شرح كتاب " اقتضاء الصراط المستقيم" (36) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

4,790 مشاهدة
164 مشاركة
منذ 6 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس السادس والثلاثون من شرح كتاب «اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم» لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، يشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. وموضوعه من أهم مسائل العقيدة لأنه يمس عبادة المسلم كل يوم، وهو الدعاء وأقسامه والتوسل المشروع والتوسل الممنوع. فالخطأ في هذا الباب أوقع كثيراً من الناس في البدع، وجرّ بعضهم إلى ألوان من الشرك.

يبيّن الشيخ أن الدعاء قسمان: دعاء عبادة ودعاء مسألة. ثم يفرّق بين التوسل بدعاء الأنبياء والصالحين وشفاعتهم وبالأعمال الصالحة، وهو جائز مشروع، وبين الإقسام على الله بالمخلوقين والسؤال بذواتهم وجاههم، وهو ممنوع. ويستدل على ذلك بفعل الصحابة رضي الله عنهم، وبحديث الأعمى، وبحديث الثلاثة الذين آووا إلى الغار.

ويختم المجلس بمسألة عقدية مهمة، هي الاستعاذة بصفات الله تعالى، وبيان أن كلام الله غير مخلوق، وأن أفعاله سبحانه صفات قائمة به. وفيه رد على المعتزلة والجهمية. والمقصود أن يعرف المشاهد كيف يدعو ربه على هدي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وأن يميز الوسيلة المشروعة من الوسيلة المبتدعة.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: أقسام الدعاء: دعاء العبادة ودعاء المسألة

يبدأ شيخ الإسلام بقوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾. ثم يقرر أن الدعاء قسمان. القسم الأول دعاء عبادة، وفيه يتعبد العبد ربه بالدعاء فيُثاب عليه في الآخرة مع ما يحصل له في الدنيا. والقسم الثاني دعاء مسألة، وفيه يطلب العبد من ربه حاجته فتُقضى.

ودعاء المسألة يُثاب عليه العبد إذا سأل ما يحبه الله. وقد يسأل أمراً مباحاً فلا ينال إلا حاجته. وقد يكون سؤاله سبباً في ضرر دينه، كمن يسأل ما فيه قطيعة رحم أو تضييع لحقوق الله، فيُعاقب على ما ضيّع من حقوق الله وما تعدّى من حدوده.

والوسيلة التي أمر الله بابتغائها هي وسيلة في العبادة ووسيلة في المسألة. وهي فعل ما أمر الله به من الطاعات، ومن ذلك الدعاء نفسه.

المحور الثاني: التوسل المشروع والتوسل الممنوع

يفرّق الشيخ بين نوعين. الأول التوسل بالأعمال الصالحة، وبدعاء الأنبياء والصالحين وشفاعتهم في حياتهم، وهذا مشروع. والثاني الإقسام على الله بمخلوقاته، كقول القائل: «أسألك بجاه فلان» أو «بحق فلان»، وهذا لم يكن من فعل الصحابة. ومن التوسل المشروع استشفاع الناس بالنبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة. يأتون آدم ثم نوحاً ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى عليهم السلام، وينتهي الأمر إلى سيد الخلق صلى الله عليه وسلم فيقول: «أنا لها»، ويسجد تحت العرش، فيقال له: «يا محمد، ارفع رأسك، وسل تُعطه، واشفع تُشفّع».

وأوضح دليل على ذلك قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الاستسقاء: «اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا». والمراد التوسل بدعائه وشفاعته. ولو كان التوسل بالذات أو الجاه مشروعاً لما عدل الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته، وهو أفضل الخلق، إلى العباس رضي الله عنه. فدلّ ذلك على أن هذا التوسل يكون بالأحياء دون الأموات، لأن الميت لا يُطلب منه شيء.

ونبّه الشيخ على الحديث الموضوع المكذوب على النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم». وبيّن أنه لا يوجد في شيء من كتب السنة.

المحور الثالث: حديث الأعمى ومعنى التوجه بالنبي صلى الله عليه وسلم

طلب الأعمى من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو له ليرد الله عليه بصره، فعلّمه دعاءً يسأل فيه الله أن يقبل شفاعة نبيه فيه: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ... اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ فِيَّ». وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا له وشفع فيه. فالتوجه هنا يعني التوسل بدعائه وشفاعته، وهو المعنى نفسه في قول عمر رضي الله عنه: «كنا نتوسل إليك بنبينا».

أما قوله: «يا محمد» فهو نداء يقصد به الداعي استحضار المنادى في قلبه، كما يقول المصلي في التشهد: «السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ». فلفظ التوسل والتوجه والسؤال بالشخص لفظ مجمل يحتمل أكثر من معنى، ولذلك غلط فيه من لم يفهم مقصود الصحابة. فإن أريد به التسبب بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم وشفاعته، أو بمحبته واتباعه، فهو حق. وإن أريد به الإقسام بذاته فهو المكروه المنهي عنه.

المحور الرابع: التوسل بالأعمال الصالحة: قصة أصحاب الغار

في حديث ابن عمر رضي الله عنهما في الصحيحين، انطبقت صخرة على ثلاثة نفر في غار، فلم يبق لهم إلا أن يتوسلوا إلى الله بأفضل أعمالهم:

  • الأول ترك الفاحشة بعد أن قدر عليها حين قالت له ابنة عمه: «اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه»، وترك لها الذهب.
  • الثاني بقي طوال الليل والقدح في يده ينتظر استيقاظ أبويه الشيخين الكبيرين، وأولاده يتضاغون عند قدميه من الجوع، حتى برق الفجر.
  • الثالث نمّى أجر أجيره حتى صار إبلاً وبقراً وغنماً ورقيقاً، ثم دفعه إليه كله ابتغاء وجه الله.

وكان كل منهم يقول: «اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ»، فانفرجت الصخرة. والأعمال الصالحة أعظم ما يتوسل به العبد، لأن الله وعد أن يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات، وقال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾. ومن هذا الباب دعاء المؤمنين: ﴿رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا ۚ رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾، ودعاء المرأة المهاجرة التي أحيا الله ابنها، وقول الفضيل بن عياض لما احتبس بوله: «بحبي إياك إلا فرّجت عني».

المحور الخامس: السؤال بأسماء الله وصفاته، وأن كلام الله غير مخلوق

سؤال الله بأسمائه وصفاته من التوسل المشروع، كقول الداعي: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، الْمَنَّانُ، بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ». فكونه سبحانه المحمود المنان يقتضي منّه وإحسانه. وكونه الأحد الصمد يقتضي أنه السيد الذي تُقصد إليه الحوائج. أما حديث أبي سعيد: «أَسْأَلُكَ بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيْكَ وَبِحَقِّ مَمْشَايَ هَذَا» ففي إسناده عطية العوفي وفيه ضعف. ولو ثبت فإن حق السائلين على الله أن يجيبهم، وحق المطيعين أن يثيبهم. والإجابة والإثابة من أفعال الله وصفاته، فلا يكون فيه سؤال بمخلوق.

ويشبه هذا قوله صلى الله عليه وسلم: «أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ». والاستعاذة لا تكون بمخلوق، كما نص عليه الإمام أحمد وغيره. ولهذا استدل الأئمة بقوله صلى الله عليه وسلم: «أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ» على أن كلام الله غير مخلوق.

وقرر الشيخ قول جمهور أهل السنة: أفعال الله صفات قائمة به، والخلق غير المخلوق. والصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها إليه دون غيره. فلو كان الله خلق الكلام في الشجرة لكانت الشجرة هي القائلة لموسى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ﴾، ولكان كل كلام في الوجود كلاماً لله. وهذا لازم باطل التزمه الجهمية الحلولية والاتحادية. وبهذا التفريق يندفع ما أورده المعتزلة نقضاً على أهل الإثبات.

النقاط الرئيسية

  • الدعاء قسمان: دعاء عبادة يُثاب عليه العبد، ودعاء مسألة تُقضى به الحاجة. وقد يكون دعاء المسألة سبباً لضرر الدين إذا سأل العبد ما لا يرضاه الله.
  • التوسل المشروع يكون بالأعمال الصالحة، وبأسماء الله وصفاته، وبدعاء الأحياء الصالحين وشفاعتهم.
  • الإقسام على الله بالمخلوقين والسؤال بجاههم أو ذواتهم ليس من هدي الصحابة، وهو مكروه منهي عنه.
  • عدول عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته إلى العباس دليل على أن التوسل كان بالدعاء لا بالذات.
  • حديث «اسألوا الله بجاهي» موضوع لا أصل له في كتب السنة.
  • قصة أصحاب الغار أصل في التوسل بصالح الأعمال الخالصة لوجه الله.
  • الاستعاذة لا تكون بمخلوق، وكلام الله غير مخلوق، وأفعال الله صفات قائمة به، والخلق غير المخلوق.

الفوائد والعبر

  • أخلص في دعائك وأكثر منه، فهو أعظم سلاح للمؤمن. فالثلاثة لم يملكوا حيلة لتحريك الصخرة، فحرّكها إخلاصهم في الدعاء.
  • احرص على أن يكون لك عمل صالح خالص بينك وبين الله، تدّخره لساعة الشدة وتتوسل به إلى ربك.
  • اسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى. واحذر الألفاظ المبتدعة مثل «بجاه فلان» و«بحق فلان»، واترك الاستغاثة بالأموات، فهم لا يملكون لأنفسهم شيئاً، وفاقد الشيء لا يعطيه.
  • بِرّ الوالدين وتقديمهما على النفس والولد من أعظم القربات التي تُفرَّج بها الكربات.
  • اعرض الألفاظ المجملة على فهم الصحابة رضي الله عنهم، واجعل منهجهم ميزاناً لفهم النصوص حتى تسلم من البدع.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات