محاضرة بعنوان --- : " أحكام الصيام " لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

2,789 مشاهدة
477 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

في هذه المحاضرة من ملف شهر رمضان المبارك يتحدث فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري عن أحكام الصيام. ألقاها الشيخ في أواخر شهر شعبان، قبل دخول رمضان بأيام قليلة، فوقف مع المسلمين وقفة استعداد لهذا الزائر الكريم. وبيّن أن الصيام ليس امتناعًا عن الطعام والشراب فحسب، فهو عبادة لها حقيقة شرعية وشروط وغايات عظيمة يجب على المسلم أن يعرفها قبل أن يدخل الشهر.

يبدأ الشيخ بتعريف الصيام في اللغة والشرع، ويشرح النية وما يكفي فيها، ثم يبيّن الزمن المعيّن للصيام ومن يجب عليه ومن يُعذر بتركه. وينتقل بعد ذلك إلى فضائل هذا الشهر، مستدلًّا بالآيات والأحاديث الصحيحة، ليعرف المسلم قدر العبادة التي يتقرّب بها إلى ربه.

وتهدف المحاضرة إلى أن يفهم المشاهد أحكام الصيام فهمًا صحيحًا، وأن يدرك أن رمضان مدرسة للتقوى والإخلاص والمراقبة، وأنه موسم تجارة رابحة مع الله عز وجل. فيستقبله بقلب حاضر وعزيمة صادقة، ويخرج منه وقد زاد إيمانه وقربه من الله.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: تعريف الصيام لغةً وشرعًا

الصيام في اللغة هو الإمساك. ومنه قول الله تعالى عن مريم عليها السلام: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [مريم: 26]، والمراد إمساكها عن الكلام.

وأما في الشرع فهو: الإمساك بنيّة عن أشياء مخصوصة، في زمن معيّن، من شخص مخصوص. والأشياء المخصوصة هي الأكل والشرب والجماع. والزمن المعيّن يبدأ من طلوع الفجر الصادق، أي من أذان الفجر، وينتهي بغروب الشمس. والشخص المخصوص هو المسلم العاقل البالغ السالم من الموانع الشرعية. وتُشترط في المرأة الطهارة من الحيض والنفاس.

ونبّه الشيخ إلى أن المحرمات كالغيبة محرّمة في كل وقت، في رمضان وغيره. أما الأكل والشرب وجماع الزوجة فهي مباحة في الأصل، وتصير ممنوعة في نهار رمضان خاصة.

المحور الثاني: النية في الصيام وحكم من يُعذر بالفطر

النية شرط في صيام الفريضة، والإمساك بغير نية لا يُعدّ صيامًا. ومن الأدلة على ذلك حديث حفصة رضي الله عنها مرفوعًا: «مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَلَا صِيَامَ لَهُ». وقد اختُلف في رفع هذا الحديث ووقفه، وصحّح الشيخ الألباني رحمه الله رفعه. وحتى لو كان موقوفًا فإن مثله لا يقال من قبيل الرأي، فله حكم الرفع.

والنية محلّها القلب. والتلفظ بها، كقول: "نويت صيام غدٍ من شهر رمضان"، ليس من السنة. ويكفي أن يعزم المسلم بقلبه على الصيام، أو أن يقوم للسحور، أو أن يشرب شربة ماء قبل الأذان بنية الصيام، فهذا كله نية صحيحة. وأجاز الشيخ أن ينوي المسلم في أول الشهر صيامه كاملًا.

والصيام فرض بالكتاب والسنة والإجماع، قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185]. ومن الأعذار الشرعية المرض والسفر، فيجوز لصاحبهما الفطر ثم القضاء، لقوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184]. ويدخل في الأعذار الحامل والمرضع إذا خافتا على نفسيهما أو على الولد. وبيّن الشيخ أيضًا عِظَم حرمة الجماع في نهار رمضان، وأن كفارته صيام شهرين متتابعين.

المحور الثالث: الصيام مدرسة الإخلاص والتقوى والمراقبة

بيّن الشيخ أن الصيام عبادة خفيّة بين العبد وربه، لا يطّلع عليها أحد غير الله. الصلاة والزكاة والصدقة قد يدخلها الرياء لأن الناس يرونها، أما الصائم فيستطيع أن يأكل ويشرب خفية دون أن يعلم به أحد. لذلك اختص الله الصيام بنفسه، فقال في الحديث القدسي: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» [متفق عليه].

وضرب الشيخ مثلًا بالصائم الذي يتمضمض فيجد برودة الماء في فمه، ولا يبتلع منه قطرة لأنه يعلم أن الله يراه. وكذلك من يشمّ رائحة الطعام بعد العصر وهو جائع فيصبر. وهذا كله من مراقبة الله، ومن معنى «حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ».

وأعظم غايات الصيام تحقيق التقوى، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]. فإذا لم يتغير قلب العبد في آخر رمضان، ولم يزدد إيمانًا وقربًا من الله، فقد فاتته ثمرة الصيام. وللإيمان حلاوة يجدها العبد، كما في حديث العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه: «ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا» [رواه مسلم]. وفي حديث أنس رضي الله عنه: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ» [متفق عليه].

المحور الرابع: الصيام جُنّة وآداب الصائم

الصيام وقاية تحفظ العبد من الذنوب ومن النار، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ» [متفق عليه]. والرفث هو الكلام الفاحش وما يتعلق بأمور الجماع.

وحذّر الشيخ من حال بعض الناس الذين تسوء أخلاقهم في نهار رمضان فيكثر غضبهم وسبّهم. والصيام في حقيقته تهذيب للأخلاق. فإن سبّ أحدٌ الصائمَ فليقل: إني صائم. قال أهل العلم: يقولها بلسانه، ويقولها بلسان حاله، أي يُعرض عن الجاهل ويبتعد عن مواطن الخصومة.

وحذّر كذلك من شياطين الإنس، وذكر منهم ما تعرضه بعض القنوات من مسلسلات وبرامج تفسد على الناس صيامهم. فالشياطين تُصفَّد في رمضان، كما قال صلى الله عليه وسلم: «إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ» [متفق عليه]، لكن شياطين الإنس تبقى طليقة.

المحور الخامس: فضائل الصيام وجزاء الصائمين

من فضائل الصيام أن رائحة فم الصائم محبوبة عند الله، قال صلى الله عليه وسلم: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ» [متفق عليه]. فالفرحة الأولى عند الفطر كل ليلة وفي يوم العيد، والفرحة الكبرى عند لقاء الله. وهي من الفرح المشروع الذي قال الله فيه: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 58]. ومن الدعاء الثابت عند الفطر: «ذَهَبَ الظَّمَأُ، وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ، وَثَبَتَ الْأَجْرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» [رواه أبو داود].

ولأن الجزاء من جنس العمل، وأشدّ ما يعانيه الصائم هو العطش، جعل الله للصائمين بابًا خاصًّا في الجنة. قال صلى الله عليه وسلم في حديث سهل بن سعد رضي الله عنه: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ» [متفق عليه].

ومن فضائله أيضًا مغفرة الذنوب، قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» [متفق عليه]. ومن أتبع رمضان بست من شوال فكأنما صام الدهر كله، لقوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ» [رواه مسلم]. ووجه ذلك أن الحسنة بعشر أمثالها.

النقاط الرئيسية

  • الصيام شرعًا هو الإمساك بنية عن الأكل والشرب والجماع، من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس، ويجب على المسلم العاقل البالغ السالم من الموانع.
  • النية شرط في صيام الفرض ومحلّها القلب، والتلفظ بها ليس من السنة، والقيام للسحور يكفي نيةً.
  • صيام رمضان فرض بالكتاب والسنة والإجماع، ويُرخَّص للمريض والمسافر في الفطر مع القضاء.
  • الصيام عبادة سرّية اختصّها الله لنفسه، فهو مدرسة الإخلاص والمراقبة.
  • الغاية الكبرى من الصيام تحقيق التقوى وزيادة الإيمان والقرب من الله.
  • الصيام جُنّة تقي من الذنوب والنار، ويجب أن يهذّب الأخلاق ويحفظ اللسان من الرفث والسباب.
  • للصائمين فضائل عظيمة، منها: باب الريان، والفرحتان، وطيب خلوف الفم عند الله، ومغفرة ما تقدّم من الذنوب.

الفوائد والعبر

  • استقبل رمضان بتعلّم أحكامه قبل دخوله، حتى تؤدي العبادة على الوجه الصحيح.
  • اجعل صيامك تدريبًا على مراقبة الله في السر والعلن، واستصحب هذه المراقبة بعد رمضان.
  • حاسب نفسك في آخر الشهر: هل زاد إيمانك وتغيّر قلبك؟ فهذا هو ميزان الربح في تجارتك مع الله.
  • احفظ لسانك وأخلاقك في الصيام، وقابل الإساءة بقولك: "إني صائم"، وأعرض عن الجاهلين.
  • ابتعد عن مُفسدات الصيام من البرامج والمسلسلات الهابطة، واغتنم الشهر في القرآن والذكر والقيام، ثم أتبعه بست من شوال.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات