شرح كتاب " اقتضاء الصراط المستقيم" (37،والأخير) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

4,145 مشاهدة
22 مشاركة
منذ 6 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس السابع والثلاثون، وهو آخر مجالس شرح كتاب «اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم» لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. ألقاه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري ليلة الخميس الثاني عشر من ربيع الأول سنة 1434هـ، الموافق للرابع والعشرين من يناير سنة 2013م. يتناول الدرس فصلًا مهمًا في أصول دين المسلمين، وهو أن الإسلام لم يجعل مكانًا مخصوصًا تُقصد فيه العبادة غير المساجد. وبهذا هدم الإسلام ما كان عليه أهل الجاهلية وأهل الكتاب من تعظيم البقاع والأشجار والأحجار والقبور.

ثم ينتقل الشرح إلى الفرق بين الاعتكاف الشرعي في المساجد وعكوف المشركين عند الأصنام والمشاهد. ويبيّن حقيقة شرك الأولين، وهو أنهم اتخذوا الوسائط والشفعاء بينهم وبين الله. ويعرض مذهب أهل السنة والجماعة في الشفاعة، وهو وسط بين من غلا في إثباتها ومن جفا فأنكرها. ويختم ببيان الحقوق الخاصة بالله تعالى، والحقوق الخاصة برسله عليهم السلام.

ويهدف هذا الدرس إلى أن يعرف المشاهد ما يُشرع من العبادات في المساجد وما لا يُشرع، وأن يميّز بين التوحيد الخالص وصور الشرك والبدعة. ويسعى كذلك إلى ضبط عقيدته في الشفاعة على منهج السلف الصالح، وإلى أن يعلّق قلبه بالله وحده خوفًا ورجاءً وتوكّلًا.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: لا تختص بقعة بقصد العبادة إلا المساجد، وفضل المساجد الثلاثة

قرّر شيخ الإسلام أن من أصول دين المسلمين ألّا تُخصّ بقعة بقصد العبادة فيها إلا المساجد. أما ما كان عليه المشركون وأهل الكتاب من تعظيم بقاع غير المساجد، كتعظيم أهل الجاهلية لغار حراء ونحوه، فقد جاء الإسلام بمحوه وإزالته.

والمساجد كلها تشترك في جنس العبادات، فما يُفعل في مسجد يُفعل في سائر المساجد. ويُستثنى من ذلك ما خُصّ به المسجد الحرام، كالطواف واستقبال الكعبة، فهذه لا يشاركه فيها غيره. أما المسجد النبوي والمسجد الأقصى فما يُشرع فيهما من صلاة ودعاء وذكر وقراءة واعتكاف يُشرع في غيرهما. ولا يُشرع فيهما شيء من جنسٍ لا يُشرع في غيرهما، فلا يُتمسّح فيهما بشيء ولا يُقبَّل ولا يُطاف به. لكن الصلاة فيهما أفضل من الصلاة في غيرهما، وتتضاعف في المسجد النبوي.

ومن الأدلة ما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ». وزاد مسلم: «فَإِنِّي آخِرُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ مَسْجِدِي آخِرُ الْمَسَاجِدِ». وفي صحيح مسلم قصة المرأة التي نذرت إن شفاها الله أن تصلي في بيت المقدس، فقالت لها ميمونة رضي الله عنها: «اجْلِسِي فَكُلِي مَا صَنَعْتِ، وَصَلِّي فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم». وعن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما مرفوعًا: «وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةٍ فِي مَسْجِدِي هَذَا بِمِائَةِ صَلَاةٍ». وقد صحّح إسناده الضياء المقدسي في «المختارة».

المحور الثاني: الاعتكاف الشرعي وعكوف المشركين

جاءت الشريعة بالاعتكاف الشرعي في المساجد بدلًا مما كان يُفعل قبل الإسلام من المجاورة بغار حراء. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى قبضه الله. والاعتكاف عبادة مختصة بالمساجد باتفاق الأئمة، قال تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: 187]. ولهذا عرّف الفقهاء الاعتكاف بأنه لزوم المسجد لعبادة الله تعالى.

أما العكوف والمجاورة عند شجرة أو حجر، أو عند قبر نبي أو غيره، أو عند مقام نبي أو غيره، فليس من دين المسلمين، بل هو من جنس دين المشركين. وقد قصّ الله تعالى خبر إبراهيم عليه السلام مع قومه: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَٰذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ ۝ قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: 52-53]. وقال تعالى عنهم: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ [الشعراء: 71].

وقال تعالى عن بني إسرائيل: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ ۚ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ۚ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: 138]. فعكوف المؤمنين يكون في المساجد لعبادة الله وحده لا شريك له. أما عكوف المشركين فيكون عند ما يرجونه ويخافونه من دون الله.

المحور الثالث: حقيقة شرك المشركين، اتخاذ الوسائط والشفعاء

بيّن شيخ الإسلام أن المشركين لم يكن أحد منهم يقول إن للعالم خالقين، أو إن لله شريكًا يساويه في صفاته. بل كانوا يقرّون بأن خالق السماوات والأرض واحد، قال تعالى: ﴿قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ۝ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [المؤمنون: 84-85]. وكانوا يقولون في تلبيتهم: «لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ، تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ».

وإنما كان شركهم في اتخاذ آلهتهم وسائط تقرّبهم إلى الله زلفى وتشفع لهم عنده، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ﴾ [الزمر: 3]. وقال سبحانه: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ﴾ [يونس: 18]. وقال تعالى: ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: 44].

ونبّه الشيخ إلى أن ما يفعله بعض المتصوفة اليوم من اتخاذ الوسائط بين العبد وربه هو من جنس هذا الشرك. ولذلك وجب أن تُبدأ الدعوة بالتوحيد، وأن تُربّى الأمة عليه قبل كل شيء.

المحور الرابع: الشفاعة بين الغلاة والجفاة، ومذهب أهل السنة

افترق الناس في الشفاعة ثلاث فرق، طرفان ووسط:

  • المشركون ومن وافقهم من مبتدعة أهل الكتاب ومبتدعة هذه الأمة، أثبتوا الشفاعة التي نفاها القرآن.
  • الخوارج والمعتزلة، أنكروا شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في أهل الكبائر، وأنكر بعضهم انتفاع الإنسان بدعاء غيره وصدقته عنه.
  • سلف الأمة وأئمتها، أثبتوا ما جاءت به السنة من شفاعته صلى الله عليه وسلم لأهل الكبائر وغيرها من أنواع الشفاعة، وقالوا: لا يخلّد في النار أحد من أهل التوحيد.

وقرّر أهل السنة أن الشفاعة لا تنفع إلا بإذن الله ورضاه، قال تعالى: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: 255]. وقال: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ﴾ [الأنبياء: 28]. وقال: ﴿وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَىٰ﴾ [النجم: 26]. وفي حديث الشفاعة الطويل أن النبي صلى الله عليه وسلم يخرّ ساجدًا ويحمد ربه، فيقال له: «يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ». ثم يُحدّ له حدّ فيدخلهم الجنة.

وأسعد الناس بالشفاعة أهل الإخلاص. ففي صحيح البخاري أن أبا هريرة رضي الله عنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: «أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ». فكلما كان العبد أتمّ إخلاصًا لله كان أحق بالشفاعة. ومن علّق قلبه بمخلوق يرجوه ويخافه فهو من أبعد الناس عنها. والفرق بين الشفاعتين أن شفاعة المخلوق عند المخلوق تكون بغير إذن المشفوع عنده، إما لحاجته إلى الشافع وإما لخوفه منه. أما الله تعالى فغنيّ عن العالمين، وهو الذي يأذن للشافع ويقبل شفاعته.

ومما يدل على أن الأمر كله لله أن أفضل الخلق قد لا تُقبل شفاعتهم في بعض الناس. فقد نُهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الاستغفار لعمه أبي طالب. وقيل له في المنافقين: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: 80]. وقيل لإبراهيم عليه السلام لما جادل في قوم لوط: ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا ۖ إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ [هود: 76]. وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: 113].

المحور الخامس: حقوق الله الخاصة وحقوق الرسل

لله سبحانه حقوق لا يشركه فيها غيره، وللرسل حقوق لا يشركهم فيها غيرهم، وللمؤمنين بعضهم على بعض حقوق مشتركة. وفي الصحيحين عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا». وحق العباد هذا تفضّل وإحسان من رب العالمين، وليس مقابلة واجبة عليه. وهذا التوحيد هو الذي بُعثت به الرسل، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36].

ومن تمام هذا التوحيد ألّا يُخشى إلا الله ولا يُتّقى إلا هو. فجعل الله الطاعة له ولرسوله، وجعل الخشية والتقوى له وحده، فقال تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور: 52]. وجعل الإيتاء لله ولرسوله، وجعل الحسب والرغبة لله وحده، فقال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة: 59]. فالحلال ما أحلّه الرسول صلى الله عليه وسلم، والحرام ما حرّمه، والدين ما شرعه.

وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: 64]. ومعنى الآية أن الله وحده كافيك وكافي من اتبعك من المؤمنين. ومن ظن أن معناها أن الله والمؤمنين حسبك فقد غلط غلطًا عظيمًا، لأن الكفاية حق خالص لله تعالى.

النقاط الرئيسية

  • لا تختص بقعة بقصد العبادة في دين الإسلام إلا المساجد، وقد جاء الإسلام بإبطال تعظيم البقاع والأشجار والأحجار والقبور.
  • للمسجد الحرام خصائص لا يشاركه فيها غيره كالطواف والاستقبال. أما المسجد النبوي والأقصى فتُضاعف الصلاة فيهما دون أن يُشرع فيهما جنس عبادة لا يُشرع في غيرهما.
  • الاعتكاف الشرعي لا يكون إلا في المساجد، أما العكوف عند القبور والمشاهد فهو من جنس عكوف المشركين على أصنامهم.
  • كان المشركون الأولون يقرّون بتوحيد الربوبية، وإنما وقع شركهم في اتخاذ الوسائط والشفعاء من دون الله.
  • مذهب أهل السنة في الشفاعة وسط بين الغلاة الذين أثبتوا ما نفاه القرآن والخوارج والمعتزلة الذين أنكروا الشفاعة لأهل الكبائر.
  • الشفاعة ملك لله وحده، ولا تكون إلا بإذنه ورضاه عن الشافع والمشفوع له، وأسعد الناس بها أهل الإخلاص.
  • الطاعة لله ورسوله، أما الخشية والتقوى والتوكل والحسب والرغبة فهي لله وحده.

الفوائد والعبر

  • أن يحرص المسلم على تحقيق الإخلاص في قوله «لا إله إلا الله»، فهو السبب الأعظم لنيل شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة.
  • أن يحذر من التبرك بالأحجار والأشجار والقبور والتمسّح بها، وأن يقتصر في العبادة على ما شرعه الله في بيوته.
  • أن يعلّق قلبه بالله وحده رجاءً وخوفًا وتوكّلًا، وأن يعلم أن الأنبياء أنفسهم يبتغون إلى ربهم الوسيلة ويرجون رحمته ويخافون عذابه.
  • أن يجعل الدعوة إلى التوحيد وتربية الناس عليه أولى الأولويات قبل أي إصلاح آخر، اقتداءً بدعوة الأنبياء عليهم السلام.
  • أن يغتنم فضل الصلاة في المسجد الحرام والمسجد النبوي، وأن يحيي سنة الاعتكاف الشرعي في المساجد، ولا سيما في العشر الأواخر من رمضان.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات