شرح كتاب " اقتضاء الصراط المستقيم" (34) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

5,004 مشاهدة
377 مشاركة
منذ 6 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الرابع والثلاثون من شرح كتاب «اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم» لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، يقدّمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يتناول المجلس بابًا من أدق أبواب التوحيد وأكثرها حاجةً إلى البيان، وهو ما يتعلّق بالقبور وما يُحدثه الناس عندها من عبادات وعادات، وبيان الحدّ الفاصل بين المشروع والممنوع.

ويبيّن الشيخ أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن اتخاذ القبور مساجد، وعن الصلاة عندها، وعن اتخاذها أعيادًا، وأنه دعا ربه ألا يجعل قبره وثنًا يُعبد. ويقرّر المجلس قاعدة مهمة طالما التبست على كثير من الناس، وهي التفريق بين قصد البقعة لأجل العبادة، ووقوع العبادة فيها اتفاقًا من غير قصد.

ويهدف هذا الدرس إلى تمكين المشاهد من فهم ضوابط الزيارة الشرعية للقبور، ومعرفة أقوال أهل العلم في القراءة عندها، وحكم الذبح والتصدّق والنذر عند القبور، مع التحذير من صور الغلوّ التي انتشرت في بعض البلاد، وربط ذلك كله بالتوحيد الخالص لله تعالى.

المحور الأول: النهي عن اتخاذ القبور مساجد وأعيادًا

يبدأ الشيخ بتذكير ما تقدّم من النصوص النبوية في النهي عن اتخاذ القبور مساجد، والنهي عن الصلاة إليها وعندها، والنهي عن جعلها أعيادًا. ويشرح معنى «العيد» بأنه ما يعتاد الناس إتيانه ويتكرّر قصدهم إليه في أوقات معلومة، وأن هذا المعنى إذا تعلّق بقبر صار ذريعة إلى الغلوّ فيه.

ويبيّن أن المشروع عند زيارة القبور هو السلام على أهلها والدعاء لهم، كما علّمنا النبي صلى الله عليه وسلم، لا الوقوف الطويل بخشوع وتذلّل كما يفعل بعض المتصوفة، ولا التوجّه إلى القبر بالدعاء والسؤال.

ومن الأدلة على ذلك:

قوله صلى الله عليه وسلم: «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» (متفق عليه).

وقوله صلى الله عليه وسلم: «لَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ؛ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ» (رواه أبو داود).

ودعاؤه صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ» (رواه مالك وأحمد).

المحور الثاني: الفرق بين قصد البقعة للعبادة ووقوع العبادة فيها اتفاقًا

يقرّر شيخ الإسلام أنه لا يُعلم أحد من علماء المسلمين قال إن الذكر أو الصلاة أو القراءة عند القبر أفضل منها في غيره. فليس للقبور فضيلة تقتضي قصدها بالعبادة. وما كان موضع قبر النبي صلى الله عليه وسلم شريفًا فلأجل جسده الشريف، لا لأن العبادة عنده أفضل.

ويوضّح الشيخ أن من مرّ بالمقبرة فذكر الله أو دعا أو قرأ دون أن يقصدها لذلك، فلا حرج عليه، لأن ذكر الله مشروع في كل مكان. أما أن يقصد القبر ويتحرّاه لأجل العبادة عنده، ظانًّا أن لها هناك مزية، فهذا هو المنهيّ عنه.

ويشير إلى أن هذه المسألة من أعظم ما دافع عنه شيخ الإسلام في باب التوحيد، وقد أشكلت على كثيرين حتى ردّ عليه بعضهم، كتقي الدين السبكي في كتابه «شفاء السقام في زيارة خير الأنام». ويقرّر الشيخ أن الحق لا يُعرف بكثرة القائلين، وإنما يُعرف بالدليل.

قال الله تعالى: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: 116].

المحور الثالث: حكم قراءة القرآن عند القبور

يعرض الشيخ مذاهب العلماء في القراءة عند القبور. ففي المسألة عن الإمام أحمد ثلاث روايات:

  • الأولى: أن ذلك لا بأس به، وهي اختيار الخلّال وصاحبه وأكثر المتأخرين من الحنابلة.
  • الثانية: أنه مكروه، وهي رواية جماعة من أصحابه.
  • الثالثة: أن القراءة مشروعة وقت الدفن خاصة، ومكروهة فيما سوى ذلك.

واعتمد القائلون بالرواية الثالثة على ما نُقل عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه أوصى أن يُقرأ على قبره عند الدفن بفواتح سورة البقرة وخواتيمها. فقالوا: ما نُقل عن الصحابة والتابعين إنما كان وقت الدفن، ولم يُنقل عنهم أنهم كانوا ينتابون القبور للقراءة عندها في غير ذلك الوقت. ولهذا رأى الشيخ أن هذا القول أقوى من غيره، لما فيه من التوفيق بين الأدلة.

ونبّه على أن من استدلّ بقراءة الفاتحة في صلاة الجنازة لا يصحّ استدلاله، لأن المقصود هناك هو الصلاة نفسها، لا القراءة عند القبر. كما تحدّث عن الأوقاف التي حبسها بعض الناس على القراءة عند القبور، وأن نفعها يكون من جهة إعانة حفّاظ القرآن على حفظه ودرسه، لا من جهة تخصيص القبر بالقراءة.

المحور الرابع: الذبح والتصدّق والنذر عند القبور

يتناول الشيخ عادات جاهلية وبدعًا انتشرت في بعض البلاد، ومنها ما ذكره من أن أهل الديار المصرية يخرجون يوم العيد بعد الصلاة لزيارة القبور. ويبيّن أن تخصيص هذا اليوم بزيارتها من اتخاذها أعيادًا، وأن ذلك منهيّ عنه.

ومن ذلك الذبح عند القبور، وقد ورد فيه النهي الصريح. قال صلى الله عليه وسلم: «لَا عَقْرَ فِي الْإِسْلَامِ» (رواه أحمد وأبو داود). قال عبد الرزاق: كانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شاة. وألحق الحنابلة بهذا المعنى ما يفعله كثير من الناس من التصدّق عند القبر بالخبز والماء والطعام، وعدّوه من البدع المحدثة.

ثم تحدّث عن النذر للقبور أو لسدنتها والمجاورين عندها، واعتقاد أن ذلك سبب لقضاء الحاجات وكشف الكربات. وبيّن أنه إذا كان النذر المشروع نفسه لا يأتي بخير، فكيف بالنذر المحرّم لغير الله؟ وأن الدعاء والتوجّه إلى الله تعالى أفضل من النذر بمراحل.

عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النذر وقال: «إِنَّهُ لَا يَرُدُّ شَيْئًا، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ» (متفق عليه).

المحور الخامس: الغلوّ في المشاهد وسؤال الأموات

يذكر شيخ الإسلام ما وصل إليه بعض الناس من الغلوّ في المشاهد المبنية على القبور. فمنهم من يرى زيارتها أفضل من حجّ البيت الحرام، ومنهم من يقف عندها خاشعًا ذليلًا أعظم من خشوعه في المسجد الحرام. ومنهم من يرى السفر إلى قبر من يعظّمه أفضل من الحج، حتى إن بعضهم لم يحجّ قط وقد زار المشاهد مرارًا.

ويبيّن أن سبب هذا الضلال ظنّهم أن المقصود من زيارة القبور دعاء أصحابها والتوسّل بهم وسؤالهم الحاجات. والصحيح أن المقصود الشرعي من الزيارة هو الدعاء للميت والاستغفار له، كما يُقصد ذلك في صلاة الجنازة، مع تذكّر الآخرة.

ويقرّر أن مكة أفضل من المدينة، وأن العبادة لله وحده هي الغاية. ويبيّن أن الميت إنما ينتفع بعمل الحيّ له من الدعاء والصدقة، لا أن الحيّ ينتفع بسؤال الميت.

قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾ [البقرة: 165].

وقال صلى الله عليه وسلم: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» (رواه مسلم).

النقاط الرئيسية

  • نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ القبور مساجد وأعيادًا، وعن الصلاة إليها وعندها.
  • المشروع في زيارة القبور هو السلام على أهلها والدعاء والاستغفار لهم، لا دعاؤهم وسؤالهم.
  • لا فضيلة للعبادة عند القبور، ويفرَّق بين قصد البقعة للعبادة ووقوع العبادة فيها من غير قصد.
  • في القراءة عند القبور ثلاث روايات عن الإمام أحمد، وأقواها مشروعيتها وقت الدفن خاصة لأثر ابن عمر رضي الله عنهما.
  • الذبح عند القبور من أمر الجاهلية، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لَا عَقْرَ فِي الْإِسْلَامِ»، ويلحق به التصدّق المخصوص عندها.
  • النذر للقبور وسدنتها محرّم، والدعاء والتوكل على الله خير من النذر المشروع فضلًا عن الممنوع.
  • الحق لا يُعرف بكثرة القائلين، وإنما يُعرف بالدليل من الكتاب والسنة وفهم السلف.

الفوائد والعبر

  • أن يحرص المسلم عند زيارة المقابر على اتباع السنة: السلام على الأموات، والدعاء لهم، وتذكّر الآخرة، دون تبرّك أو تمسّح أو طواف.
  • أن يتجنّب تخصيص الأعياد والمواسم بزيارة القبور، أو الذبح والتصدّق عندها، لما في ذلك من مشابهة أهل الجاهلية.
  • أن يجعل حاجاته كلها معلّقة بالله وحده، فيدعوه مباشرة دون واسطة، ويحذر من النذر لغيره سبحانه.
  • أن ينفع والديه وأمواته بما ثبت نفعه: الدعاء، والصدقة الجارية، ونشر العلم، بدلًا من البدع المحدثة.
  • أن يزن الأقوال والأفعال بميزان الدليل، ولا يغترّ بكثرة المخالفين أو انتشار العادات بين الناس.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات