شرح كتاب " الإحكام لأصول الأحكام" للإمام ابن حزم (5) لفضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو الدرس الخامس من شرح كتاب «الإحكام في أصول الأحكام» للإمام أبي محمد علي بن أحمد بن حزم الأندلسي رحمه الله، ويلقيه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يتناول الدرس بابًا مهمًّا من أبواب الكتاب، وهو باب إثبات الجدال والمناظرة وطلب البرهان. وفيه يقرر ابن حزم أن الله تعالى أمر بالمجادلة بالتي هي أحسن، وأن المناظرة لإحقاق الحق وإبطال الباطل من دين الأنبياء، وأنها ملة إبراهيم عليه السلام التي أُمرنا باتباعها.
وتأتي أهمية هذا الموضوع من أن كثيرًا من الناس اختلط عليهم الأمر؛ فمنهم من ذمّ المناظرة مطلقًا ونهى عنها، ومنهم من فتح بابها بلا ضابط، فجادل بالهوى وبغير علم. فيبيّن الدرس الفرق بين الجدال المحمود الذي يُراد به إظهار الحق بالبرهان، والجدال المذموم الذي يُراد به نصر الباطل أو يكون بغير علم.
ويهدف الدرس إلى أن يعرف طالب العلم الأدلة الشرعية على مشروعية المناظرة، وأن يميّز بين الجدال الممدوح والجدال المذموم، وأن يلتزم بطلب البرهان من الكتاب والسنة ويقدّمهما على الهوى والتقليد، وأن يتأدب بآداب الإنصاف عند الحوار.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: الأمر الإلهي بالمجادلة بالتي هي أحسن
يستدل ابن حزم رحمه الله على مشروعية المناظرة بقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: 46]، ويقرر أن هذا أمر من الله تعالى بالمناظرة والمجادلة. وأما الذين ظلموا منهم فهم الذين يعاندون فينتصرون للباطل ويعلمون أنه باطل، فهؤلاء يُتعامل معهم بما يناسب حالهم.
ونقل الشيخ عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن من أتى مستفتيًا أو مسترشدًا يريد الحق بُيّن له الحق وأُنصف. وأما من أتى مجادلًا يريد إبطال الحق ونصرة الباطل، فلا يُفتح له هذا الباب. والمجادلة بالتي هي أحسن تقوم على الإنصاف وحسن العرض وترك التعسف والتعنت.
وأكد الشيخ أن الدعوى لا تُقبل إلا ببرهان، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: 111]. فكل من ادّعى دعوى أو أفتى بفتوى لزمه أن يأتي بدليلها، والصادق في دعواه يقدر على البرهان عليها.
المحور الثاني: المناظرة ملة إبراهيم عليه السلام
أورد ابن حزم محاجة إبراهيم عليه السلام للملك الذي حاجّه في ربه، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾، إلى قوله: ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: 258]. وبيّن الشيخ أن إبراهيم عليه السلام انتقل إلى حجة لا يستطيع الخصم أن يلبّس فيها، فقطع شغبه.
وذكر مناظرته عليه السلام لقومه في شأن الكواكب والقمر والشمس، وقرر أن إبراهيم لم يكن شاكًّا، وإنما كان مناظرًا لقومه، يستدل بأفول هذه الأجرام وتغيّرها على أنها مخلوقة مُدبَّرة لا تستحق العبادة. قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: 83]. وهذا من الجدال العقلي الصحيح الذي تشهد له الفطرة والعقل السليم.
وقد أُمر نبينا صلى الله عليه وسلم باتباع ملة إبراهيم، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: 123]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: 68]. فنحن مأمورون بالاقتداء به في المحاجة والمناظرة لنصرة الحق، وفي ذلك صلاح الناس في الدنيا والآخرة.
المحور الثالث: إقامة الحجة قبل الحكم على المخالف، والرد على من نهى عن المناظرة
بيّن الشيخ أن من فوائد المناظرة إقامة الحجة على المخالف. فلا يُحكم على معيّن بكفر أو فسق أو بدعة حتى تقوم عليه الحجة الرسالية التي يكفر أو يفسق أو يبتدع من خالفها، كما قرر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. وشروط التبديع في ذلك هي شروط التكفير نفسها، فلا بد أن يكون المعيّن عالمًا متعمدًا قد زالت عنه الشبهة.
وأشار الشيخ إلى خطأ من لا يحفظ من الدين إلا كلمات يرددها، فيرمي بها الناس جزافًا دون علم ولا حجة. وبيّن أن النهي الوارد عن مجالسة أهل الأهواء له موضعه، وأن ذلك لا يعني الطعن في الناس بالباطل ولا ترك بيان الحق لمن يطلبه.
وقرر ابن حزم أن من نهى عن المناظرة والجدال بالحق مطلقًا فهو عاصٍ لله عز وجل، مخالف لملة إبراهيم ومحمد صلى الله عليه وسلم. واستدل بقول أصحاب الكهف: ﴿هَٰؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الكهف: 15]. فمن لم يأتِ بسلطان بيّن على قوله فهو مفترٍ، والسلطان المبين هو كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم.
المحور الرابع: ذم اتباع الهوى والقول على الله بغير علم
ساق ابن حزم الآيات التي تذم اتباع الهوى، منها قوله تعالى: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الروم: 29]، وقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: 50]. وبيّن الشيخ أن أهل الأهواء سُمّوا بذلك لأنهم يقدّمون أهواءهم على الكتاب والسنة وعلى فهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وذم الله تعالى من يكذّب بما لا يعلم، فقال: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ [يونس: 39]. فلا يجوز للمسلم أن يخوض فيما لا يعلم، والواجب عند التنازع الرجوع إلى الكتاب والسنة. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ﴾ [العنكبوت: 68]، فمن قامت عليه الحجة بالدليل لزمه التسليم.
وأما المجتهدون من العلماء فإن الواحد منهم يصيب ويخطئ، فيُعرض قوله على الدليل؛ فيُؤخذ ما أصاب فيه ويُترك ما أخطأ فيه. والمطلوب ممن خالف هو البرهان، كما قال تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ هَٰؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ [آل عمران: 66]، وقال سبحانه: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ [الكهف: 22].
المحور الخامس: الفرق بين الجدال المحمود والجدال المذموم
قرر ابن حزم أن الله تعالى لمّا أوجب الجدال والمناظرة لإحقاق الحق وإبطال الباطل، وجب علينا أن نعرف الجدال المذموم لنجتنبه. والجدال المذموم نوعان: جدال لنصرة الباطل بعد ظهور الحق، وجدال بغير علم. قال تعالى: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ [غافر: 5]، وقال سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ [الحج: 3].
وقال تعالى: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ [الحج: 9]، وقال: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر: 4]. فالجدال المحمود هو ما كان بعلم وبرهان لإظهار الحق، والمذموم هو ما كان بالجهل والهوى والتشغيب على أهل الحق.
وبيّن ابن حزم أن من أبى طلب البرهان واكتفى بتقليد قوله وفرضه على الناس فقد تشبّه بفرعون في قوله: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: 29]. وأورد الشيخ الأثر المروي عن السلف: «من جعل دينه غرضًا للخصومات أكثر التنقل»، وبيّن أنه محمول على من يتنقل بين الأهواء والفرق ولا يستقر على الحق. أما المناظرة بالحق وطلب الحجة فهي سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كان يطالب مخالفيه بالبرهان.
النقاط الرئيسية
- المجادلة بالتي هي أحسن مأمور بها شرعًا لإحقاق الحق وإبطال الباطل.
- المناظرة ملة إبراهيم عليه السلام، وقد أُمر النبي صلى الله عليه وسلم وأمته باتباعها.
- لا تُقبل دعوى إلا ببرهان، والسلطان المبين هو كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم.
- لا يُحكم على معيّن بكفر أو فسق أو بدعة حتى تقوم عليه الحجة وتنتفي عنه الموانع.
- من نهى عن المناظرة بالحق مطلقًا فقد خالف ملة إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام.
- اتباع الهوى وتقديمه على الكتاب والسنة هو أصل ضلال أهل البدع.
- الجدال المذموم نوعان: جدال لنصرة الباطل، وجدال بغير علم.
الفوائد والعبر
- اطلب الدليل من الكتاب والسنة في كل مسألة تتعلمها، وقدّمه على أقوال الرجال وعلى رأيك.
- إذا حاورت غيرك فالتزم الإنصاف وحسن العرض، واجتنب التعنت والتشغيب والانتصار للنفس.
- لا تتكلم في دين الله بغير علم، ولا تكذّب بما لم تُحِط بعلمه.
- تحرَّ قبل الحكم على الناس، ولا ترمِهم بالتبديع أو التكفير قبل قيام الحجة واجتماع الشروط.
- اثبت على الحق إذا عرفته بدليله، واحذر التنقل بين الأهواء والجماعات.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات