شرح كتاب " اقتضاء الصراط المستقيم" (7) لفضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس السابع من شرح كتاب «اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم» لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، يقدّمه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. يتناول المجلس سؤالًا يورده بعض المتكلمين على أدلة الأمر بمخالفة أهل الكتاب والمشركين. خلاصة السؤال أن الأمر بالمخالفة أمر بحقيقة مطلقة، فتتحقق بالمخالفة في فعل واحد معيّن، فكيف يُعمَّم الحكم على غيره من الأفعال؟
ويعرض الشيخ جواب شيخ الإسلام عن هذا الإشكال. وهو جواب يقوم على تأصيل أصولي ولغوي دقيق لأقسام العموم، وعلى التفريق بين «اللفظ المطلق» و«المفهوم المطلق من اللفظ». ثم يبيّن أن المخالفة المطلقة ضدّ الموافقة المطلقة، فلا يتحقق امتثال الأمر بالمخالفة إذا خالف المرء في شيء ووافق في أشياء.
ويهدف المجلس إلى أن يعرف المشاهد أقسام العموم الثلاثة بأمثلتها، وأن يفهم معنى «الإطلاق» و«التقييد» في الألفاظ الشرعية، وأن يدرك أن الأمر بالمخالفة يقتضي المخالفة التامة أو الغالبة في الأمور الظاهرة. ويهدف كذلك إلى أن يحذر من منهج التلفيق الذي يأخذ من الشرع جزءًا ويترك جزءًا.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: الإشكال الوارد على عموم الأمر بالمخالفة
يبدأ شيخ الإسلام بإيراد اعتراض قد يحتج به بعض المتكلمين في عامة الأفعال المأمور بها، فيلبّسون به على الفقهاء. يقول المعترض: إن الأمر بالمخالفة أمر بحقيقة مطلقة، والحقيقة المطلقة تتحقق بفرد واحد. فإذا خالفناهم في فعل معيّن، كتغيير الشيب أو الصلاة في النعال، فقد حصلت المخالفة، ولا وجه لتعميم الحكم على سائر الأفعال.
ويجيب شيخ الإسلام عن ذلك من وجهين. الوجه الأول لفظي، ويقوم على بيان أقسام العموم. والوجه الثاني معنوي، ويقوم على أن المخالفة وصف مشتق يدور الحكم معه حيث وُجد. وبهذا الجواب يتبيّن رسوخ شيخ الإسلام في الأصول واللغة والمناظرة، وقد وصفه الشارح بأنه كان من جبال العلم، وأنه قلّما جاء بعده مثله.
المحور الثاني: أقسام العموم الثلاثة
القسم الأول: عموم الكل لأجزائه. في هذا القسم لا يصدق الاسم العام ولا أفراده على جزء من أجزائه. ومثاله قوله تعالى:
﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: 6]
فالوجه يشمل الخدّ والجبين والجبهة وغيرها، وليس شيء من هذه الأجزاء وحده وجهًا. فمن غسل بعضها لم يكن غاسلًا لوجهه، لأن المسمّى ينتفي بانتفاء جزئه. ومثله الصلاة، فهي تُفتتح بالتكبير وتُختتم بالتسليم، فمن صلّى ركعة ثم خرج منها بغير سلام لم يكن مصلّيًا. ومثله الصيام، فمن صام إلى العصر ثم أفطر لم يكن صائمًا.
القسم الثاني: عموم الجميع لأفراده. في هذا القسم يصدق الاسم العام على كل فرد من أفراده، لأن كل فرد قائم بذاته، كالمشركين والمسلمين والرجال والنساء. ومثاله قوله تعالى:
﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: 5]
القسم الثالث: عموم الجنس لأنواعه وأعيانه. في هذا القسم يصدق نفس الاسم العام على الأنواع والأعيان. ومثاله قوله صلى الله عليه وسلم:
«لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ» [رواه البخاري]
فهذا يعمّ جميع أنواع القتل، ويعمّ كل مسلم، ويعمّ كل كافر أيًّا كانت ملّته أو مذهبه. وبيّن الشارح أن من مقاصد هذا الحكم إعزاز أهل التوحيد، لأن عزّة المسلم من عزّة دينه.
المحور الثالث: الإكرام المطلق وتمثيله لعموم الكل لأجزائه
ضرب شيخ الإسلام مثلًا بالإكرام. فلو قيل لرجل: أكرم هذا الرجل، فأطعمه ثم ضربه، لم يكن ممتثلًا. والسبب أن الإكرام المطلق يقتضي فعل كل ما يسرّه وترك كل ما يسوؤه. وأضاف الشارح أن من منّ على ضيفه بعد إطعامه لم يكن مكرِمًا له، لأن المنّ أذى.
واستشهد على ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم:
«مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ» [متفق عليه]
فمن أطعم ضيفه بعض كفايته وتركه جائعًا لم يكن مكرِمًا له. ولا يصح أن يقال إن الإكرام حقيقة مطلقة تتحقق بلقمة واحدة، فالإكرام له صفات معلومة متعارف عليها بين الناس.
المحور الرابع: المخالفة المطلقة ضدّ الموافقة المطلقة
قرّر شيخ الإسلام أن المخالفة المطلقة تنافي الموافقة في بعض الأشياء أو في أكثرها على طريقة التساوي. فالمخالفة المطلقة ضدّ الموافقة المطلقة، والأمر بإحداهما نهي عن الأخرى. ولذلك لا يصح أن يقال: إذا خالفهم في شيء ما فقد حصلت المخالفة، كما لا يصح أن يقال: إذا وافقهم في شيء ما فقد حصلت الموافقة.
والنتيجة أن المخالفة المطلقة لا تتحقق بالمخالفة في شيء واحد مع الموافقة في أكثر الأمور، وإنما تتحقق بالمخالفة في جميع الأشياء أو في غالبها، فلا يرتفعان معًا. وربط الشارح ذلك بقوله تعالى:
﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: 85]
وحذّر الشارح من «منهج التلفيق» الذي يمسك العصا من الوسط في مسائل العقيدة والمنهج. وطبّق ذلك على من يأخذ بعض الأنظمة والمذاهب المخالفة للشريعة ويزعم أنه ينقّيها، وعلى من يستحلّ معاملات يخالطها الربا. وشبّه ذلك بمن يعمل العمل لله وللناس معًا، فكما أن العبودية لا تُقبل إلا خالصة، فكذلك الأمر بالمخالفة يقتضي المخالفة التامة. ونبّه إلى أن التوسط مقبول في أبواب المستحبات ونحوها، أما أصول الاعتقاد فلا يجتمع فيها الضدان.
واستدرك الشارح أن المسلم قد يترك بعض المستحبات الظاهرة إذا خشي الأذى في بلاد الكفر، ولا حرج عليه في ذلك. أما الفرائض كحجاب المرأة المسلمة فلا يجوز تركها.
المحور الخامس: الفرق بين اللفظ المطلق والمفهوم المطلق، والوجه المعنوي للعموم
فرّق شيخ الإسلام بين «مفهوم اللفظ المطلق» و«المفهوم المطلق من اللفظ». فالمعنى المشترك بين جميع موارد اللفظ، مطلقها ومقيّدها، أعمّ من المعنى الذي يُفهم منه عند الإطلاق. والمعنى المشترك قد يحصل بحصول بعض مسمّياته، أما اللفظ عند إطلاقه فيقتضي أمورًا كثيرة لا يقتضيها عند التقييد. ومثاله قولك: «أكرم ضيفك بإعطائه هذا الدرهم»، فهذا إكرام مقيّد. أما «أكرم ضيفك» فأمر بمفهوم اللفظ المطلق، وهو يشمل كل ما يسرّه. ونظير ذلك تفريق الفقهاء بين «الماء المطلق» و«مطلق الماء».
أما الوجه الثاني من الجواب فهو العموم المعنوي. فالمخالفة مشتقة من «خالف يخالف»، وقد أُمر بها لكونها مخالفة، وهذا الوصف سارٍ في كل فرد من أفرادها. فيكون العموم ثابتًا من جهة المعنى المعقول. وبهذين الطريقين يتقرر العموم في قوله تعالى:
﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: 2]
النقاط الرئيسية
- العموم ثلاثة أقسام: عموم الكل لأجزائه، وعموم الجميع لأفراده، وعموم الجنس لأنواعه وأعيانه.
- في عموم الكل لأجزائه يبطل الامتثال بترك جزء، كمن غسل بعض وجهه، أو خرج من الصلاة بغير سلام، أو أفطر قبل الغروب.
- الإكرام المطلق يقتضي فعل ما يسرّ وترك ما يسوء، فلا يتحقق بإطعام يعقبه ضرب أو منّ.
- المخالفة المطلقة ضدّ الموافقة المطلقة، والأمر بإحداهما نهي عن الأخرى.
- الأمر بمخالفة أصحاب الجحيم يقتضي مخالفتهم في جميع الأمور الظاهرة أو في غالبها، ولا تكفي المخالفة في شيء واحد.
- المعنى المشترك للفظ أعمّ من مفهومه عند الإطلاق، واللفظ المطلق يقتضي ما لا يقتضيه المقيّد.
- العموم ثابت أيضًا من جهة المعنى، لأن الحكم المعلّق بوصف مشتق يعمّ كل ما وُجد فيه هذا الوصف.
الفوائد والعبر
- أن يكون المسلم في ظاهره وهديه وعاداته متميّزًا عن أصحاب الجحيم، فلا يكتفي بمخالفة شكلية في أمر واحد مع موافقتهم في أكثر الأمور.
- أن يحذر من الأخذ ببعض الدين وترك بعضه، ومن التلفيق في مسائل العقيدة والمنهج.
- أن يتمّ العبادة بأركانها وأجزائها، لأن ترك جزء منها قد يُبطلها.
- أن يكرم ضيفه إكرامًا تامًّا بلا منّ ولا أذى، امتثالًا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم.
- أن يفرّق بين الفرائض التي لا تسقط بحال وبين المستحبات التي قد تُترك لدفع الضرر، وأن يحرص على ضبط القواعد الأصولية لتحصين نفسه من شبهات المتكلمين.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات