شرح مقدمة كتاب" اقتضاء الصراط المستقيم"(1) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

2,225 مشاهدة
226 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

في هذا الدرس الأول من سلسلة شرح كتاب «اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم» لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، يفتتح فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري مشروعًا علميًا لدراسة كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، بعد أن منّ الله عليه بإتمام مشروع قراءة كتب السنة. وقد أُلقي الدرس ليلة الخميس السابع من ربيع الآخر سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة وألف من الهجرة.

يتناول الدرس مقدمة المحقق الشيخ الدكتور ناصر بن عبد الكريم العقل، فيبيّن أمانة العلم الملقاة على عاتق العلماء وطلاب العلم، ويحرّر عنوان الكتاب الصحيح، ثم يشرح الموضوع الرئيس للكتاب، وهو النهي عن التشبه بالكفار والأمر بمخالفتهم في هديهم عمومًا وفي أعيادهم خصوصًا، مع بيان القاعدة الكبرى: أن المشابهة في الظاهر تورث مشابهة في الباطن.

ومن أهداف هذا الدرس: التعرف على منزلة الكتاب ومكانة مؤلفه، وإدراك خطورة التشبه وأثره في الأخلاق والسلوك، وفهم صلة هذه المسألة بأصل الولاء والبراء، والتحذير من التقليد الأعمى والدعوة إلى اتباع الدليل.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: افتتاح مشروع دراسة كتب شيخ الإسلام ابن تيمية

استهل الشيخ الدرس بخطبة الحاجة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يفتتح بها خطبه، ثم أعلن عن بداية مشروع علمي مبارك لا يقتصر على دراسة كتاب «اقتضاء الصراط المستقيم»، بل يمتد إلى دراسة كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، كما اقترح بعض الإخوة الحاضرين، سائلًا الله الإعانة والتيسير والقبول.

وذكر الشيخ أن الله وفّقه من قبل لإتمام مشروع قراءة كتب السنة، بدءًا بموطأ الإمام مالك، ثم صحيح البخاري ومسلم وبقية كتب السنة، وأنه وجد بعد ذلك مجالس لقراءة كتب السنة في أكثر من مكان، فرجا أن يكون ذلك من السنة الحسنة، وأن يتكرر الأمر مع كتب شيخ الإسلام.

كما أشار إلى أن ترجمة شيخ الإسلام أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحراني (المولود سنة 661هـ والمتوفى سنة 728هـ) تحتاج إلى محاضرات مستقلة، فهو أشهر من نار على علم، وعصره يشبه عصرنا في كثير من الأمور.

ومن آيات خطبة الحاجة التي افتتح بها الدرس:

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]

وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ۝ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71]

وقال صلى الله عليه وسلم: «فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ».

المحور الثاني: أمانة العلم ومسؤولية العلماء وطلاب العلم

شرح الشيخ قول المحقق: إن من أوجب الواجبات على العلماء وطلاب العلم العناية بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم دراسةً وحفظًا واستنباطًا وتحليلًا وتعليمًا، جمعًا بين العلم والعمل؛ لأنهم مؤتمنون على ذلك، وقد وضعت فيهم الأمة ثقتها، وهم مسؤولون أمام الله تعالى عن هذه الأمانة: أمانة العلم والعمل به وتبليغه وحفظه والدعوة إليه.

وبيّن الشيخ أن ضلال العالِم يضل به عالَم، وأن العلم الحقيقي هو: قال الله، قال رسوله، قال الصحابة. واستنكر التقليد الأعمى، فإذا كان أهل السنة لا يرضون التقليد الأعمى لأئمة الإسلام الكبار كمالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة والأوزاعي، فكيف يرضى طالب العلم أن يكون مقلِّدًا لواعظ أو خطيب من أهل عصره دون دليل؟

وأشار إلى أن من الأمانة كذلك العناية بالتراث العلمي الثمين الذي تركه أئمة الإسلام في شتى العلوم، وكثير منه لا يزال مخطوطًا في زوايا المكتبات حول العالم مع شدة حاجة المسلمين إليه.

المحور الثالث: تحرير عنوان الكتاب وموضوعه الرئيس

نبّه الشيخ إلى أن الكتاب اشتهر باسم «اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم»، والصواب أنه «اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم»، كما سمّاه شيخ الإسلام نفسه في مجموع الفتاوى (المجلد الثاني والعشرين) الذي جمعه الشيخ عبد الرحمن بن قاسم النجدي وابنه محمد رحمهما الله، مع أن الغالب على ابن تيمية أنه لا يسمّي كثيرًا من كتبه.

أما موضوع الكتاب فيتضح من عنوانه: طلب سلوك الصراط المستقيم باقتضاء مخالفة أصحاب الجحيم، فيخالف المسلم الكفار فيما هو من خصائصهم، إلا ما جاء في شريعتنا فهو من ديننا لا من خصائصهم. وقد أراد المؤلف التنبيه على قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام، وهي النهي عن التشبه بالكفار والأمر بمجانبة هديهم على العموم، وأعيادهم على الخصوص.

وبيّن الشيخ أن هذه القاعدة متصلة بأصل الولاء والبراء الذي هو من أعظم أصول التوحيد، وحذّر من مشاركة غير المسلمين في أعيادهم الدينية وتهنئتهم بها؛ لما تتضمنه من معانٍ عقدية تخالف التوحيد.

ومن الأدلة التي ذكرها:

قال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 28]

وقال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» [رواه أبو داود من حديث ابن عمر رضي الله عنهما].

المحور الرابع: قاعدة «المشابهة في الظاهر تورث مشابهة في الباطن»

شرح الشيخ كلام شيخ الإسلام: أن المشابهة في الأمور الظاهرة تورث تناسبًا وتشابهًا في الأخلاق والأعمال؛ فاللباس والهيئة ليسا مقصودين لذاتهما، لكنهما يؤديان إلى التأثر بأخلاق من يُتشبَّه بهم. ولهذا نُهينا عن مشابهة الكفار في الهدي الظاهر؛ لأنه يقود إلى الموافقة في الهدي الباطن.

وضرب أمثلة واقعية: فاللحية التي أوجبها النبي صلى الله عليه وسلم تكون سببًا في إمساك صاحبها عن كثير من المعاصي حياءً، والنقاب يُلزم المرأة بأخلاق تليق بها، ولذلك يستغرب الناس صدور السوء ممن ظاهره الصلاح أكثر مما يستغربونه من غيره. كما ذكر أن بعض من تخلّوا عن مظاهر الالتزام تدرّج بهم الحال حتى ذابت عندهم الفوارق بين الحق والباطل.

وبيّن أن الحرب على المظهر الإسلامي ليست حربًا على الثياب في ذاتها، وإنما هي حرب على الأخلاق والمبادئ والقيم التي تحملها هذه المظاهر.

المحور الخامس: تشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال، ومنزلة الكتاب العلمية

نقل الشيخ قول ابن تيمية: إن الرجل المتشبه بالنساء يكتسب من أخلاقهن بحسب تشبهه، وإن مخالطة أهل الفساد قد تفضي إلى أسوأ العواقب، ولما كان الغناء من عمل النساء في زمانهم كانوا يسمّون الرجال المغنين مخانيث. وكذلك المرأة المتشبهة بالرجال تكتسب من أخلاقهم من التبرج والبروز ومزاحمة الرجال ما ينافي الحياء والخَفَر المشروع لها.

وقرر أنه لا بد أن يكون بين لباس الرجال ولباس النساء فرق يتميز به كلٌّ منهما، وأن يكون في لباس النساء من الستر والاحتجاب ما يحقق المقصود الشرعي، فما غلب لبسه على الرجال نُهيت عنه المرأة، والعكس كذلك.

ثم عرض الشيخ تنبيهات المحقق عن الكتاب: أولها أنه دراسة تفصيلية فريدة لموضوع مهم وخطير يعد أصلًا من أصول العقيدة، استوفى فيه المؤلف المسألة بأصولها وفروعها وأدلتها العقلية والنقلية وآثار السلف بأسلوب متين رصين يقنع القارئ. وثانيها أن هذه القاعدة من أهم أصول عقيدة السلف في القرون الثلاثة الفاضلة، وكان الصحابة والتابعون يحذّرون الأمة من التهاون بها.

ومن الأحاديث ذات الصلة:

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ» [رواه البخاري].

وقال صلى الله عليه وسلم: «الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ، فَإِذَا خَرَجَتِ اسْتَشْرَفَهَا الشَّيْطَانُ» [رواه الترمذي].

النقاط الرئيسية

  • انطلاق مشروع علمي لدراسة كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، بدءًا بكتاب «اقتضاء الصراط المستقيم»، امتدادًا لمشروع قراءة كتب السنة.
  • العلماء وطلاب العلم مؤتمنون على العلم، ومسؤولون أمام الله عن حفظه والعمل به وتبليغه.
  • العلم قال الله، قال رسوله، قال الصحابة، والتقليد الأعمى لا يليق بطالب العلم.
  • العنوان الصحيح للكتاب: «اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم» كما سمّاه مؤلفه.
  • موضوع الكتاب: النهي عن التشبه بالكفار ومجانبة هديهم عمومًا وأعيادهم خصوصًا، وهو متصل بأصل الولاء والبراء.
  • المشابهة في الظاهر تورث مشابهة في الأخلاق والأعمال الباطنة.
  • يحرم تشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال، ولا بد من التمايز بينهما في اللباس والهيئة.

الفوائد والعبر

  • الحرص على المظهر الإسلامي في اللباس والهيئة؛ لأنه حصن للأخلاق وسبب في الإمساك عن المعاصي.
  • اعتماد الدليل من الكتاب والسنة وفهم السلف أساسًا في التعلم، وعدم الاغترار بكلام أي متكلم بلا برهان.
  • الاعتزاز بالهوية الإسلامية، والحذر من مشاركة غير المسلمين في شعائر أعيادهم الدينية.
  • العناية بتربية الأبناء على ما يناسب فطرتهم، وتجنيبهم أسباب التشبه بالجنس الآخر.
  • المشاركة في مجالس العلم المنتظمة وإحياء السنن الحسنة في نشر العلم والاستفادة من تراث أئمة الإسلام.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات