شرح كتاب " اقتضاء الصراط المستقيم" (2) لفضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري.

3,698 مشاهدة
281 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الثاني من شرح كتاب «اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم» لشيخ الإسلام أبي العباس أحمد بن تيمية رحمه الله، ويشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يتناول المجلس كلام شيخ الإسلام عن أخلاق اليهود والنصارى التي ذمّها القرآن والسنة، ويبيّن أن بعض طوائف هذه الأمة قد وقعت في مثلها، تصديقًا لما أخبر به النبي ﷺ من اتباع سنن من كان قبلنا.

وتظهر أهمية الموضوع في أنه يحفظ على المسلم هويته وعقيدته ويقوّي عنده أصل الولاء والبراء. فهو يكشف صور التشبه التي تدخل على الناس باسم الدين، كالغلو في الأنبياء والصالحين، وطاعة المعظَّمين في تحليل الحرام وتحريم الحلال، والرهبانية المبتدعة، وبناء المساجد على القبور، واتخاذ السماع والأصوات المطربة عبادةً يُتقرَّب بها إلى الله.

والهدف من هذا المجلس أن يعرف المشاهد أوجه المشابهة المذمومة بأصحاب الجحيم، وأن يميّز بين العبادة المشروعة والبدعة المحدثة، وأن يعتصم بالكتاب والسنة على فهم السلف الصالح.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: الغلو في المسيح عليه السلام وتقرير كفر من خالف دين الإسلام

ينقل شيخ الإسلام ما ذكره الله عن النصارى من غلوهم في عيسى عليه السلام. ويبيّن الشارح أن عقيدة المسلمين وسطٌ بين ضلالين: فاليهود طعنوا في مريم الصدّيقة الطاهرة وآذوا المسيح، والنصارى رفعوه فوق منزلته فقالوا إنه الله أو ابن الله. أما أهل الإسلام فيقولون: هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطاهرة.

ويؤكد الشارح أن الحكم بكفر من كذّب بالنبي ﷺ من أهل الكتاب أصلٌ قطعي ثبت بنصوص الكتاب والسنة، فلا يجوز تمييعه ولا تقديم أي اعتبار أرضي عليه. ومن أنكر ما حكم الله به فقد ردّ كلام الله عز وجل. ويلفت النظر إلى التناقض في حال النصارى، إذ يعظّمون الصليب الذي يزعمون أن إلههم صُلب عليه، ويوالون من طعن في المسيح وأمه.

قال الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ۚ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ [النساء: 171]

وقال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: 17]

وقال رسول الله ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ» [رواه مسلم]

المحور الثاني: الغلو في الأولياء والصالحين عند طوائف من هذه الأمة

يقرر شيخ الإسلام أن الغلو في الأنبياء والصالحين وقع في طوائف من ضُلّال المتعبدة والمتصوفة، حتى انتهى بعضهم إلى القول بالحلول والاتحاد، وهو أقبح من قول النصارى أو مثله. ويضرب الشارح أمثلة من أشعار وأقوال غلاة الصوفية التي تصرف للمخلوق ما لا يكون إلا لله، ويذكر صورًا من التبرك الممنوع الذي لم يكن معروفًا عند الصحابة رضي الله عنهم.

ثم يبيّن المعنى الصحيح للولاية: كل مؤمن تقي فهو ولي لله، وكل كافر أو فاجر فهو من أولياء الشيطان، ولا قسم ثالث. لكن ولاية الرحمن درجات يتفاضل فيها الأنبياء والصدّيقون والصالحون، وولاية الشيطان دركات بعضها أسفل من بعض.

قال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ۝ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: 62-63]

المحور الثالث: اتخاذ الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله

يذكر شيخ الإسلام قول الله تعالى في أهل الكتاب إنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، وأن معنى ذلك طاعتهم في تحليل الحرام وتحريم الحلال. ومن باب الأمانة العلمية ينبّه الشارح إلى أن حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه في تفسير الآية ضعيف عنده، مع أن المعنى الذي دلّ عليه صحيح تشهد له الآية نفسها.

ويبيّن أن كثيرًا من أتباع المتعبدة يطيعون من يعظّمونه في كل ما يأمر به، ولو كان فيه تحليل حرام أو تحريم حلال، وأن هذا مشاهَد في الواقع. ويفرّق الشارح بين الحكم على الفعل والحكم على المعيَّن، فليس كل من وقع في الفعل يُحكم عليه بعينه بالكفر حتى تتحقق الشروط وتنتفي الموانع، وهذا منهج أهل السنة في باب التكفير.

قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا﴾ [التوبة: 31]

المحور الرابع: الرهبانية المبتدعة وبناء المساجد على القبور

يتحدث شيخ الإسلام عن الرهبانية التي ابتدعها النصارى ولم يكتبها الله عليهم. ويبيّن الشارح أن العبادة البدعية التي تخالف الفطرة والشرع تجرّ إلى مفاسد عظيمة، وأن طوائف من مبتدعة المسلمين وقعت في نظير ذلك. ويذكر أمثلة رآها في بعض البلاد من بدع الطرق ومنكراتها.

ثم يتناول بناء المساجد على قبور الأنبياء والصالحين، وهو من فعل اليهود والنصارى، وقد نهى عنه النبي ﷺ في غير موطن حتى في آخر حياته. ويشير الشارح إلى دور الفاطميين في نشر الأضرحة والمشاهد في مصر والشام، وإلى تعدد المشاهد المنسوبة لشخص واحد في أماكن مختلفة، وهذا يدل على بطلان كثير منها.

قال الله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: 27]

وقال تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا﴾ [الكهف: 21]

وقال رسول الله ﷺ: «أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ» [رواه مسلم]

المحور الخامس: السماع المطرب والتدين بالأصوات والقصائد

يذكر شيخ الإسلام أن الضالين يقوم عامة تدينهم على الأصوات المطربة والصور الجميلة، وأن طوائف من هذه الأمة اتخذت السماع المطرب وإنشاد القصائد طريقًا لإصلاح القلوب والأحوال، وفي ذلك مشابهة لحال الضالين. وقبل الشرح يقف الشارح عند اختلاف نسخ الكتاب في هذا الموضع، ويرجع إلى النسخة المحققة.

ويذكر الشارح نماذج مما يُنشد في الموالد، من أقوال فيها غلو ظاهر يخرج عن حدود الشرع وإن كان أكثر من يردده لا يفهم معناه. ويذكر حلقات الرقص والطبل والتصفيق التي تُسمّى ذكرًا، ويبيّن أنها تشبه ما وصف الله به صلاة المشركين عند البيت. وينبّه على ما في الغزل الصوفي من سوء أدب في مخاطبة الله تعالى.

قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: 35]

ويختم المجلس بقول الله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَىٰ لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ﴾ [البقرة: 113]

النقاط الرئيسية

  • من أخلاق اليهود المذمومة أن يقولوا على الله بغير علم، فيضعوا الأحاديث على رسول الله ﷺ ويحتجوا في الدين بما ليس بحجة.
  • عقيدة المسلمين في عيسى عليه السلام وسط بين جفاء اليهود وغلو النصارى: فهو عبد الله ورسوله، وأمه صدّيقة طاهرة.
  • الحكم بكفر من لم يؤمن بالنبي ﷺ من اليهود والنصارى أصل قطعي ثابت بالكتاب والسنة، ولا يجوز تمييعه.
  • الناس فريقان: أولياء الرحمن وهم المؤمنون المتقون، وأولياء الشيطان، ولكلٍّ منهما درجات أو دركات.
  • طاعة المعظَّمين في تحليل الحرام وتحريم الحلال من اتخاذهم أربابًا من دون الله، مع وجوب التفريق بين الحكم على الفعل والحكم على المعيَّن.
  • الرهبانية المبتدعة وبناء المساجد على القبور من سنن أهل الكتاب التي نهى عنها النبي ﷺ.
  • اتخاذ السماع المطرب والرقص والتصفيق عبادةً يشبه حال الضالين وصلاة المشركين عند البيت.

الفوائد والعبر

  • أن يحرص المسلم على تعلّم العقيدة الصحيحة حتى يميّز بين التوحيد ومظاهر الغلو والشرك التي تُلبَس لباس الدين.
  • أن يحذر من التشبه بأهل الكتاب في عباداتهم وأخلاقهم، فمخالفتهم مقصد شرعي كما قرّره شيخ الإسلام.
  • ألّا يطيع المسلم أحدًا في معصية الله مهما بلغت منزلته عنده، وأن يزن الأقوال والرجال بالكتاب والسنة.
  • أن يحفظ للعلم أمانته، فيبيّن درجة الأحاديث ولا يحتج إلا بما ثبت، كما فعل الشارح مع حديث عدي بن حاتم.
  • أن يطلب صلاح القلب بالقرآن والذكر المشروع والعمل الصالح، لا بالقصائد المطربة والبدع المحدثة.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات