شرح مقدمة كتاب" اقتضاء الصراط المستقيم"(3والأخير من المقدمة) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

4,556 مشاهدة
11 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الثالث والأخير في شرح مقدمة كتاب «اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم» لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، يقدّمه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. يتناول فيه الشيخ مسألة دقيقة يكثر فيها الخطأ، وهي: متى يباح التشبه بغير المسلمين؟ فيبيّن أن الأصل في التشبه بالكفار التحريم، وأن الإباحة حالةٌ طارئة تُستثنى من هذا الأصل ولها ضوابط وشروط.

ويهتم الشيخ ببيان الفرق بين حكم المسلم في بلاد الإسلام وحكمه في بلاد الكفر، محاربةً كانت أو غير محاربة. ويحذّر ممن ينقل كلام شيخ الإسلام في غير موضعه، فيأخذ ما أُبيح للضرورة في دار الكفر ثم يقيس عليه بلاد المسلمين بحجة أنه «من باب أولى». ويربط ذلك بالقواعد الفقهية في الضرورات وبمقاصد الشريعة في جلب المصالح ودفع المفاسد.

ومما يخرج به المشاهد من هذا الدرس: أن يفهم قاعدة «الضرورات تبيح المحظورات» وقاعدة «الضرورة تُقدَّر بقدرها»، وأن يعرف ما لا تبيحه الضرورة أصلًا، وأن يتعرّف على تقسيم الديار عند العلماء، وأن يدرك أثر الزمان والمكان والحال في تنزيل الفتوى. ويختم الشيخ المجلس بمدخل إلى الموضوع الثامن من موضوعات الكتاب، وهو الأعياد والاحتفالات البدعية.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: الأصل تحريم التشبه، والإباحة استثناء للضرورة

يبدأ الشيخ بالموضوع السابع من موضوعات الكتاب، وهو بيان الأحوال التي يباح فيها التشبه بغير المسلمين. ويقرر أن تحريم التشبه بالكفار من أهل الكتاب والأعاجم هو الأصل الثابت، وأن ما أباحه شيخ الإسلام في بعض الأحوال إنما أباحه للضرورة أو للمصلحة الراجحة، ولم يجعله أصلًا يُبنى عليه.

ويحذّر الشيخ من خطأ منهجي شائع: أن يقول قائل إن ما جاز للمسلم في دار الكفر فهو في بلاد المسلمين جائز من باب أولى. ويرى أن هذا قلبٌ للحكم، لأن الإباحة هناك كانت لدفع ضرر حقيقي عن الدين أو النفس أو العرض أو المال، ولا ضرورة من هذا النوع في بلاد الإسلام. فالمسلم في بلده يستطيع أن يلبس لباس المسلمين ويُظهر شعائر دينه دون خوف.

ويضرب لذلك مثلًا بالفتاوى التي تصدر لمسلمي البلاد غير الإسلامية في مسائل نزلت بهم للضرورة، فلا يصح أن تُنقل إلى بلاد المسلمين لاختلاف علّة الحكم ومناطه. ويؤكد أن فهم مناط الحكم ثم تطبيقه على الواقع أمران مختلفان، وأن الخلط بينهما يوقع في التلبيس على الناس.

ومن الأدلة التي افتتح بها الشيخ المجلس قول النبي ﷺ في خطبة الحاجة: «فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ».

المحور الثاني: قاعدة الضرورات وحدودها

يشرح الشيخ أن الشريعة جاءت بالتيسير ورفع الحرج ومراعاة المصالح ودفع المضار، وأن للضرورات فيها أحكامًا خاصة، ومنها قاعدتان متلازمتان: «الضرورات تبيح المحظورات» و«الضرورة تُقدَّر بقدرها». فمن لم يجد إلا الخمر لينقذ نفسه من الهلاك عطشًا شرب منها بقدر ما يدفع الهلاك فقط، والمضطر إلى الميتة يأكل منها ما يُبقي حياته حتى يجد الحلال، ولا يأكل منها حتى يشبع.

ثم يذكر أن من المحرمات ما لا تبيحه الضرورة أبدًا، وهما القتل والزنا. فلو أُكره المسلم على قتل مسلم معصوم أو على أن يُقتل هو، لزمه أن يصبر على القتل ولا يقتل غيره، لأنه إن قُتل فهو مأجور بإذن الله، وأما إن قتل فقد أزهق نفسًا معصومة بغير حق. وكذلك أن يُضرب أو يُجلد أو يُقتل أهون عليه من أن يقع في الزنا.

وعلى هذا فالضرورة باب ضيق له قدر محدود، ولا يجوز أن يتخذه الناس ذريعة لاستباحة المحرمات أو للتنازل عن الثوابت.

المحور الثالث: تقسيم الديار واختلاف الحكم باختلاف الحال

يبيّن الشيخ تقسيم العلماء للديار. فدار الإسلام هي التي تعلوها أحكام الإسلام، ودار الكفر هي التي تعلوها أحكام الكفر، ودار الكفر قسمان: محاربة وغير محاربة. والقسم الرابع هو الدار المركّبة، أي «المختلطة»، وهي التي أهلها مسلمون وتجري عليهم أحكام غير إسلامية، كما ذكر شيخ الإسلام في فتواه المشهورة عن ماردين.

ثم يذكر نصّ شيخ الإسلام في هذا الموضع: «لو أن المسلم بدار حرب أو دار كفر غير حرب لم يكن مأمورًا بالمخالفة لهم في الهدي الظاهر لما عليه في ذلك من الضرر، بل قد يستحب للرجل أو يجب عليه أن يشاركهم أحيانًا في هديهم الظاهر إذا كان في ذلك مصلحة دينية: من دعوتهم إلى الدين، والاطلاع على باطن أمورهم لإخبار المسلمين بذلك، أو دفع ضررهم عن المسلمين، ونحو ذلك من المقاصد الصالحة».

ويفرّق الشيخ بين الضرر المحقق، مثل القتل والتعذيب والسجن الطويل بسبب المظهر الإسلامي، وبين مجرد السخرية والاستهزاء. فالسخرية لا تُعدّ ضرورة تبيح ترك هدي المسلمين، وهي سنة ماضية في أهل الإيمان، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: 29]. ويستشهد كذلك بما رواه البخاري في قصة قتل كعب بن الأشرف، حين استأذن محمد بن مسلمة رضي الله عنه النبيَّ ﷺ فقال: «فَأْذَنْ لِي أَنْ أَقُولَ شَيْئًا»، قَالَ: «قُلْ»، دليلًا على أن المصلحة الشرعية الراجحة قد تبيح ما لا يباح في الأصل.

المحور الرابع: ضوابط إباحة التشبه وخطورة الفتوى في زمن التنازلات

يجمع الشيخ ضوابط المسألة: أن تكون هناك ضرورة حقيقية أو مصلحة دينية كبرى، كالدعوة إلى الله أو معرفة أحوال الأعداء أو دفع ضررهم، وأن يُقدَّر ذلك بقدره، وأن يكون في دار الكفر لا في دار الإسلام. ويضيف ضابطًا مهمًا: ألا يصاحب ذلك استحلالُ محرم، ولا تركُ واجب كالصلاة، ولا إخلالٌ بالعقيدة.

ويقرر أن المسلم في دار الكفر إن استطاع إظهار شعائره دون ضرر على نفسه أو عرضه أو ماله فإظهارها مستحب، وقد يجب إن كان فيه دعوة إلى الله. ويذكر أن من الناس من أسلم لما رأى هيئة المسلمين وسمتهم وصلاتهم.

ثم يحذّر من التنازلات التي تجعل ما كان محرمًا عند العلماء مسألةً خلافية بعد ذلك تحت ضغط الواقع، وينبّه إلى أن الفتوى تختلف باختلاف البلد والزمان والحال. ويذكّر بأسلوب أهل الباطل في تزيين الباطل، كقول فرعون: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: 29]، وقوله عن موسى عليه السلام: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر: 26].

المحور الخامس: السفر إلى بلاد الكفار، ومدخل إلى الأعياد البدعية

ينبّه الشيخ إلى أن المسلم لا ينبغي له أن يسافر إلى بلاد غير المسلمين إلا لضرورة أو مصلحة كبرى، لأن الإقامة بينهم تعرّضه لمخالفات شرعية كثيرة، وقد تؤدي إلى ذوبان الهوية والانسلاخ من الدين، وشواهد ذلك كثيرة في واقع بعض الأقليات وبعض المبتعثين.

ثم يدخل في الموضوع الثامن من موضوعات الكتاب، وهو الأعياد والاحتفالات البدعية. ويبيّن أنها من أخطر ما تساهل فيه المسلمون بعد القرون المفضلة، حتى سارع كثير منهم إلى التشبه بالأمم الأخرى في أعيادها، فابتدعوا الاحتفال بالمولد، وكان أول ظهوره على يد الدولة العبيدية التي تسمّت بالفاطمية، ثم الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج، ثم الأعياد الوطنية والقومية التي تتكاثر يومًا بعد يوم.

النقاط الرئيسية

  • الأصل في التشبه بالكفار التحريم، وإباحته استثناء عارض للضرورة أو للمصلحة الشرعية الراجحة.
  • ما جاز في دار الكفر للضرورة لا يُقاس عليه في دار الإسلام «من باب أولى»، لأن علّة الحكم غير موجودة.
  • «الضرورات تبيح المحظورات» و«الضرورة تُقدَّر بقدرها»، والقتل والزنا لا تبيحهما ضرورة أبدًا.
  • الديار عند العلماء: دار إسلام، ودار كفر محاربة، ودار كفر غير محاربة، ودار مركّبة.
  • الضرر الذي يبيح المشاركة في الهدي الظاهر هو الضرر المحقق، أما السخرية والاستهزاء فليست ضرورة.
  • يُشترط في كل ذلك ألا يستحل المسلم محرمًا، ولا يترك واجبًا، ولا يُخلّ بعقيدته.
  • الاحتفالات البدعية كالمولد من أخطر صور التشبه، وأول من أظهر المولد الدولة العبيدية.

الفوائد والعبر

  • التثبّت قبل نقل كلام العلماء، وفهم سياقه ومناطه قبل تنزيله على واقع مختلف.
  • الاعتزاز بالهوية الإسلامية وإظهار شعائر الدين في بلاد المسلمين، وعدم ترك الهدي الظاهر خوفًا من سخرية الناس.
  • عدم التوسع في باب الضرورة، والوقوف عند حدودها ومقدارها.
  • الحذر من السفر والإقامة في بلاد غير المسلمين دون حاجة معتبرة، حفاظًا على الدين والأسرة.
  • الحذر من الاحتفالات المحدثة، ولزوم هدي النبي ﷺ والسلف الصالح في الأعياد والمناسبات.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات