبعضهم فتنةً وإفسادًا فيتركونه، ويدفع آخرين إلى الغلو والفضول وتتبّع عثرات الناس وإثارة الفتن.
- في صفات الله تعالى: يلقي على ضعفاء البصائر أن إثبات صفات الاستواء والنزول واليد والوجه تشبيه وتجسيم. ويسمّي تعطيلها تنزيهًا، فيقبل أكثر الناس الشبهة بزخرف القول.
وقد أقسم إبليس أن يقعد لبني آدم على الصراط المستقيم، وأن يأتيهم من كل جهة.
قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: 112]
وقال تعالى: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: 16-17]
وقال رسول الله ﷺ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ بِأَطْرُقِهِ، فَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْإِسْلَامِ فَقَالَ: تُسْلِمُ وَتَذَرُ دِينَكَ وَدِينَ آبَائِكَ وَآبَاءِ أَبِيكَ؟ فَعَصَاهُ فَأَسْلَمَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْهِجْرَةِ فَقَالَ: تُهَاجِرُ وَتَدَعُ أَرْضَكَ وَسَمَاءَكَ؟ فَعَصَاهُ فَهَاجَرَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْجِهَادِ فَقَالَ: تُجَاهِدُ فَهُوَ جَهْدُ النَّفْسِ وَالْمَالِ، فَتُقَاتِلُ فَتُقْتَلُ، فَتُنْكَحُ الْمَرْأَةُ وَيُقْسَمُ الْمَالُ؟ فَعَصَاهُ فَجَاهَدَ...» [رواه أحمد والنسائي]
النقاط الرئيسية
- المعاصي مدد وجيش يقوّي به العبدُ عدوَّه الشيطانَ على نفسه.
- الشيطان عدو لا يغفل ولا ينام، يرانا من حيث لا نراه، وغايته أن يحول بيننا وبين الجنة.
- أسلحة المؤمن في هذه المعركة هي العلم والإيمان واليقين، ولا تُحفظ الثغور إلا بالتقوى القائمة على الصبر.
- يدخل الشيطان إلى القلب عن طريق النفس، فيصطادها بشهواتها ومحبوباتها.
- الجوارح ثغور القلب، وأخطرها العين والأذن واللسان.
- يريد الشيطان من اللسان أحد أمرين: الكلام بالباطل أو السكوت عن الحق.
- يلبّس الشيطان على الناس في أبواب الدين، فيسمّي تعطيل الصفات تنزيهًا، ويدفع في الأمر بالمعروف إلى التفريط أو الإفراط.
الفوائد والعبر
- حراسة الجوارح: احفظ بصرك وسمعك ولسانك، فهي أبواب القلب. وكل غفلة عنها ثغرة يدخل منها العدو.
- مجاهدة النفس: اضبط شهوات نفسك قبل أن تصير جسرًا يعبر عليه الشيطان إلى قلبك.
- نظر الاعتبار: اجعل نظرك نظر عبرة وتفكّر في آيات الله، لا نظر تلذّذ بالمحرّم.
- سماع الحق وتدبّره: أقبل على كلام الله وسنة رسوله ﷺ، واحذر صوارف الشيطان عن الفهم والتدبر.
- ميزان الكلام والسكوت: تكلّم بالحق حيث يجب، واسكت عن الباطل. واعتصم بالعقيدة الصحيحة في أسماء الله وصفاته، وأكثر من ذكر الله والاستغفار، فهما حصن المؤمن من عدوه.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات