شرح كتاب " الداء والدواء" للإمام ابن القيم (12) شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.

5,056 مشاهدة
373 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الثاني عشر من شرح كتاب «الداء والدواء» للإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله، بشرح فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. يتناول الدرس بابين عظيمين من عقوبات الذنوب والمعاصي. الأول أن المعاصي تمحق البركة في العمر والرزق والعلم والعمل والطاعة والدين. والثاني أنها تجعل صاحبها من السَّفَلة بعد أن كان مؤهلًا لأن يكون من العِلْيَة.

تظهر أهمية الموضوع في أن كثيرًا من الناس يشكون ضيق الأوقات وقلة البركة في الأموال والأعمار، ولا يتنبّهون إلى أن السبب قد يكون ذنوبًا استهانوا بها. والبركة كلها من الله تعالى، ولا تُنال إلا بطاعته والقرب منه.

ويهدف الدرس إلى تعريف المسلم بخطر المعاصي على حياته في الدنيا قبل الآخرة، وبيان أحوال النزول والصعود في سير العبد إلى الله، وحكم عودة التائب إلى منزلته. كما يغرس في القلب تعظيم الله تعالى وتحقير النفس، وشكر نعم الله التي لا يستحقها العبد إلا بفضله.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: المعاصي تمحق البركة

يقرر ابن القيم أن من عقوبات المعاصي أنها تمحق بركة العمر والرزق والعلم والعمل والطاعة، بل تمحق بركة الدنيا والدين. فلا تكاد تجد أقل بركة في عمره ودينه ودنياه ممن عصى الله، وما مُحقت البركة من الأرض إلا بمعاصي الخلق. وفي المقابل فإن الإيمان والتقوى سبب لفتح أبواب البركات من السماء والأرض.

وبيّن الشيخ أن البركة تظهر في حياة الطائعين بصورة عجيبة، فيُنجز العبد في الوقت اليسير ما لا يُنجزه غيره في الزمن الطويل، ويُرزق القليل فيبارك الله له فيه. وضرب مثلًا بشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فقد توفي عن نحو سبعة وستين عامًا هجريًّا، ومع ذلك ملأ الدنيا علمًا ومؤلفات ورسائل. وتلك بركة الطاعة في العمر.

ونبّه إلى أن عمر الإنسان الحقيقي هو مدة حياة قلبه مع الله، وأن من أعرض عن الله فحياته حياة بهيمية. فحياة القلب إنما تكون بمعرفة فاطره ومحبته وعبادته والإنابة إليه والأنس بذكره. وكل شيء فات العبد قد يجد منه عوضًا، أما إذا فاته الله فلا يعوّضه عنه شيء.

الأدلة الواردة:

قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: 96].

وقال تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا﴾ [الجن: 16].

وقال ﷺ: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ» [رواه أحمد وابن ماجه].

وقال ﷺ: «إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ نَفَثَ فِي رُوعِي أَنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، فَإِنَّهُ لَا يُنَالُ مَا عِنْدَ اللَّهِ إِلَّا بِطَاعَتِهِ».

المحور الثاني: البركة من الله وتُمحق بمقارنة الشيطان

يوضح ابن القيم أن الرب سبحانه هو الذي تبارك، والبركة كلها منه. فكل ما نُسب إليه فهو مبارك: كلامه مبارك، ورسوله مبارك، وعبده المؤمن النافع لخلقه مبارك، وبيته الحرام مبارك، وأرض الشام التي وصفها بالبركة في كتابه مباركة. وكل ما باعده الله عنه من الأعيان والأقوال والأعمال فلا بركة فيه ولا خير.

والشيطان ملعون مطرود من رحمة الله، فكل شيء يتصل به ويقارنه تُنزع منه البركة ولو كان كثيرًا. ولذلك شُرع ذكر اسم الله عند الأكل والشرب واللباس والجماع، لما في ذكر اسمه من البركة وطرد الشيطان. فكلما كان الشيء أقرب إلى إبليس كان أقرب إلى اللعنة، وكلما بعُد عنه كان أقرب إلى البركة.

ومن هنا كانت المعاصي أعظم الأسباب في محق البركة، لأنها من عمل الشيطان. وكل وقت يُعصى الله فيه، وكل مال أو بدن أو جاه أو علم أو عمل يُعصى به الله، فهو على صاحبه لا له، وليس له من عمره وماله وعلمه إلا ما أطاع الله فيه.

وفي الحديث: «الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ، مَلْعُونٌ مَا فِيهَا، إِلَّا ذِكْرَ اللَّهِ وَمَا وَالَاهُ، وَعَالِمًا أَوْ مُتَعَلِّمًا» [رواه الترمذي].

المحور الثالث: المعاصي تجعل صاحبها من السَّفَلة

ومن عقوبات المعاصي أنها تجعل صاحبها من السفلة بعد أن كان مهيّأً لأن يكون من العِلية. فالله خلق خلقه قسمين: عِلية وسَفَلة، وجعل عليين مستقر العِلية وأسفل سافلين مستقر السفلة. وجعل أهل طاعته الأعلين في الدنيا والآخرة، وأهل معصيته الأسفلين في الدنيا والآخرة، وجعل العزة لأهل طاعته والذلة والصغار لأهل معصيته.

فكلما عمل العبد معصية نزل إلى أسفل درجة، ولا يزال في نزول حتى يكون من الأسفلين. وكلما عمل طاعة ارتفع بها درجة، ولا يزال في ارتفاع حتى يكون من الأعلين. وقد يجتمع للعبد في حياته صعود من وجه ونزول من وجه، وأيهما غلب عليه كان من أهله.

وحذّر الشيخ من أن العبد قد ينزل نزولًا بعيدًا بكلمة واحدة لا يُلقي لها بالًا، فلا يوازي ذلك النزولَ صعودٌ ألف درجة.

قال ﷺ: «وَجُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي، وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» [رواه أحمد من حديث ابن عمر رضي الله عنهما].

وقال ﷺ: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا، يَزِلُّ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ الْمَشْرِقِ» [متفق عليه].

المحور الرابع: أنواع النزول وحكم عودة التائب إلى منزلته

بيّن الإمام أن نزول العبد ثلاثة أنواع، ولكل نوع حكم في العودة:

  • النزول إلى الغفلة: وهذا إذا استيقظ من غفلته عاد إلى درجته، أو إلى أرفع منها بحسب يقظته.
  • النزول إلى مباح لا ينوي به الاستعانة على الطاعة: وهذا إذا رجع إلى الطاعة فقد يعود إلى درجته، وقد لا يصل إليها، وقد يرتفع عنها، بحسب همّته.
  • النزول إلى معصية صغيرة أو كبيرة: وهذا يحتاج في عودته إلى درجته إلى توبة نصوح وإنابة صادقة.

وأشار الشيخ إلى أن مدخل الشيطان يبدأ بالغفلة، ثم يتدرج إلى التوسع في المباحات، ثم إلى المعاصي.

ثم ذكر خلاف العلماء: هل يعود التائب بعد التوبة إلى درجته التي كان عليها؟ قال بعضهم: لا يعود، لأنه كان في صعود مستمر، فلما عصى نزل وفاته ذلك الصعود، فيكون كمن يرتقي سُلّمًا لا نهاية له ثم نزل درجة فإن صاحبه يعلو عليه. وقال آخرون: إن التوبة تمحو أثر الذنب، فيعود إلى مثل منزلته.

وحكم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بين الفريقين بالتفصيل. فمن التائبين من يعود إلى أرفع من درجته، ومنهم من يعود إلى مثلها، ومنهم من لا يصل إليها. وذلك بحسب قوة التوبة وكمالها، وما أحدثته المعصية في قلب العبد من الذل والخضوع والإنابة والخوف من الله والبكاء من خشيته.

المحور الخامس: الانكسار بعد الذنب وتعظيم من عُصي

قد تكون الخطيئة سببًا في رحمة العبد إذا أورثته الانكسار. فهي تنفي عنه داء العُجب، وتُخلّصه من رؤية نفسه وعمله. فيضع خده لربه ذليلًا منكسرًا على عتبة سيده ومولاه، ويعرف قدره ويشهد فقره، ويخرج من قلبه صولة الطاعة والأنفة من أن يرى نفسه خيرًا من غيره. فيقف بين يدي ربه موقف الخطّائين المذنبين، ناكس الرأس، مستحيًا من الله، محتقرًا لطاعته، مستعظمًا لمعصيته.

ونبّه الشيخ على حال بعض الناس ممن يرى أنه مستحق لنعم الله، ويطالب بها كأنها حق له. والصواب أن النعمة محض فضل من الله لا يستحقها العبد بعمله. والمؤمن يرى نفسه أهلًا للعقوبة لا للإحسان، ويسيء الظن بنفسه ويحسن الظن بإخوانه. ولو حاسبنا الله على أخطائنا اليومية المتكررة لهلكنا، لكنه سبحانه عفوٌّ حليم لطيف.

وقرر أن الذنوب كلها كبيرة بالنظر إلى عظمة من عُصي. فلا ينظر العبد إلى صغر المعصية، وإنما ينظر إلى عظمة من عصاه، كما قال بعض السلف. فالذنب وإن صغر فإنه في مقابلة العظيم الذي لا أعظم منه، والكبير الذي لا أكبر منه، والجليل الذي لا أجلّ منه، صاحب الإنعام العظيم والإحسان الدائم.

النقاط الرئيسية

  • المعاصي تمحق البركة في العمر والرزق والعلم والعمل والطاعة والدين، وما مُحقت البركة من الأرض إلا بمعاصي الخلق.
  • الإيمان والتقوى والاستقامة سبب لفتح بركات السماء والأرض، ولا يُنال ما عند الله إلا بطاعته.
  • عمر الإنسان الحقيقي هو مدة حياة قلبه مع الله، ومن فاته الله لم يعوّضه عنه شيء.
  • البركة كلها من الله، وكل ما قارنه الشيطان نُزعت منه البركة، ولذلك شُرع ذكر اسم الله في الأكل والشرب واللباس.
  • الطاعة ترفع العبد إلى العِلية، والمعصية تنزل به إلى السَّفَلة، وأيهما غلب على العبد كان من أهله.
  • النزول ثلاثة أنواع: إلى الغفلة، أو إلى مباح لا يُستعان به على الطاعة، أو إلى معصية تحتاج إلى توبة نصوح.
  • من التائبين من يعود إلى أرفع من درجته، ومنهم من يعود إلى مثلها، ومنهم من يقصر عنها، بحسب صدق التوبة وما أورثته من انكسار.

الفوائد والعبر

  • إذا وجدت قلة بركة في وقتك أو مالك أو علمك فراجع علاقتك بالله، وفتّش عن ذنوبك قبل أن تبحث عن الأسباب المادية.
  • احرص على ذكر اسم الله في جميع شؤونك من أكل وشرب ولباس ودخول وخروج، فإن في ذكره البركة وطرد الشيطان.
  • احذر من التدرّج الشيطاني: الغفلة ثم التوسع في المباحات ثم المعاصي، وانوِ بالمباح الاستعانة على طاعة الله ليصير عبادة.
  • احفظ لسانك، فرُبّ كلمة لا يُلقي لها العبد بالًا تهوي به في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب.
  • اجعل ذنبك سببًا للانكسار والتذلل بين يدي الله، ولا تنظر إلى صغر المعصية بل إلى عظمة من عصيت. واشكر نعم الله واعلم أنها محض فضل منه لا استحقاق لك فيه.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات