شرح كتاب " الداء والدواء" للإمام ابن القيم (20) شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.

4,188 مشاهدة
222 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس العشرون من شرح كتاب «الداء والدواء» للإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله، يشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري حفظه الله. يبدأ المجلس بمسألة اختلف فيها أهل العلم: هل المعاصي كلها كبائر، أم أن منها صغائر ومنها كبائر؟ ويبيّن الإمام ابن القيم أصلًا جامعًا يُعرف به تفاوت الطاعات والمعاصي في مراتبها، وهو الغاية التي خلق الله من أجلها الخلق وأنزل الكتب وأرسل الرسل.

ويقرر المصنف أن أعظم المقاصد هو أن يُعرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، وأن يُعبد وحده لا شريك له، وأن يقوم الناس بالقسط. فكلما كان الذنب أشد منافاة لهذا المقصود كان أكبر، ولهذا كان الشرك بالله أكبر الكبائر على الإطلاق. ثم يفصّل في أنواع الشرك: الشرك في الربوبية والأسماء والصفات، والشرك في العبادة والمعاملة، ويبيّن صور كل منها ومراتبها.

أهداف التعلم: أن يعرف المشاهد الأصل الذي يُفرَّق به بين مراتب الذنوب، وأن يفهم لماذا كان الشرك أعظم الظلم، وأن يميّز أنواع الشرك وأقسامه، وأن ينتبه إلى الشرك الخفي كالرياء الذي يدخل على كثير من الناس، وأن يعرف الدعاء النبوي الذي يُتّقى به.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: الغاية من الخلق والأمر، وبها تُعرف مراتب الذنوب

يذكر المصنف أن الله عز وجل أرسل رسله وأنزل كتبه وخلق السماوات والأرض ليُعرف ويُعبد وحده، ويكون الدين كله له والطاعة كلها له والدعوة له. وهذه الغاية العظمى هي الميزان الذي توزن به الطاعات والمعاصي، فما كان أشد منافاة لها كان أعظم جرمًا، وما كان أعظم تحقيقًا لها كان أعلى منزلة.

ويستدل المصنف بآيات كثيرة تبيّن حكمة الخلق والأمر، منها قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]، وقوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الحجر: 85]، وقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: 12].

وقال سبحانه: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ۚ ذَٰلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: 97]، وقال: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: 25]. والقسط هو العدل الذي قامت به السماوات والأرض، وأعدل العدل توحيد الله تعالى.

المحور الثاني: الشرك أكبر الكبائر وأظلم الظلم

لمّا كان التوحيد أعدل العدل، كان الشرك أظلم الظلم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13]. والشرك محرّم لذاته، لا يُباح في حال من الأحوال، فهو منافٍ بذاته لمقصود الخلق، ولذلك كان أكبر الكبائر على الإطلاق. وقد حرّم الله الجنة على كل مشرك، وأباح دمه وماله لأهل التوحيد لمّا ترك العبودية واستهان بحق الله.

ونبّه الشيخ على خطر من يحكم بالإيمان لمن نصّ القرآن على كفرهم من أهل الكتاب، فالله تعالى يقول: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: 73]، ومن ردّ ذلك فقد كذّب كلام رب العالمين.

ولا يقبل الله من المشرك عملًا في الآخرة، ولا يقبل فيه شفاعة، ولا يستجيب له دعوة، ولا يقبل له رجاء، وإن كان قد يجزيه بحسناته في الدنيا من المال والعافية. فالمشرك أجهل الناس بالله، إذ جعل له من خلقه ندًّا، فعبد غير الذي خلقه ورزقه ورعاه، وظلم نفسه أعظم الظلم. وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: 48].

المحور الثالث: شبهة الوسائط والشفعاء، والسؤال الذي يُفرَّق به بين أهل التوحيد وأهل الشرك

يورد المصنف شبهة بعض المشركين، وهي أنهم يقولون: نحن لم نقصد الاستهانة بجناب الرب، بل قصدنا تعظيمه، فهو أعظم من أن يُدخل عليه إلا بالوسائط والشفعاء كحال الملوك. فإذا كان قصدهم التعظيم، فلماذا اشتد غضب الله عليهم وخلّدهم في النار وأباح دماءهم وأموالهم؟

ويتفرع عن ذلك سؤال عظيم: هل يجوز أن يشرع الله لعباده التقرب إليه بالشفعاء والوسائط، فيكون تحريم ذلك مستفادًا من الشرع وحده؟ أم أن ذلك قبيح في الفطر والعقول، يمتنع أن تأتي به شريعة؟ وينبّه المصنف إلى أن هذا السؤال لا يُستهان به، فبه يظهر الفرق بين المخلصين والمشركين، وبين العارفين بالله والجاهلين به، وبين أهل الجنة وأهل النار. والجواب أن الشرك قبيح في الفطر والعقول قبل أن يأتي الشرع بتحريمه، وأن الشرائع جاءت بتقرير ما في الفطر.

المحور الرابع: أنواع الشرك المتعلق بذات الله وأسمائه وصفاته وأفعاله

الشرك نوعان: شرك يتعلق بذات المعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله، وشرك في عبادته ومعاملته. والنوع الأول قسمان: أولهما شرك التعطيل، وهو أقبح أنواع الشرك، كشرك فرعون إذ قال: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: 23]، وقال: ﴿فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [القصص: 38]. وكل معطّل مشرك، أما المشرك فقد يكون مقرًّا بالخالق وصفاته لكنه عطّل حق التوحيد.

والتعطيل ثلاثة أقسام: تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه، وتعطيل الصانع سبحانه عن كماله المقدس بتعطيل أسمائه وصفاته وأفعاله، وتعطيل معاملته عمّا يجب على العبد من حقيقة التوحيد. ومن صوره: شرك أهل وحدة الوجود الذين يقولون إنه لا خالق ولا مخلوق وإن الحق عين الخلق، وما زال بعض غلاة الصوفية يعتقدون ذلك. ومنه شرك الملاحدة القائلين بقدم العالم، وشرك الفلاسفة الذين يسندون الحوادث إلى «العقول» و«النفوس» و«العقل الفعّال». ومنه شرك الجهمية والقرامطة الذين نفوا الأسماء والصفات، فجعلوا الخالق أنقص من المخلوق، إذ ما من موجود إلا وله اسم وصفات، كما مثّل الشيخ بالورقة الصغيرة التي لها لون وحجم ووزن.

وثانيهما شرك من جعل مع الله إلهًا آخر دون أن يعطّل أسماءه وصفاته وربوبيته، كشرك النصارى الذين جعلوا المسيح وأمه إلهين، وشرك المجوس القائلين بإلهين للنور والظلمة، وشرك القدرية القائلين بأن العبد يخلق أفعال نفسه، وفيهم جاء أول حديث في صحيح مسلم حين أخبر يحيى بن يعمر وحميد بن عبد الرحمن الحميري ابنَ عمر رضي الله عنهما بقوم في البصرة يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أُنُف، فقال: «فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي».

ومنه شرك الذي حاجّ إبراهيم في ربه: ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: 258]. وبيّن المصنف أن هذا ليس انتقالًا من دليل إلى آخر كما زعم بعض أهل الجدل، بل هو إلزام بطرد الدليل. ومنه كذلك شرك عبّاد الكواكب من الصابئة وبعض الفلاسفة، وعبّاد الشمس والنار، وعبّاد الأصنام الذين يتخذونها وسائط تقرّبهم إلى الله.

المحور الخامس: الشرك في العبادة والرياء، وشرك المحبة والتعظيم

الشرك في العبادة أخفى من الشرك في الذات والصفات، وقد يقع فيه من يعتقد أنه لا إله إلا الله، وأنه لا يضر ولا ينفع إلا هو. فيعمل لحظ نفسه تارة، ولطلب الدنيا تارة، ولطلب الجاه والمنزلة عند الخلق تارة، فيجعل لله نصيبًا، ولنفسه وهواه نصيبًا، وللشيطان نصيبًا، وللخلق نصيبًا. وهذا حال أكثر الناس، وهو الشرك الذي قال فيه النبي ﷺ: «الشِّرْكُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ»، قالوا: وكيف ننجو منه يا رسول الله؟ قال: «قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ».

والرياء كله شرك، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110]، فكما أنه سبحانه المنفرد بالإلهية فيجب أن يُفرد بالعبودية. وكان من دعاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ عَمَلِي كُلَّهُ صَالِحًا، وَاجْعَلْهُ لِوَجْهِكَ خَالِصًا، وَلَا تَجْعَلْ لِأَحَدٍ فِيهِ شَيْئًا». وهذا الشرك يُبطل ثواب العمل، وقد يُعاقب عليه صاحبه إذا كان العمل واجبًا، لأنه لم يأتِ بما أُمر به، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: 5]. وفي الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» رواه مسلم.

وهذا الشرك منه ما يُغفر ومنه ما لا يُغفر، ومنه أكبر وأصغر. فمن الأكبر الذي لا يُغفر: الشرك في المحبة والتعظيم، وهو أن يحب مخلوقًا كما يحب الله، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: 165]. وقال أصحاب النار لآلهتهم: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ۝ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: 97-98]. ومعلوم أنهم لم يسوّوهم بالله في الخلق والرزق والإحياء والإماتة، وإنما سوّوهم به في الحب والتأله والخضوع والتذلل. فكيف يُسوّى التراب برب الأرباب، والفقير بذاته بالغني بذاته؟ والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: 15].

النقاط الرئيسية

  • الغاية من الخلق والأمر أن يُعرف الله بأسمائه وصفاته ويُعبد وحده، وبهذا الأصل تُعرف مراتب الطاعات والمعاصي.
  • كلما كان الذنب أشد منافاة لمقصود التوحيد كان أكبر، ولهذا كان الشرك أكبر الكبائر على الإطلاق وأظلم الظلم.
  • الشرك محرّم لذاته، لا يغفره الله لمن مات عليه، ولا يقبل من صاحبه عملًا ولا شفاعة ولا دعوة في الآخرة.
  • التقرب إلى الله بالوسائط والشفعاء قبيح في الفطر والعقول، وليس تحريمه مستفادًا من الشرع وحده، وقصد التعظيم لا يُبرّر الشرك.
  • الشرك نوعان: شرك في الذات والأسماء والصفات والأفعال (ومنه التعطيل واتخاذ إله آخر)، وشرك في العبادة والمعاملة.
  • الرياء شرك خفي أخفى من دبيب النمل، يُبطل ثواب العمل، وقد يُعاقب عليه صاحبه إن كان العمل واجبًا.
  • شرك المحبة والتعظيم من الشرك الأكبر، وهو تسوية المخلوق بالخالق في الحب والتأله والخضوع.

الفوائد والعبر

  • أن يجعل المسلم التوحيد أول ما يتعلمه ويحافظ عليه، لأنه الغاية التي خُلق لها، وبه تُقبل الأعمال أو تُرد.
  • أن يحافظ على الدعاء النبوي: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ»، ودعاء عمر رضي الله عنه في إخلاص العمل.
  • أن يراجع نيته في كل عمل، فلا يجعل فيه نصيبًا للنفس أو الشيطان أو الدنيا أو ثناء الناس.
  • أن يحذر من العقائد الباطلة كوحدة الوجود ونفي الصفات ونفي القدر، ومن أهلها ومن يدافع عنها.
  • أن يجعل محبة الله فوق كل محبة، فلا يسوّي به أحدًا في الحب والتعظيم والذل، وأن يستحضر فقره التام إلى ربه الغني الحميد.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات