شرح كتاب " اقتضاء الصراط المستقيم" (12) لفضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري.

264 مشاهدة
184 مشاركة
منذ 7 سنوات
أهلاً بك أيها المشاهد الكريم! نقدم لكم وصفًا شاملاً للمجلس الثاني عشر من شرح كتاب "اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم" لشيخ الإسلام ابن تيمية، لفضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. هذا المجلس يستكمل بيان أسس الحنيفية السمحة، ويحذر تحذيراً شديداً من الغلو في الدين، مبيناً أنه سبب هلاك الأمم السابقة، ويدعو إلى التمسك بالمنهج النبوي الوسطي في كل مناحي الحياة.

المقدمة

يُعد كتاب "اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم" لشيخ الإسلام ابن تيمية من أهم الكتب التي ترسخ منهج أهل السنة والجماعة في التمسك بالشريعة الغراء، والابتعاد عن مشابهة أهل الكفر والضلال. وفي هذا المجلس الثاني عشر، يواصل فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري شرحه الماتع، مركزًا على بيان وسطية الإسلام وشموليته، ومحذرًا من الانحراف عن هذا الصراط المستقيم.

يهدف هذا الشرح إلى تعميق فهم المشاهد لمعنى الوسطية في الإسلام، وكيفية تجنب الوقوع في براثن الغلو والتطرف أو التساهل والتفريط، وذلك من خلال استعراض الأمثلة والنصوص الشرعية التي تؤكد على الاعتدال في الاعتقاد والعمل، والتزام منهج النبي صلى الله عليه وسلم وسلف الأمة الصالح. كما يسلط الضوء على خطر التقليد الأعمى للأمم الضالة في عاداتها وتقاليدها التي تخالف شرع الله، ويوضح أهمية التمسك بالهوية الإسلامية الأصيلة في ظل التحديات المعاصرة.

المحاور الرئيسية

الحنيفية الوسطية ومخالفة أهل الجحيم

يؤكد الشيخ على أن الحنيفية السمحة، وهي شريعة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، جاءت بالوسطية والاعتدال، رافعةً عن الأمة الآصار والأغلال. وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن من رغب عن سنته فليس منه، وذلك عندما همّ بعض الصحابة بالتشدد في العبادة، فمنهم من أراد قيام الليل كله، ومنهم من أراد صيام الدهر، ومنهم من أراد ترك الزواج، فبين لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا مخالف لسنته الشريفة التي جاءت باليسر والاقتصاد.

ويوضح الشيخ أن الحنيفية تخالف منهج اليهود الذين أصابتهم القسوة عن ذكر الله وما أنزل، وشددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، كما تخالف النصارى الذين ابتدعوا الرهبانية والغلو في الدين، ولم يوفوها حق رعايتها. ويحذر الشيخ من أن بعض المنتسبين للعلم أو الدين قد يقعون في نصيب من هذا الانحراف، سواء بقسوة القلب والبعد عن منهج الله في الفتوى، أو بابتداع عبادات وأذكار لم يأذن بها الله جل وعلا.

قال تعالى في خطبة الحاجة التي استهل بها الشيخ:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: 102)
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: 1)
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب: 70-71)

تحذير الأمة من الغلو في الدين

ينتقل الشيخ إلى التحذير الشديد من الغلو في الدين، مستدلاً بحديث النبي صلى الله عليه وسلم في غداة العقبة، عندما أمر الصحابة برمي الجمار بحصيات الخذف، ونهى عن المبالغة في ذلك، قائلاً: "إيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ". ويشرح الشيخ أن هذا التحذير عام يشمل جميع أنواع الغلو في الاعتقاد والأعمال، فليس من الغلو التمسك بما حرمه الله ورسوله، بل الغلو هو فرض ما لم يفرضه الله، أو تحريم ما لم يحرمه، أو الابتداع في الدين بعبادات وأذكار لم يأذن بها الشرع.

ويوضح الشيخ أن بعض الناس يتهمون المتمسكين بدين الله بالشدة أو التطرف لمجرد تحريمهم لما حرمه الله من المنكرات كشرب الخمر والزنا والاختلاط المحرم والأفلام الإباحية، معتبراً أن هذا ليس تشدداً بل هو التزام بأمر الله. ويضرب أمثلة على الغلو الحقيقي كاعتقاد أن السواك فرض، أو أن السنن الرواتب فرائض، أو التبرك بما لم يأذن به الشرع، أو اعتقاد أن غير الله ينفع ويضر، أو الاحتفال بالمولد النبوي، أو ابتداع أذكار وأوراد لم ترد في الشرع. ويشدد على أن النصارى والرافضة هم أكثر الطوائف غلواً لجهلهم وتلاعب شياطين الإنس بهم.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"إيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ" (رواه أحمد والنسائي وابن ماجه).

رفض التساهل والانحراف عن شرع الله

يحذر الشيخ من التساهل في الدين أو التنازل عن أحكام الشرع بداعي السياسة أو الدبلوماسية أو إرضاء الناس. ويؤكد أن المسلم يجب أن يقول "سمعنا وأطعنا" لأمر الله ورسوله، ولا يجعل إرادة الشعب حاكماً على شريعة الله، مستنكراً من يرى أن فرض الحجاب أو تطبيق أحكام الردة تشدد، في حين أنها من صميم دين الله. ويفرق بين العاصي الذي يقر بفرضية الحكم ولكنه لا يلتزم به، وبين المنكر لفرضية الحكم، الذي يخرج بذلك من ملة الإسلام.

ويوضح الشيخ أن رفض شرع الله بحجة التشدد هو في حقيقته رفض لدين الله، وأن بعض العلمانيين والممسوخين يتهمون الملتزمين بالدين بالتشدد ليبرروا انحرافهم وتفسخهم. ويستنكر الشيخ محاولات المساواة بين الحق والباطل، أو إرضاء الكفار على حساب الدين، معتبراً أن الديمقراطية التي تعطي الأغلبية حق التشريع هي نجاسة ومخالفة لشرع الله. ويشدد على أن المسلم لا يجوز له أن يشارك أهل الكحفر في أعيادهم أو يهنئهم بمناسباتهم، لأن ذلك مشاركة لهم في هديهم الذي هلكوا به.

قال تعالى:
﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ (النساء: 171)

تطبيق العدل ومحاربة المحسوبية

يتناول الشيخ أهمية تطبيق العدل والمساواة بين الناس في إقامة الحدود والأحكام الشرعية، دون تمييز بين الشريف والضعيف أو الغني والفقير. ويذكر بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعَ مُحَمَّدٌ يَدَهَا"، مؤكداً أن هذا هو منهج الإسلام الذي لا يعرف المحسوبية أو الواسطة، وأننا كلنا لآدم وآدم من تراب.

وينتقد الشيخ بشدة من يظن أن إعفاء الرؤساء والمسؤولين من المحاسبة أو تطبيق الأحكام عليهم "أجود في السياسة" أو يحافظ على "هيبة الدولة"، معتبراً أن هذا انحراف عن العدل الإلهي. ويؤكد أن المحاسبة الحقيقية ستكون عند رب العالمين، وأن الدماء والأموال والأعراض لن تضيع عند الله سبحانه وتعالى، حتى لو كانت المحاكمات الدنيوية هزلية أو صورية. ويختم بتحذير من العلماء الذين يخالفون إجماع الأمة في قضايا شرعية واضحة، مثل جواز بناء الكنائس في بلاد المسلمين، معتبراً أن ذلك جهل بدين الله ومخالفة لمنهج السلف.

النقاط الرئيسية

  • الإسلام دين وسط واعتدال، ويرفض التشدد والغلو في العبادة والاعتقاد.
  • التحذير النبوي الشديد من الغلو في الدين، وبيان أنه سبب هلاك الأمم السابقة.
  • التمسك بأحكام الله ليس تشدداً، بل هو التزام بالشرع الحنيف، والغلو الحقيقي هو الابتداع أو فرض ما لم يفرضه الله.
  • رفض التساهل والتنازل عن ثوابت الدين تحت أي مسمى، ووجوب تقديم شرع الله على آراء البشر.
  • أهمية الدفاع عن حرمة النبي صلى الله عليه وسلم وعرضه الشريف وعرض زوجاته وأصحابه الكرام.
  • وجوب تطبيق العدل والمساواة بين جميع الناس في أحكام الشرع، وعدم التمييز بين غني وفقير أو شريف ووضيع.
  • خطر مشابهة أهل الكفر والضلال في هديهم وسنتهم، ووجوب الابتعاد عن كل ما كان من هديهم.

الفوائد والعبر

  • فهم عميق لمنهج الإسلام الوسطي، وكيفية التمييز بين الاعتدال والغلو أو التفريط.
  • الوعي بخطر الغلو في الدين بجميع أشكاله، والتحصن منه بالتمسك بسنة النبي صلى الله عليه وسلم.
  • تعزيز الثقة في الشريعة الإسلامية، والاعتزاز بالهوية الإسلامية دون خجل أو تساهل.
  • ترسيخ مبدأ العدل والمساواة في النفس، والحرص على تطبيقه في كل شؤون الحياة.
  • القدرة على مواجهة الشبهات التي تثار حول الإسلام، خاصة تلك التي تتهم الملتزمين بالتشدد أو التطرف.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات