شرح كتاب " الإحكام لأصول الأحكام" للإمام ابن حزم (60) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس الستون من شرح كتاب «الإحكام في أصول الأحكام» للإمام أبي محمد علي بن حزم الأندلسي رحمه الله، يشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يدور المجلس حول مسألة دقيقة تتصل بالعقيدة وأصول الفهم: هل للجمادات كالحجارة والجبال والسماوات والأرض نوعٌ من الإدراك والتمييز والإرادة؟ وكيف نفهم النصوص التي تصفها بالتسبيح والخشية والإباء والإشفاق والكلام؟
ويعرض الشيخ كلام ابن حزم في ردّه على الإمام المالكي ابن خويز منداد، الذي أثبت للحجارة نوعًا من التمييز، وتشنيعِه عليه. ثم يناقشه مناقشة علمية منصفة، فيبيّن أن ابن حزم، مع جلالة قدره، تأوّل هنا ظواهر النصوص على خلاف منهجه الظاهري المعروف، وأن في كلامه تناقضًا، لأنه أثبت للحيوان إرادةً وطلبًا وكراهةً، ثم أنكر على غيره ما هو من جنس ذلك.
ويهدف هذا الدرس إلى أن يعرف طالب العلم الفرق بين «عقل التمييز» و«عقل التكليف»، وأن يتعلّم الوقوف مع ظواهر النصوص الشرعية وعدم تحكيم العقل فيها، وأن يتأدب في الخلاف العلمي فلا يشنّع على المخالف ولا يتّهمه في دينه أو عقله في مسائل الاجتهاد.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: نعمة السمع والبصر والفؤاد وموقف ابن حزم من تمييز الجمادات
يبدأ ابن حزم بأن الله تعالى خصّ الإنسان بالسمع والبصر والفؤاد، وحثّه على التفكر والتدبر. ثم يذهب إلى أن الجمادات كالسماوات والأرض والجبال والأفلاك لا تمييز لها ولا إرادة، وأن الحياة والحس والتمييز صفات تخص الأحياء وحدها. ويرى أن من نسب إلى الجمادات شيئًا من هذه الصفات على الحقيقة فقد لبّس الأشياء وخالف المعهود.
ويعلّق الشيخ بأن هذا الكلام غير صحيح عند عرضه على النصوص، فالجمادات أشياء، والله تعالى أخبر أن كل شيء يسبّح بحمده. والخبر بذلك يقيني لا يُدفع بالاستبعاد العقلي.
﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْـًٔا وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَٰرَ وَٱلْأَفْـِٔدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: 78]
﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِۦ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: 44]
المحور الثاني: النصوص الدالة على أن للجمادات نوعًا من الإدراك والإرادة
يسوق الشيخ جملة من النصوص يدل ظاهرها على أن للجمادات نوعًا من الإدراك يناسب حالها. فجهنم تخاطَب فتجيب وتطلب المزيد، وهذا طلبٌ وإرادة. والسماوات والأرض والجبال عُرضت عليها الأمانة فأبت وأشفقت، والإشفاق خشيةٌ من ألا تؤدي الأمانة، وكان الأمر على وجه التخيير لا الإلزام.
ومن النصوص كذلك أن من الحجارة ما يهبط من خشية الله، وأن الجبل لو نزل عليه القرآن لخشع وتصدّع من خشية الله. ومن السنة حديث جبل أُحد الذي يحب النبي ﷺ ويحبه، واهتزازه حين صعد عليه النبي ﷺ وأصحابه.
﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ [ق: 30]
﴿إِنَّا عَرَضْنَا ٱلْأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلْإِنسَٰنُ﴾ [الأحزاب: 72]
﴿وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلْأَنْهَٰرُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَآءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: 74]
﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا ٱلْقُرْءَانَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُۥ خَٰشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ﴾ [الحشر: 21]
قال رسول الله ﷺ: «أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ» [متفق عليه]
وقال ﷺ لما رجف أُحد: «اثْبُتْ أُحُدُ، فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ» [رواه البخاري]
المحور الثالث: تناقض ابن حزم في إثبات الإرادة للحيوان ونفيها عن غيره
يبيّن الشيخ أن ابن حزم أثبت للحيوان ما ركّبه الله فيه من طلب الغذاء، وإرادة بقاء النوع بالتناسل، وكراهة الفساد بعد الكون. وهذه الصفات إرادة وقصد وكراهة. فإذا أثبتها للحيوان، وهو غير مكلّف، فلماذا يشنّع على من أثبت للجماد نوعًا من التمييز الذي دلت عليه النصوص؟
ثم إن ابن حزم اتهم مخالفه بأنه يُجري على الله تعالى حكم العقل ويشبّه قدرة الخالق بقدرة المخلوق. ويرى الشيخ أن الأولى بهذا الوصف من حكّم عقله في النصوص وصرفها عن ظاهرها، وهذا خلاف منهج أهل الظاهر الذي عُرف به ابن حزم.
المحور الرابع: الفرق بين عقل التمييز وعقل التكليف
هذا هو المفتاح الذي يحلّ الإشكال كله عند الشيخ. فالعقل نوعان:
- عقل التكليف: هو مناط الأمر والنهي، ويختص به الثقلان من الإنس والجن. أما الملائكة فقد جُبلوا على الطاعة فلا يعصون الله ما أمرهم.
- عقل التمييز: هو الإدراك الذي يناسب حال المخلوق. ومن أمثلته الحمار الذي يعرف طريق ذهابه وإيابه، والدابة التي تميّز صوت صاحبها، والطفل الرضيع الذي يعرف أمه برائحتها.
فمن أثبت للحجارة تمييزًا لم يقصد أنها مكلفة، وإنما أثبت لها ما يكون به تسبيحها وخشيتها وإباؤها. ولو فصّل ابن حزم بين النوعين لما شنّع على مخالفه، ولما رماه بالتهمة في دينه أو في عقله.
المحور الخامس: دلالة الأسماء على المسميات وحدود التأويل
يحتج ابن حزم بأن الله تعالى رتّب الأسماء على المسميات، وجعل اللغة سببًا للتفاهم، فلا يُسمّى مميِّزًا إلا من يفهم ويتكلم ويسأل ويجيب. أما ما لم يظهر منه ذلك فيُسمّى غير مميّز.
ويرد الشيخ بأن هذه تسمية اصطلاحية، والمعتبر ما سمّاه الله تعالى ورسوله ﷺ في الكتاب والسنة. فإذا أخبر الوحي بأن الحجر يخشى، وأن الجبل يحب، وأن جهنم تتكلم، فالواجب الإيمان بذلك على ظاهره، وإن لم نفقه كيفيته، كما قال تعالى: ﴿وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾.
النقاط الرئيسية
- نفى ابن حزم أي تمييز أو إرادة عن الجمادات، وشنّع على ابن خويز منداد لإثباته للحجارة نوعًا من التمييز.
- ظواهر القرآن والسنة تدل على أن للجمادات تسبيحًا وخشيةً وإباءً وإشفاقًا ومحبةً، يكون بحسب حالها.
- خالف ابن حزم في هذه المسألة منهجه الظاهري، فحكّم عقله في النصوص وصرفها عن ظواهرها.
- أثبت ابن حزم للحيوان إرادةً وطلبًا وكراهةً، فوقع في التناقض حين أنكر على غيره ما هو من جنس ذلك.
- عقل التمييز غير عقل التكليف، والتكليف خاص بالإنس والجن.
- عدم فقهنا لتسبيح المخلوقات لا يعني نفيه، فالله أخبر بوقوعه ونفى علمنا بكيفيته.
- العبرة في الأسماء الشرعية بما سمّاه الله ورسوله ﷺ، لا بمجرد الاصطلاح العقلي أو العرفي.
الفوائد والعبر
- تعظيم النصوص الشرعية: يُقدَّم ظاهر الكتاب والسنة على الاستبعاد العقلي، ويُسلَّم لخبر الله ولو لم تُدرَك كيفيته.
- الإنصاف مع العلماء: نعرف لأهل العلم فضلهم، كابن حزم رحمه الله، ونبيّن خطأهم بأدب علمي دون غلوّ ولا جفاء.
- اجتناب التشنيع: لا يُتّهم المخالف في دينه أو عقله في مسائل الاجتهاد، فالتشنيع كثيرًا ما يرتدّ على صاحبه.
- أهمية التفصيل في المصطلحات: كثير من النزاع يزول إذا فُرّق بين المعاني المشتركة، كالتفريق بين عقل التمييز وعقل التكليف.
- زيادة الإيمان بالتفكر: إذا علم المؤمن أن الحجر يخشى الله، وأن الكون كله يسبّح بحمده، استحيا أن يكون أقسى قلبًا من الحجارة، فلانَ قلبه وكثر ذكره لربه.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات