شرح كتاب " الإحكام لأصول الأحكام" للإمام ابن حزم (59) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس التاسع والخمسون من شرح كتاب «الإحكام في أصول الأحكام» للإمام أبي محمد علي بن حزم الأندلسي رحمه الله، يقدّمه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. ويتناول الدرس مسائل أصولية دقيقة تتصل بفهم دلالات الألفاظ في نصوص الوحي. وأولها حكم الاستثناء إذا جاء بعد جمل متعاطفة: هل يرجع إلى جميعها أم إلى أقربها فقط؟ ثم ينتقل إلى قاعدة عود الضمير إلى أقرب مذكور، ويختم بمبحث المجاز في القرآن والسنة وما يترتب عليه من آثار خطيرة في باب العقيدة.
وتظهر أهمية هذا الدرس في أن هذه القواعد ليست مسائل نظرية مجردة. فهي تنبني عليها أحكام فقهية عملية، منها قبول شهادة القاذف إذا تاب، وسقوط الدية بعفو أولياء المقتول، وحكم المحاربين إذا تابوا قبل القدرة عليهم، وتحريم الربائب. كما يربط الشيخ هذه المباحث بمنهج السلف في فهم الصفات الإلهية، ويبيّن كيف صار القول بالمجاز بابًا للتأويل والتحريف.
ويهدف الدرس إلى أن يتمكن طالب العلم من التعامل مع الاستثناء والضمائر في النصوص الشرعية، وأن يعرف مذهب ابن حزم وأدلته، وأن يزن أقواله بميزان النقد العلمي المنصف. فالشيخ يوافق ابن حزم حيث أصاب، ويتعقّبه حيث خالف ظاهر النص أو منهج السلف، ويحفظ له قدره وفضله في الحالين.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: الاستثناء الوارد بعد جمل متعاطفة
يقرر ابن حزم أن الاستثناء إذا جاء بعد جمل متعاطفة يجمعها حكم واحد وجب ردّه إلى جميعها، إلا إذا ورد نص يبيّن أنه يعود إلى بعضها دون بعض. وبرهانه أنه ليس بعض هذه الجمل أولى بالاستثناء من بعض. فالجملة الأخيرة ليست أحق به من الأولى، ولا الثالثة أحق به من الثانية.
وأورد ابن حزم اعتراض من قال إن الاستثناء يُردّ إلى أقرب مذكور، لأن الألفاظ المتقدمة استقرت على عمومها فلا يُخرج منها إلا بنص أو إجماع. فأجاب بأن الألفاظ المجموعة في حكم واحد لا يستقر أمرها حتى ينقضي الكلام. فإذا جاء بعدها استثناء صحّ التخصيص بالنص يقينًا، وصار قصره على بعض ما قبله دعوى بلا دليل.
وأورد اعتراضًا آخر، وهو أن ردّ الاستثناء إلى أقرب مذكور يقين وردّه إلى الجميع شك. فأجاب بأنه ليس شكًا إذا قام الدليل على صحته، بل هو يقين يدل عليه ظاهر اللفظ، وتخصيص الظاهر بلا دليل لا يجوز. ومن الأمثلة التي ساقها آية المحاربة، فالاستثناء فيها راجع بالإجماع إلى سقوط كل ما ذُكر من قتل وصلب وقطع ونفي:
﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: 33]، ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: 34]
المحور الثاني: تطبيقات القاعدة على آيات الأحكام
طبّق ابن حزم القاعدة على آية القذف، فجعل الاستثناء بالتوبة راجعًا إلى ردّ الشهادة وإلى وصف الفسق معًا. فالقاذف إذا تاب قُبلت شهادته وارتفع عنه اسم الفسق. ونبّه الشيخ إلى أن التوبة المقصودة هي التوبة بشروطها الشرعية، لا مجرد لفظ يجري على اللسان. وأكّد أن القذف المحرَّم هو رمي المؤمن العفيف أو المؤمنة المحصنة الغافلة، لا الحديث عمّن جاهر بالفسق والفجور.
﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: 4-5]
ومن الأمثلة كذلك آية دية القتل الخطأ. فقد دلّ البيان على أن الاستثناء فيها راجع إلى الدية وحدها، لأنها حق أهل المقتول ولهم أن يتصدقوا بها. أما الرقبة فلا حق لهم فيها، فلا تسقط بصدقتهم، لأن الإنسان لا يُسقط ما وجب لغيره.
﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: 92]، ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: 164]
وتعقّب الشيخ ابنَ حزم في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: 83]. فقد جعل ابن حزم الاستثناء من الفضل والرحمة لا من اتباع الشيطان، وحمل القليل على المنافقين. وبيّن الشيخ أن هذا خلاف الظاهر وفيه تكلّف. والظاهر أنه لولا فضل الله ورحمته لاتبع أكثر الخلق الشيطان إلا قليلًا ممن عصمهم الله. واستدرك عليه بأن الكفار كانوا أكثر أهل الأرض في ذلك الزمان، فكيف يكون المستثنى هم القلة المنافقة؟
المحور الثالث: الحدود كفارات والرد على التفريق في شهادة المحدود
أنكر ابن حزم على من قبل شهادة القاذف قبل أن يُقام عليه الحد، وهو في أشد حالات فسقه، ثم ردّها بعد إقامة الحد. واستدل بأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الحدود كفارات لأهلها. وألزم أهل القياس بقياس المحدود في القذف على المحدود في السرقة والزنا.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بَايِعُونِي عَلَى أَلَّا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ، وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلَا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ فَهُوَ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ» [متفق عليه من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه]
ووصف ابن حزم قول المالكية في هذه المسألة بأنه افتراء على الله، لأنهم ردّوا شهادة المحدود فيما حُدّ فيه وقبلوها في غيره. فخالفه الشيخ في هذا الإطلاق، وبيّن أن هذا اجتهاد من أهل العلم، يُخطَّأ صاحبه إن أخطأ، ولا يوصف بالافتراء على الله. وفي ذلك درس في أدب الخلاف وإنصاف المخالف.
المحور الرابع: عود الضمير إلى أقرب مذكور وآية الربائب
انتقل الدرس إلى الباب السادس عشر في الكناية بالضمير. وقرر ابن حزم أن الضمير يرجع إلى أقرب مذكور، ولا يجوز غير ذلك. وهو بهذا يفرّق بين الضمير والاستثناء: فالضمير يعود إلى الأقرب، والاستثناء يعود إلى الجميع إلا بدليل. ونقل أن هذا لا خلاف فيه بين أهل اللغة.
وبنى على ذلك أن الشرط في آية المحرمات خاص بالربائب لا بأمهات النساء. فالضمير في قوله ﴿دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾ يرجع إلى أقرب مذكور، وهو نساؤكم اللاتي هنّ أمهات الربائب. فإذا دخل الرجل بالأم حرمت عليه ابنتها تحريمًا مؤبدًا، أما أم الزوجة فتحرم بمجرد العقد على ابنتها.
﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: 23]
المحور الخامس: مسألة المجاز في القرآن والسنة
قرر ابن حزم أن كل خطاب خاطبنا الله به أو رسوله صلى الله عليه وسلم فهو محمول على موضوعه في لغة العرب، لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: 4]. ومع ذلك فقد أثبت ابن حزم المجاز. فتعقّبه الشيخ بأنه يطالب مخالفيه دائمًا بنص أو إجماع أو ضرورة، ثم لا يقدّم نصًا ولا إجماعًا على وجود المجاز. ورأى الشيخ أن ما يسمونه مجازًا هو أسلوب من أساليب العرب يفهمونه حقيقةً، سواء كانت حقيقة لغوية أو عرفية أو شرعية، يدل عليها السياق والمتبادر إلى الذهن.
وناقش الشيخ المثال المشهور: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ [يوسف: 82]. وبيّن أن المتبادر إلى الذهن هو سؤال أهل القرية، وأن العرب تستعمل هذا الأسلوب على وجه الحقيقة. وذكر ابن حزم أن من العلماء من قال: لو سأل يعقوب عليه السلام القرية والعير نفسها لأجابته لأنه نبي، وجعل ابن حزم كلا الأمرين ممكنًا.
وحذّر الشيخ من أن المجاز صار مصيبة المصائب في باب العقيدة. فقد اتخذه المتأولون ذريعة لتحريف الصفات، فقالوا إن الاستواء بمعنى الاستيلاء وإن اليد بمعنى القدرة، في نحو قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾ [طه: 5]. وبيّن أن القرون المفضلة لم تتكلم بالمجاز بهذا المعنى. أما أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتابه «مجاز القرآن» فقصد بالمجاز ما يُفسَّر به القرآن ويُعبَّر عنه، لا المجاز المقابل للحقيقة. وتمنّى الشيخ لو أن ابن حزم تبنّى نفي المجاز، وأرجع موقفه إلى تأثره بعلم المنطق كما ذكر الذهبي رحمه الله.
واستدل ابن حزم بالحديث الذي يدل على أن تغيير الأسماء لا يغيّر حقائق المسميات، فقال الشيخ متسائلًا: ما علاقة هذا بالمجاز؟ فالخمر تبقى خمرًا ولو سُمّيت بغير اسمها. والحديث هو قوله صلى الله عليه وسلم:
«لَيَشْرَبَنَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا» [رواه أحمد وأبو داود والنسائي]
النقاط الرئيسية
- الاستثناء الوارد بعد جمل متعاطفة يجمعها حكم واحد يرجع عند ابن حزم إلى جميعها، إلا إذا دلّ نص على اختصاصه ببعضها.
- قصر الاستثناء على أقرب مذكور دون دليل تخصيص للظاهر بلا برهان، وهذا لا يجوز.
- القاذف إذا تاب توبة صادقة بشروطها قُبلت شهادته وارتفع عنه اسم الفسق، والحدود كفارات لأهلها.
- الضمير يعود إلى أقرب مذكور، وبهذا يُفهم أن شرط الدخول في آية المحرمات خاص بالربائب لا بأمهات النساء.
- نصوص الوحي محمولة على معهود العرب في لغتها، لأن الرسل أُرسلوا بلسان أقوامهم.
- القول بالمجاز لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا إجماع، وقد كان بابًا لتأويل صفات الله تعالى.
- يُنقد العالم بإنصاف: يُقبل منه ما وافق الدليل، ويُرد عليه ما خالفه، مع حفظ قدره والترحم عليه.
الفوائد والعبر
- ضبط قواعد اللغة والأصول، كالاستثناء وعود الضمير، يعين طالب العلم على فهم الأحكام الشرعية فهمًا صحيحًا بعيدًا عن التكلّف.
- التوبة الصادقة بشروطها تمحو الذنب وتعيد للتائب اعتباره، وهذا باب رجاء عظيم ودعوة إلى المبادرة بالتوبة وإصلاح العمل.
- صيانة الأعراض واجبة، والتحذير من قذف المؤمنين والمؤمنات الغافلين العفيفين، مع التفريق بين ذلك وبين التحذير ممن جاهر بالفجور.
- الاعتصام بمنهج السلف في باب الصفات، وإثباتها على ظاهرها اللائق بجلال الله، يحمي من التأويل والتحريف الذي جرّه القول بالمجاز.
- من أدب الخلاف ألا يوصف اجتهاد المخالف بالافتراء على الله، وأن تُوزن الأقوال بالدليل لا بمكانة قائليها.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات