شرح كتاب " الداء والدواء" للإمام ابن القيم (10) شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.

3,403 مشاهدة
335 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

هذا هو الدرس العاشر من سلسلة شرح كتاب «الداء والدواء» للإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله، بشرح فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري حفظه الله. ويواصل الشيخ في هذا المجلس بيان عقوبات الذنوب والمعاصي وآثارها في حياة العبد في دينه ودنياه وآخرته. وهذا الباب من أنفع أبواب الكتاب، لأنه يكشف للقلب حقيقة الذنب وعاقبته، فيبعثه على التوبة والرجوع إلى الله تعالى.

ويتناول الدرس جملة من هذه العقوبات. فالمعاصي تحرم العبد من خيرات الإيمان وثمراته، كدعاء الملائكة واستغفارهم للمؤمنين، والانتفاع بالقرآن هدىً وشفاءً. وهي كذلك تزيل النعم وتجلب النقم. ويبيّن الشيخ أن الإيمان سبب لكل خير، وأن المعصية سبب لكل شقاء، وأن أعظم الذنوب الشرك والكفر.

ومن أهداف هذا الدرس:

  • أن يعرف المسلم الصلة بين الطاعة والنعمة، وبين المعصية والنقمة.
  • أن يتعلم كيف يحافظ على نعم الله بشكرها والاستقامة على طاعته.
  • أن يجتهد في طهارة قلبه من رَيْن الذنوب.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: الإيمان سبب كل خير، والمعصية تحرم العبد من ثمراته

يقرر الإمام ابن القيم أن خيرات الدنيا والآخرة معلّقة بالإيمان والعمل الصالح. وكلما نقص إيمان العبد بالمعاصي نقص حظه من هذه الخيرات. ومن أعظم هذه الخيرات استغفار حملة العرش ومن حوله من الملائكة للمؤمنين، ودعاؤهم لهم بالمغفرة والوقاية من العذاب.

فهذا الدعاء مخصوص بمن اتصف بالإيمان واتّباع سبيل الله والتوبة. والمعاصي تُخرج العبد من دائرة هذا الفضل بقدر ما تُضعف إيمانه، فيحرم نفسه بيده من دعاء الملائكة الكرام.

قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر: 7].

المحور الثاني: القرآن هدى وشفاء للمؤمنين

يبيّن الدرس أن القرآن الكريم شفاء لأمراض القلوب من الشبهات والشهوات، وشفاء للأبدان أيضاً. غير أن هذا الشفاء خاص بأهل الإيمان. أما من أعرض وأصرّ على المعاصي فلا ينتفع به، بل يكون عليه عمىً وحجة.

والمقصود أن الإيمان سبب الانتفاع بالقرآن. فكلما قوي إيمان العبد عظم انتفاعه بكلام ربه، وكلما غلبت عليه المعاصي حُجب عن أنواره وهداياته.

قال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ۖ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت: 44].

المحور الثالث: المعاصي تزيل النعم وتُحِلّ النقم

من أعظم عقوبات الذنوب أنها تزيل النعم الحاضرة، وتقطع النعم المستقبلة. فما زالت عن عبد نعمة إلا بذنب، ولا حلّت به نقمة إلا بذنب. والله تعالى لا يغيّر ما بقوم من عافية ونعمة حتى يغيّروا ما بأنفسهم من طاعة وشكر.

وقد أحسن القائل فيما استشهد به الإمام ابن القيم: إِذَا كُنْتَ فِي نِعْمَةٍ فَارْعَهَا *** فَإِنَّ الْمَعَاصِيَ تُزِيلُ النِّعَمْ وَحُطْهَا بِطَاعَةِ رَبِّ الْعِبَادِ *** فَرَبُّ الْعِبَادِ سَرِيعُ النِّقَمْ

قال الله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الأنفال: 53]. وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ [الشورى: 30].

وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في الاستعاذة من ذلك: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ» [رواه مسلم].

المحور الرابع: أثر المعاصي على القلب وحجابه عن ربه

للمعاصي آثار عظيمة في القلب. فهي تورثه ظلمة ووحشة، وتتراكم عليه حتى تصير رَيْناً يحجبه عن معرفة الله ومحبته والأنس به. وهذا الحجاب أعظم العقوبات، لأن القلب إذا حُجب عن ربه فقد فاته كل خير.

قال الله تعالى: ﴿كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: 14].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإِذَا هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ وَتَابَ سُقِلَ قَلْبُهُ، وَإِنْ عَادَ زِيدَ فِيهَا حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ، وَهُوَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ» [رواه الترمذي].

المحور الخامس: الشرك والكفر أعظم الذنوب وأشدها عقوبة

يختم الدرس بأن الذنوب تتفاوت في مراتبها وعقوباتها. وأعظمها على الإطلاق الشرك بالله والكفر به، فهما الذنب الذي لا يغفره الله لمن مات عليه.

ولهذا كان تحقيق التوحيد واليقين أعظم ما يحفظ العبد من الشقاء، وأعظم أسباب النجاة والسعادة في الدارين.

قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: 48].

النقاط الرئيسية

  • الإيمان سبب كل خير في الدنيا والآخرة، والمعاصي سبب كل شقاء وبلاء.
  • المعاصي تحرم العبد من استغفار الملائكة ودعائهم الذي خصّ الله به المؤمنين.
  • القرآن هدى وشفاء للمؤمنين، ولا ينتفع به المعرض المصرّ على الذنوب.
  • الذنوب تزيل النعم الحاضرة وتمنع النعم المستقبلة، وتُبدل العافية بلاءً.
  • حفظ النعم يكون بشكرها وطاعة المنعم، واجتناب معصيته.
  • تراكم الذنوب يورث القلب رَيْناً يحجبه عن ربه، والتوبة تجلوه وتطهّره.
  • الشرك والكفر أعظم الذنوب، وتحقيق التوحيد واليقين أعظم أسباب النجاة.

الفوائد والعبر

  • إذا رأيت نقصاً في نعمة أو ضيقاً في حال، ففتّش في ذنوبك وبادر بالتوبة والاستغفار قبل أن يشتد البلاء.
  • احرص على شكر النعم بالقول والعمل، واجعل طاعة الله حصناً تحفظ به ما أنعم عليك.
  • أكثر من تلاوة القرآن وتدبّره مع تقوية إيمانك، لتنال ما فيه من الهداية والشفاء.
  • داوم على الاستعاذة النبوية من زوال النعم وتحوّل العافية وفجاءة النقمة.
  • اجعل تحقيق التوحيد وتجديد اليقين أولى أولوياتك، فهو أساس النجاة وأصل كل خير.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات